مفاهيم ومدارك

الخزي | أنا سيئٌ ومُخطئ!

أنا لست إنسانًا جيدًا…

أنا مخطئ وبلا قيمة…

لقد فعلت الكثير من الأخطاء…

إنهم يرفضوني…

يملؤني شعور الخزي وأنني مُحمَّل بالعار…

هل من حل؟

ما الخزي أو العار (Shame)؟

هو شعور الإنسان بالخجل من نفسه لأنه شخص غير صالح وفعل أمورًا سيئة ويستحق العقاب عليها.

يتسبب هذا الشعور الداخلي الخاطئ في إحساسه بالعار والحزن وتأنيب الضمير، وهو مصدر دائم للمعاناة النفسية.

يُورِث الخزي شعورًا بانعدام قيمة الشخص لدى معارفه وأقرانه وينظر لنفسه بدونية.

لاحظ الباحثون انتشاره بين الكثير من الأفراد، وفي مختلف المجتمعات والظروف البيئية والثقافية والجغرافية.

مصطلح “الخزي السام”

يكون الشعور مزمِنًا ومؤرِقًا، ويؤدي إلى انبثاق مشاعر سلبية متكررة، تصل أحيانًا إلى سلوكيات ضارة للشخص أو لغيره.  

أسباب الإحساس بالعار 

  • ينبع شعور الخزي من الشخص نفسه، ودون أي أسباب حقيقية أو خارجية في أغلب الحالات.
  • يظهر شعور العار بعد وقت طويل من محاولات الشخص للتعويض عن أخطاء ارتكبها سابقًا. 
  • قد يشعر الشخص بالعار لأمر يخص أسرته أو عائلته ولا يتعلق به شخصيًا؛ فيتسبب أخوه الكاذب أو قبيلته المشهورة بالسرقة مثلًا في إحساسه بالوصم.
  • ارتكاب ما يخالف التعاليم الدينية، مثل: السرقة أو الشذوذ الجنسي. 
  • عند مخالفة الشخص لأحد تقاليد المجتمع أو عاداته، كأن يتزوج من خارج قبيلته، قد ينبذه الأهل.
  • التعرض لحادث تَرَك آثارًا جسدية أو نفسية على الشخص، مثل: التعرض للاغتصاب في الطفولة.
  • الإصابة بإعاقة جسدية، أو وجود شيء مختلف ومميز في ملامح الشخص مما يورثه الشعور بالوصم. 
أسباب الإحساس بالعار

علامات إصابة الشخص بالخزي

  1. يفقد الشخص الثقة بنفسه لشعوره بأنه على خطأ، وأن المحيطين به يريدون لومه على شيء ما.
  2. يتجنب التعامل مع الآخرين لكيلا يسبب لهم أذى بكلماته أو أفعاله، فيزيد ذلك من شعوره بتأنيب الضمير.
  3. يؤدي هذا الإحساس إلى عدد من الحالات النفسية، أشهرها: الاكتئاب، والقلق العصبي، والشعور بالوحدة.
  4. يشعر الأشخاص الأكثر حساسية بالشلل، وبأن هناك قيودًا تمنعهم من التعامل مع الآخرين، وتعطلهم عن العمل والإنتاج.
  5. تنتفي ثقة الشخص في أهليته للشعور بالحب من الغير، أي أنه يظن أنه غير جدير بحب الناس له لأنه مذنب ولا يليق لهم.
  6. يحدث هذا لظنه أنه ما إن يحبه أحدهم، فسيعرف فورًا حقيقته وذنوبه وما اقترفته يداه. فهو يخشى كشف ما يخفيه ويشعر بالتأنيب بسببه.
  7. هناك أعراض جسدية، مثل: تسارع ضربات القلب، وجفاف الفم، وعدم القدرة على الاتصال البصري مع الآخرين.
  8. يلتزم الشخص سلوكًا عدائيًا وغاضبًا ودفاعيًا في معظم الأحيان.
  9. يبدو كأنما يعاني مخاوف عدة دائمًا، ويقل إتقانه لعمله وقدرته على إنهاء مهماته.
  10. يشعر بالضآلة وعدم الأهمية والعجز أمام أقرانه.
  11. تتكرر أفكار سلبية في ذهن الشخص، مثل: “أنا ضعيف”، “أنا غير مقبول”، “أنا لا شيء”، “أنا لست مؤثرًا”، “أنا يائس”.
علامات إصابة الشخص بالخزي

مضاعفات شعور الخزي

يؤثر الخزي المزمن (Chronic shame) على العلاقات الاجتماعية للشخص، ويتمثل ذلك في:

  1. الانسحاب من الاجتماعيات والانطوائية.
  2. يُخفِي الشخص الكثير من الحقائق والأحداث عن شريك حياته.
  3. الاعتداء الجسدي، والإهمال النفسي للطرف الآخر.
  4. مشكلات في العِلاقة الجنسية والاجتماعية.
  5. السلوك العدواني تجاه الآخر.
  6. الانتحار للتخلص من تأنيب الضمير، أو كأحد مضاعفات الاكتئاب المترتب على الخزي.

يلجأ بعض من يعانون الشعور بالعار إلى عادات أو سلوكيات لكبت هذا الإحساس، مثل: 

  1. إدمان المخدرات أو الكحوليات.
  2. الانغماس التام في العمل وإدمانه.
  3. التسوق الاستهلاكي بلا داعٍ.
  4.  إدمان القمار.

الفرق بين شعور الخزي (Shame)  وشعور الذنب (Guilt)

الخزي هو الإحساس الناجم عن اختراق القواعد المجتمعية أو القيم الدينية، ويفقد المريض بسببه الشعور بالشرف والثقة بالنفس، مثل: السرقة.

ينشأ الإحساس بالذنب نتيجة اختراق القيم التي يضعها الشخص لنفسه، مثل أن يلجأ الشخص إلى طلب مساعدة من الغير بالرغْم من  كونه عصاميًا في كل شيء.

طرق التعامل مع الشعور بالخزي

  1. يبدأ العلاج دائمًا بتحديد المشكلة: الاعتراف بأن هذا الشعور موجود، ولكنه بلا سبب حقيقي.
  2. تحديد مصدر هذا الشعور الذي ينغص حياته.

بمعنى: هل أشعر بالخزي نتيجة مشكلة جسدية أو نفسية أعانيها وأخشى بسببها مواجهة الغير؟ أَمْ هل أخشى لوم المجتمع لي عند إفشاء سر يخصني.

  1. ينبغي أن يفصل الشخص بين أمرين: فِعله أمرًا يتنافى مع الأخلاق والقوانين، وبين نظرته لنفسه وقيمته أمام نفسه والغير.

مثال: أنا غششت في الاختبار، إذًا فأنا استحققت العقاب الذي تعرضت إليه.

كل ما سبق أمر طبيعي، ويجب أن ينتهي الشعور بالخطأ عند هذا الموقف ولا يمتد لمدة زمنية أطول، ولا أن يؤثر على تقييم الإنسان لنفسه سلبًا مدى حياته.

ثم ماذا بعد؟

يبدأ العلاج النفسي بإحدى الطرق الآتية:

العلاج المعرفي السلوكي

الفكرة هنا هي تنبيه المريض إلى الأفكار السلبية التي تتبادر تلقائيًا إلى ذهنه، ومن ثَمَّ اقتناصها وتغييرها لأفكار إيجابية.

مثال: الفكرة التلقائية عند مريض الخزي هي “أنا مخطئ، ولا أستحق أي حب أو احترام منهم”، إذًا يجب دفع فكرة أخرى معاكسة لها لذهن الشخص.

العلاج بالتعرض الممتد

يعتمد على تعريض المريض لمسبب شعوره بالعار مرات عِدَّة، وبالتدريج على مدّة زمنية طويلة، مع إدارة نقاش حول هذا الأمر.

يتأكد المريض -مع التكرار والنقاش- بأن شعوره زائف وليس له أساس أو داعٍ.

مثال: عرض صور سكين على المريض الذي تلقى طعنة فيما سبق، ثم وضع سكين أمامه، ثم استخدامها.

يكون هذا التعريض مصحوبًا بالحديث حول الحادث والأمور المتعلقة به، ويؤدي هذا العلاج إلى تقليل الشعور بالألم والصدمة الناتجة عن الموقف المتسبب في الشعور بالخزي.

ملاحظة: هناك مَنْ لا يفضلون هذا الأسلوب رغبةً في الحد من إيقاظ وحش الخزي في نفس المريض.

المعالجة المعرفية

يتحدث المريض بحرية عما يؤرقه على مدار 12 جلسة، مما يساعده على تفهُّم كيفية تأثير الحادث على مشاعره وعواطفه.

التدريب على التحصين ضد الضغط العصبي

هو نوع من التعامل السليم مع الضغط العصبي لتخفيف آثاره، مثل: التنفس العميق وتمارين الاسترخاء المختلفة.

نصائح

  1. هدف أسمى

يجب على المريض أن يجد هدفًا أكبر لحياته، وألا يحصر اهتمامه في صورته الذاتية (مثل أن يهتم لأمر شخص يحبه، ويسعى لسعادته).

حينها، سيشعر الشخص بأنه ذو قيمة، وسيجد سعادة وثقة بالنفس مع نجاحه في رسم البسمة على ثغر مَنْ يحب.

  1. تعلُّم الأمور الدينية

إن قُرب الشخص من ربِّه، وتنفيذه لواجبات دينه، وذِكرِه ربَّه واللجوء إليه لا شك أنه سيمنح نفسه وعقله هدوءًا وصبرًا.

  1. الفرحة بالنجاح

إن الاحتفال بأي نجاح يحرزه الشخص له مفعول قوي على الروح المعنوية، وسيدفعه للأمام وسيلغي تدريجيًا شعوره بالخزي، ويخفف الضغط العصبي الذي يشعر به.

ونستخلص الآن

اِرفعْ رأسك دائمًا… إن لكل إنسان قيمته ودوره الذي خُلق من أجله، ولم يخلقنا الله ناقصي أهلية. ويمكن دائمًا للشخص الوصول لنقطة قوة وموهبة في نفسه، وبها يتميز عن غيره.

ولا داعيَ للشعور بالخزي والعار أبدًا… إذا أخطأت، فلتصحِّحْ خطأك أو تنفذ العقاب، ثم تمسح الأمر من ذهنك. لا تشعر بالعار من فعلة شخص آخر؛ “لا تزر وازرة وزر أخرى”.

أما إذا كنت تشعر بأنك منبوذ أو موصوم، ولا تستطيع التخلص من شرنقة الخزي التي تحيط بك، فلا تتردد في الذهاب للطبيب النفسي.

المصدر
Healing from ShameShameHow to Deal with the Aftermath of ShameOvercoming Shame-based Thinking
اظهر المزيد

د. أسماء أبو بكر

طبيبة بشرية أتوق دائما لتعلم الجديد، ولنقل العلم مع تبسيطه للجميع. أحرص على الوصول للمعلومة من أدق المصادر، ومن ثم أصيغها للقارئ والمتعلم بأسلوب علمي مبسط. أمتلك موهبة السرد المنظم الشامل. صقل عملي في التدريس الجامعي هذه الموهبة، لأضع بين القارئ علما موثوقا فيه يسير الفهم. أكتب من أجل إتاحة المعلومة الطبية الموثقة للجميع. أكتب لأنني أهوى الشرح والتفسير. أكتب لأنني أشعر بالإنجاز والسعادة مع كل مقطع أنتهي منه. أكتب لنشر العلم ودحر الجهل. أكتب صدقة عن نفسي وعلمي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق