ترياق الأمراض النفسية

الرفض الاجتماعي | رفيقي الذي أكره!

«هل يجب أن تنتهي حياتي كي تشعروا بمدى ألمي؟! 

ألا يكفيكم ألم قلبي؟!

هل شعرت من قبل بالرفض أو النبذ ممن حولك؟! 

هل تعلم مدى قسوة هذا الشعور؟!

لقد عانيت الرفض الاجتماعي سنواتٍ طويلة، ولم يعد قلبي يتحمل هذا الكم من الألم!»

كانت هذه الكلمات الأخيرة التي كتبها (آدم) قبل محاولته الانتحار، إثر إصابته بالاكتئاب. 

لكن، هل يمكن أن يتسبب الرفض في ذلك؟! 

سنجيب عن جميع التساؤلات في هذا الترياق، هيا بنا…

الرفض الاجتماعي

يعني: تعرض الفرد للتجاهل والاستبعاد المتعمد من عائلته أو أقرانه أو زملائه أو من علاقة عاطفية.

تُرى، من منا لم يتعرض لموقف رفض في حياته؟! 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

فإن قوبلت بالرفض ولو مرة واحدة، فلا شك أنك تذكر جيدًا ذاك الشعور الأليم الذي سببه لك. 

إن الرفض يولد ألمًا نفسيًا يُسمى “الألم الاجتماعي.

حساسية الرفض

يُعد شعور “الرفض” تجرِبة موجعة  للغاية، لكن بعض الأشخاص يشعرون بوجع الرفض أكثر من غيرهم، إنهم يُعانون “فوبيا الرفض” بدرجة مبالغ فيها.

حساسية الرفض واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)

يرى العلماء أن أحد أسباب اضطراب “نقص الانتباه وفرط الحركة” هو الشعور بالرفض. 

قد يُعاني هؤلاء الأشخاص الخوف من الرفض الاجتماعي بقدر أكبر من غيرهم، بالإضافة إلى:

  • النقد الذاتي.
  • القلق والتوتر من التجمعات.
  • الحزن الشديد.
  • الميل إلى العزلة والانطواء.

الألم الاجتماعي

هو الألم المصاحب للشعور بالرفض بكل صوره، سواء كان نبذًا أو تجاهلًا أو تنمرًا.

لكن، هل نشعر بالألم الناتج عن هذه الأوجاع النفسية مثلما نشعر بالألم الناتج عن الأوجاع الجسدية؟

هل تشعر القلوب التي كُسرت بالكسر؟ 

هل الأفعال التي تؤلمنا وتؤذي مشاعرنا تسبب لنا ألمًا حقيقيًا؟ أم أنه مجرد تعبير مجازي عن ألمنا النفسي فقط؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، دعني أوضح لك -عزيزي القارئ- أن الألم الجسدي يتكون من جانبين:

١. الجانب الحسي للألم

هو الجانب المسؤول عن الشعور بالألم الجسدي.

٢. الجانب العاطفي للألم

هو الجانب المسؤول عن الشعور الداخلي بهذا الألم الجسدي، مثل: الحزن أو الخوف. 

لذلك، قد نجد الشخص المصاب بألم مزمن يُصاب بالقلق أو الاكتئاب.

ارتباط ألم الرفض بالألم النفسي

أثبت التصوير بالرنين المغناطيسي للمخ (FMRI) ارتباط ألم الرفض بالألم النفسي، إذ إنه:

يحدث نتيجة تنشيط الجانب العاطفي للألم الجسدي، فهما يتشاركان في الآليات العصبية والسلوكية الخاصة بالاستجابة للألم.

لذا، استخدم الباحثون تقنية تُسمى (Cyberball)، لدراسة تأثير الرفض الاجتماعي على منطقتي المخ المسؤولتين عن الألم الجسدي، وهما:

  • القشرة الحزامية الأمامية الظهرية (DACC).
  • العزل الأمامي (AI).

تقنية (Cyberball)

صمم (ويليامز) تقنية Cyberball بعد تجربته الشخصية مع الرفض، بعد أن استبعده لاعبان في أثناء لعبهم لُعبة الطبق الطائر (Frisbee).

يبدأ الأشخاص الخاضعون للدراسة (Subjects) تمرير الكرة إلى اللاعبين الآخرين الذين يتبادلون الكرة مع بعضهم متعمدين استقصاء الآخرين؛ ونتيجة لذلك:

  • وجد الباحثون نشاطًا متزايدًا في المناطق المسؤولة عن الاستجابة للألم الجسدي عند الأشخاص الذين رُفضوا. 

وهذا يثبت تداخل ألم الرفض مع الألم الجسدي.

  • الرفض يؤلم جسديًا (من الناحية العصبية) مثلما يفعل الألم الجسدي. 

فالمخ لا يفرق بين الألم الناتج عن كسر ذراع أو كسر قلب.

علامات الرفض الاجتماعي

توجد العديد من العلامات التي قد تظهر على الشخص المرفوض اجتماعيًا، أهمها:

  1. الشعور بالفشل وقلة احترام الذات.
  2. تجنب التجمعات.
  3. الشعور بالعزلة والحزن.
  4. السلوكات العدوانية.
  5. الفشل في تكوين علاقات اجتماعية.
  6. قد يصابون ببعض الأمراض النفسية، مثل: الاكتئاب أو نوبات الهلع (Panic attack).
  7. الميول الانتحارية.

تأثير الرفض الاجتماعي

يستجيب الأشخاص للرفض الاجتماعي بطريقتين مختلفتين، هما:

  1.  السعي إلى الاندماج في علاقات أخرى

يُحاول بعض الأشخاص البحث عن القبول الاجتماعي في علاقاتٍ أخرى، لذا يطورون سلوكياتهم لتتوافق مع الآخرين ويمتثلون لطلباتهم.

بذلك، يمكن أن تزداد فرصة الشعور بالقبول الاجتماعي وتخطي ألم الرفض.

  1.  التصرف بعنف وعدوانية

يميل بعض الأشخاص إلى التصرف بغضب وعنف لجذب الانتباه إليهم وإثبات سيطرتهم، كرد فعل تجاه تعرضهم للرفض.

في عام 2003، تمكن (ليري) وزملاؤه من تحليل خمس عشرة حالة إطلاق نار على المدارس، ووجدوا أن جميعهم -باستثناء حالتين- كانوا يُعانون الرفض.

وخلصت الدراسة إلى خطورة الرفض الاجتماعي وتأثيره السلبي في الأفراد، وقدرته على تحويلهم إلى مجرمين يتصرفون بعدوانية وعنف ويسببون أضرارًا لمن حولهم.

علاج الرفض الاجتماعي

يُمكن تخفيف ألم الرفض بعدة طرق، منها:

  1.  تقبل مشاعر الرفض

عليك أن تعترف بمشاعرك تجاه الرفض وتتقبلها، وذلك قبل التفكير في علاجها؛ فلا يستطيع أحد أن يشعر بما تشعر به.

أخبر نفسك أنك غير مهتم بهذه المشاعر السلبية وأنك قادر على تجاوزها.

  1.  تقدير الذات

يجب أن تذكِّر نفسك بقيمتها وأنها تستحق الحب والقبول ممن حولها. 

اكتشف مميزات شخصيتك وعزز ثقتك بنفسك؛ ستشعر بخوفٍ أقل في مواجهة الرفض.

  1.  مواجهة خوفك

الانعزال وتجنب التجمعات لن يمنعاك من التعرض للرفض، يجب عليك مواجهة خوفك ومحاولة التغلب عليه.

  1.  تجاهل الأفكار السلبية

التعرض للرفض يجعلك تقسو على نفسك أحيانًا، فقد تجلد ذاتك قائلًا:

  • كان يجب أن أفعل كذا!
  • كنت أعلم أني سأفسد ذلك!
  • لقد تحدثت كثيرًا، أنا ممل للغاية!

قد يعزز ذلك اعتقادك بأن الرفض هو خطؤك أنت، مع أنك قد لا تكون سببًا في ذلك. 

فكر بطريقة إيجابية، وتعاطف مع ذاتك للحصول على أفضل النتائج.

  1.  إيجاد شبكة دعم جيدة

السعي وراء العلاقات الصحية والإيجابية يجعلك تشعر بأنك شخص مرغوب فيه. 

ويُعد ذلك دعمًا قويًّا للتخلص من مشاعر الرفض السلبية.

  1.  اللجوء إلى المتخصص النفسي

تستطيع التغلب على مخاوفك قصيرة الأمد، لكن إن أصبحت طويلة الأمد وأدت إلى:

  • نوبات الهلع.
  • اضطراب القلق.
  • أفكار انتحارية.
  • تصرفات عدوانية.

فيجب عليك حينها التحدث إلى طبيبك النفسي للتغلب على هذه الاضطرابات وتقويم سلوكك.

في الختام، جميعنا لدينا احتياج دائم إلى الشعور بالانتماء والقبول الاجتماعي تمامًا مثل احتياجنا إلى الطعام والشراب.

يتعامل كل منا مع الرفض الاجتماعي بطريقته، فمنا من قد يؤثر فيه سلبًا، ومنا من قد يُمثل له نقطة تحول لاكتشاف مهاراته وتطوير سلوكه. 

وأنت -يا عزيزي، أي طريق تختار؟

بقلم/ إسراء أحمد الفرماوي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى