مفاهيم ومدارك

الرضا وأثره في الصحة النفسية

في الصباح الباكر…

– استيقظت على نغمة هاتفي، فإذا بزميلٍ لي في العمل يخبرني أن الترقية التي كنت أنتظرها منذ فترة طويلة قد ذهبت لغيري!

ـ أقمت صلاتي وتناولت فطوري، ثم جلست أتابع ما ورد من رسائل إلى بريدي الإلكتروني، وجدت رسالة اعتذار عن قبولي في الجامعة التي لا طالما حلمت بإكمال دراستي بها!

كان هذان الحدثان كفيلين -في السابق- بإصابتي باكتئاب حاد لأسبوعين على الأقل، لكنِّي -ومنذ أن اخترت الرضا طريقًا لي- لا أسخط أبدًا ولا أجزع، وأؤمن أن كل ما كتبه الله لي خير، وأنه ليس مطلوبًا مني غير السعي، فأواصل طريقي بخُطى واثقة ونفس راضية. 

الرضا من المعاني العظيمة بالحياة، وهو سر من أسرار السعادة وراحة البال. 

تابعنا في هذا المقال لتعرف أكثر عن معنى الرضا، وعن تأثيره في صحتك النفسية وسلامك الداخلي. 

معنى الرضا 

يبحث الجميع عن السعادة، وفي خلال رحلة بحثهم يصبون جُلَّ اهتمامهم على ما لا يملكون، فيسعون بكل قوة إلى امتلاكه حتى تكتمل سعادتهم -في نظرهم-.

لكنهم يغفلون عن معنى آخر أهم وأشمل من تلك اللحظات الوقتية، والتي تنتهي بانتهاء الشغف تجاه الشيء الذي ظُنَّ أن به تتحقق السعادة؛ هذا المعنى الأوسع هو الرضا. 

لذا، فإن الرضا والسعادة وجهان لعملة واحدة؛ فلا يمكن أن تكون سعيدًا إذا لم تكن راضيًا عن حياتك، 

هكذا ببساطة.

تعريف الرضا 

تعريف الرضا

الرضا هو أن تقيِّم حياتك والمواقف التي تتعرض لها بإيجابية وتوازن؛ فلا تحزن على ما فاتك، ولا تقلق كثيرًا بشأن ما هو آتٍ.

الرضا بالقدر نوع من التسليم لله، واليقين أن كل شيء بيده وحده. والرضا بالقضاء ينتج عن إيمانك بأن خالقك هو الأعلم بما فيه صلاحك ونفعك. 

الإنسان الراضي هو إنسان محبٌ لذاته، ومقدر لقيمته كإنسان مستحق للخير.

لذا، فهو لا يقبل بأن تسيطر على نفسه مشاعر الأسى والجزع التي تستنزف طاقته، وتعيقه عن السعي والعمل، فيستبدلها بأخرى إيجابية، ترى الخير في كل شيء، وتتفاءل دائمًا لأنها توقن أن القادم أفضل بإذن الله.

معايير قياس الرضا 

هل يمكن قياس مدى رضا أحدهم عن حياته؟! 

في الحقيقة، قياس هذا الشعور يختلف من شخصٍ إلى آخر؛ فكل إنسان ينظر إلى أمر ما بعينٍ مختلفة عن صاحبه، أي أن لكل شخص معاييره الخاصة التي يستطيع أن يدرك من خلالها إذا كان راضيًا عن حياته أم لا.

لكن -بصفة عامة- يرتبط رضا الشخص عن حياته بهذه الأشياء:

  • الدخل أو كمية المال الذي لديه.
  • العلاقات في حياته، وهل هي علاقات جيدة وداعمة أم علاقات سامة. 
  • الصحة والعافية.

بالطبع، يقيِّم كل شخص وجود هذه الأشياء في حياته بطريقة مختلفة عن الآخر؛ فبينما تجد أحدهم سعيدًا وراضيًا حتى وإن كان يملك فقط قوت يومه، تجد آخر تعيسًا وغير راضٍ لأن ثروته الضخمة ما زالت أقل مما يملكه صديقه، وهكذا قياسًا على باقي المعايير.

أهمية الرضا 

بجانب كونه سرًّا من أسرار السعادة، هناك فوائد أخرى عظيمة للرضا على صحة الأفراد الجسدية والنفسية. 

فقد أثبتت الدراسات أن هناك علاقة ترابط قوية بين الرضا وبين بعض العوامل الصحية، مثل:

  • الأمراض المزمنة.
  • مشاكل النوم.
  • الألم.
  • السمنة.
  • التدخين.
  • القلق والتوتر.
  • القدرة على ممارسة النشاط البدني. 

تتحرك هذه العلاقة في الاتجاهين، بمعنى أن كل منهما يؤثر مباشرة في الآخر. 

لذا، من الواضح أن الرضا يمكنه أن يجنبك الكثير من المشاكل الصحية، ويحسن أيضًا من حالتك النفسية.

ما العوامل التي تؤثر في شعور الرضا ؟ 

كما ذكرنا سابقًا، فإن الرضا والقناعة من الأشياء التي يصعب تعميم معايير قياسها على جميع البشر، كذلك العوامل التي تؤثر في شعور المرء بهما تختلف من شخص إلى آخر.

لكنها في المجمل تنقسم إلى نوعين: عوامل شخصية، وأخرى بيئية.

أولًا…

العوامل الشخصية

وتشمل هذه العوامل جميع الاحتياجات الإنسانية التي يتسبب فقدانها في نشأة نوع من القلق والضغط العصبي، ومن ثَمَّ، فإن مقدار ما يتحقق منها في حياة المرء يؤثر بصورة مباشرة في رضاه عنها. 

وتتضمن الآتي:

  • الاحتياجات الفسيولوجية

وتشمل الحاجة إلى الطعام والملبس والمسكن والجنس.

  • الاحتياجات النفسية

وتشمل الحاجة إلى تقدير الذات، وإلى التمتع بصحة نفسية جيدة بعيدًا عن القلق والإحباط، وإلى امتلاك المهارات الحياتية اللازمة للعيش في مستوى اجتماعي واقتصادي مقبول.

  • الاحتياجات الاجتماعية

وتشمل الحاجة إلى وجود العلاقات الداعمة الصحية، مثل العائلة والأصدقاء، وكذلك ممارسة المجتمع لدوره في دعم أفراده والنهوض بهم.

  • الاحتياجات التعليمية

وتشمل الحاجة إلى التعليم الجيد، الذي يفتح الأبواب لصاحبه، وينير بصيرته، ويحسن من مستوى تفكيره. 

تؤدي كل تلك الأمور دورًا هامًا في رضا المرء عن حياته، إذ تساعده على التفكير المنطقي العقلاني، وتجنِّبه المبالغة في رد الفعل، وأيضًا تفتح له السُبُل للنهوض من جديد إذا تعثر أو وقع.  

العوامل البيئية

وتشمل تلك العوامل كل الأمور الأخرى المحيطة بالشخص، والتي تؤثر في حياته، لكنه لا يملك السيطرة عليها أو تغييرها بصورة مباشرة. 

وتتضمن الآتي:

دائرة الشخص الاجتماعية

وتشمل تأثير الأصدقاء والعائلة والجيران وزملاء العمل في حياته، وما إذا كانت العلاقات بينهم علاقات مرضية وصحية أم علاقات سامة

البيئة الجغرافية التي يعيش فيها الشخص

على سبيل المثال: هل يعيش الشخص في مكان جغرافي يحقق له كل تطلعات الحياة المريحة المستقرة؟ أم أن البيئة مليئة بالصعاب والتحديات التي يصعب تجاوزها والعيش معها؟ 

البيئة المجتمعية

وتشمل جميع الخدمات التي من المفترض أن توفرها الدولة والمجتمع للفرد، مثل: وسائل المواصلات، ووسائل الحماية والأمان، وجودة التعليم، وغيرهم.

نصائح ستساعدك على الشعور بـ الرضا عن حياتك

نصائح ستساعدك على الشعور بـ الرضا عن حياتك

لا تنسَ يا صديقي أن الرضا لمَنْ يرضى، بمعنى أنك تستطيع أن تجعل هذا الشعور نهج حياتك -إن أردت- مهما كانت العوامل والظروف التي تحيط بك.

إليك بعض النصائح التي ستساعدك على تحقيق ذلك:

درِّب نفسك على الامتنان 

  • كن مقدرًا دائمًا لكل ما تملك، واشكر الله عليه.
  •  عبر دائمًا عن امتنانك وتقديرك لكل ما يقدمه الآخرون لك من خدمات؛ سيعوِّدك ذلك على رؤية الجانب المشرق في حياتك، وعلى الاستمتاع بكل ما لديك. 

كن متفائلًا 

اجعل التفاؤل أسلوب حياتك دون أن تكذب على نفسك، بمعنى آخر، ادرس جيدًا إمكانياتك، وضع أحلامًا واقعية على أساسها، ثم اسعَ لتحقيقها، وتأكد أنك ستشعر بالسعادة يومًا ما. 

أحط نفسك بالأشخاص الراضين القانعين

المشاعر الإيجابية أو السلبية كالعدوى؛ يمكنها أن تنتقل من شخص إلى آخر. 

لذا، احرص على إقامة العلاقات مع الأشخاص الإيجابيين، وابتعد عن السلبيين المحبطين، الذين لا يكفون عن الشكوى. 

اعرف إمكانياتك المادية وعش على أساسها

من الأمور التي تجعل أحدهم غير راضٍ عن حياته هي محاولته العيش بطريقة لا تناسب إمكانياته، فيرهق نفسه بالإنفاق على المظاهر الكاذبة، ظنًا منه أن ذلك سيحقق له السعادة. 

ينتج عن ذلك شعور متواصل من الضغط العصبي والسخط على الحال. 

بينما لو عاش وفقًا لما تسمح به ظروفه المادية، سيجنب نفسه الكثير من الضغوط النفسية، وسينعم براحة البال. 

اتبع نمط حياة صحيًا

لا تنسَ أن الصحة والرضا أمران مترابطان. لذلك، اهتمامك بصحتك النفسية والجسدية -وبنظافتك الشخصية- سيحسن من مزاجك ويقوي ثقتك بنفسك، وسيزيد من فرص رضاك عن جوانب حياتك الأخرى.

ختامًا، تقبَّل ذاتك كما هي، واعلم أن لكل شيء إذا ما تم نقصان؛ فلا تأسَ على ما فاتك، وعش حياتك سعيدًا راضيًا بما كتبه الله لك!

المصدر
Life Satisfaction Theory and 4 Contributing FactorsDefinition Of Life Satisfaction Psychology EssayThis Feeling Matters More Than Happiness27 Guidelines to Improve Life-Satisfaction, Well-being, Mental Health and the Quality of Life
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق