مفاهيم ومدارك

الزهد | سموٌ بالروح وتطهيرٌ للجسد

كان الزهد في الدنيا ومتاعها من شيم السلف الصالح رضوان الله عليهم؛ فيُحكَى أن الخليفة عمر بن الخطاب
-رضي الله عنه- طلب يومًا من أهل حمص أن يكتبوا له أسماء الفقراء، كي يعطيهم نصيبهم من بيت المال. لكنه فُوجِئ باسم (سعيد بن عامر) -والي حمص في ذلك الوقت- مُدرَجًا بين الأسماء!

تعجَّب الخليفة من هذا الأمر، وسأل أهل حمص عن سبب ذلك، فأجابوه أن واليهم ينفق كل راتبه على الفقراء
والمساكين، ويقول: “ماذا أفعل وقد أصبحت مسؤولًا عنهم أمام الله تعالى؟”!

وعندما سألهم عمَّا يعيبون عليه، قالوا: “نعيب عليه ثلاثًا؛ لا يخرج إلينا إلا وقت الضحى، ولا نراه ليلًا أبدًا،
ويحتجب عنا يومًا في الأسبوع”.

وكان رد (سعيد) على هذه العيوب أنه لا يخرج إلا وقت الضحى بعد أن يفرغ من حاجة أهله، إذ إن امرأته مريضة
ولا خادم له. ولا يراهم ليلًا، إذ جعل الليل لعبادة الله والنهار لقضاء حوائجهم. ويحتجب عنهم يومًا في الأسبوع؛ يغسل فيه ثوبه -الذي لا يملك غيره- وينتظره حتى يجف.

كانت هذه إحدى قصص الزهد العظيمة التي يمتلئ بها التاريخ، فمَن عرف حقيقة الدنيا، رغب عنها، ولم يشغل نفسه
بخداعها وملذاتها.

تابعونا عبر هذا المقال، لنتعرف أكثر إلى حقيقة الزهد، وفوائده العظيمة على النفس.

تعريف الزهد

الزهد ضد الرغبة، ومعناه الإعراض والترفع عن الرغبات الجسدية والنفسية، أي التخلص من التعلق بها،
وذلك من أجل تحقيق أهداف روحية سامية. 

وهو نوع من القناعة والرضا بالقليل الذي تملك، وعدم التطلع إلى ما عند غيرك، وذلك لأنك تدرك أن الدنيا زائلة وأن متاعها مؤقت، فتترفع نفسك عن طلبها، ولا تفرط في الانشغال بها.

لا يعني الزهد أن يكون الإنسان فاقدًا للرغبة في كل شيء، لأن هذا ضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها،
ولكنه يعني الرضا بالحال والتحكم في الشهوات، واليقين بأن ما عند الله خير وأبقى.

ماذا يحدث إذا غاب الزهد عن حياتنا؟ 

كما نعلم جميعًا، فإننا نعيش في عصر تسيطر عليه المادة، فيقيس الجميع سعادتهم بقدر ما يمتلكون؛ كلما امتلكوا أكثر،
كانوا أكثر سعادة وابتهاجًا.

فنتج عن ذلك:

  • الكثير من الضغوط النفسية والعصبية على الأفراد. 
  • زيادة انتشار الأمراض النفسية، مثل: الاكتئاب، والقلق، والتوتر.
  • عدم الرضا، وقلة القناعة، والتطلع إلى ما عند الغير.
  • الغيرة والحقد والطمع. 
  • الإفراط في حب الذات. 
  • الغرور والتباهي وحب الاستعراض. 
  • زيادة الفجوة المجتمعية؛ الفقراء يزدادون فقرًا، والأغنياء يزدادون غنى. 
  • زيادة ظهور المشكلات المجتمعية، مثل: الفساد، والغش، والسرقة، والرشوة. 

لذا، كان الناس بحاجة إلى قيمة عظيمة مثل الزهد، تخلصهم من سيطرة المادة على حياتهم ونفوسهم، وتمهد لهم طريقًا آخر للسعادة، بعيدًا عن المال أو المتع الشكلية الزائلة.

فوائد الزهد

يعود الزهد بالكثير من النفع على الفرد، ومن ثَمّ المجتمع. فإذا كان الشخص زاهدًا، فسيلمس نتيجة ذلك في تفكيره وتوازنه النفسي، مثل:

الشعور بالسلام الداخلي 

يجلب لك الزهد راحة البال والطمأنينة. بعضنا يشعر في هذه الدنيا وكأنه في سباق، مطلوب منه أن يجمع أكثر ما يمكنه، لكنه يُفاجأ في نهاية هذا السباق بأنه سيترك كل ما جمع، ولن يأخذ معه شيئًا!

أما الإنسان الزاهد، فيدرك هذه الحقيقة، فيتعامل مع الدنيا ورغباتها باتزان، دون إفراط أو تفريط. 

بالطبع لا يعني ذلك أن يكون الإنسان قليل الطموح كسولًا، ولكن يعني أن يعمل بإيجابية واتزان؛ فلا يجور على حق نفسه وربه. وأن يكون دائمًا راضيًا وسعيدًا بما حقق. 

السعادة 

السعادة تكمن في الرضا، والرضا أحد أشكال الزهد؛ فإذا كنت زاهدًا، فذلك يعني أنك تحاول الاستمتاع بما تملك
-حتى وإن كان قليلًا- وتنظر إليه نظرة إيجابية.

أما إذا لم تكن زاهدًا، فستشعر دائمًا بأن هناك ما ينقصك، وستظل تدور في دائرة من الحزن والتعاسة متطلعًا إلى ما ليس بيدك.

تحسين العلاقات بين البشر

من أقسام الزهد أيضًا الزهد في الناس، ويعني ذلك أنك لا تنتظر كثيرًا ممَّن حولك. قد يفهم بعضهم أن هذا من الممكن أن يؤثر في العلاقات سلبًا، لكن العكس هو ما يحدث. 

زهدك في الآخرين يجعلك تتقبلهم كما هم، فلا تتطلع نفسك إلى أكثر مما يعطونك. سيجعل ذلك علاقاتك أكثر راحة لك ولشركائك فيها؛ فأنتم تتقبلون بعضكم بعضًا، وتقدِّرون ما تحصلون عليه دون إحباط أو انتظار للمزيد الذي قد لا يكون بمقدور الطرف الآخر من العلاقة.

التمييز بين الرغبة والحاجة

سيدربك الزهد على التفريق بين الحاجات الضرورية اللازمة لحياتك، وبين الرغبات التي يمكن الاستغناء عنها.

لا يستطيع بعض الناس التفريق بين الاثنين، فيقع أسيرًا لرغباته التي يظن أنه لا يمكنه العيش بدونها، والحقيقة غير ذلك. 

وهكذا، سيجنب الإنسان نفسه الكثير من الضغوط والقلق والاكتئاب الناتجين عن رغبته في امتلاك المزيد،
فيعيش ببساطة وينعم بالرضا والهدوء النفسي. 

الزهد في الطعام

من الآفات التي ابتلينا بها في العصر الحديث كثرة الأكل؛ فصار تنوُّع الأطعمة وكثرتها دليل الغنى والسعادة عند بعضهم. 

وقد نتج عن ذلك الكثير من المشاكل الصحية المرتبطة بالإفراط في تناول الطعام غير الصحي،
مثل: السمنة، وأمراض القلب والأوعية الدموية، ومرض السكري، وغيرهم. 

لذا، ينصح الأطباء -اليوم- الأشخاص باتباع الحميات الغذائية الصحية التي تُبنَى في الأساس على فكرة الزهد في الطعام والصيام، وتقليل الكميات المتناوَلة في أثناء الوجبات، والعودة إلى الطبيعة وخيراتها. 

كيف تصبح زاهدًا؟ 

ممارسة الزهد ليست أمرًا سهلًا؛ بل تحتاج إلى الكثير من مجاهدة النفس، من أجل التغلب على رغباتها وشهواتها. 

إليكم بعض النصائح التي قد تساعدكم على جعل الزهد جزءًا من حياتكم:

  • فكِّر أولًا لماذا تريد أن تصبح زاهدًا؟ ما السبب الذي يدفعك إلى ذلك؟ مدى قوة هذا السبب والدافع وراءه سيكون المحفز الأساسي لك على الاستمرار في الزهد وممارسته. 
  • اتبع نمطًا معيشيًا صحيًا، خاصةً من جهة الطعام؛ فقلل من كميات الطعام التي تتناولها، وتجنَّب الإسراف والتبذير، وتناوَل المزيد من الخضروات والفاكهة.
  • احرص على الاتصال بالطبيعة قدر استطاعتك، أي ممارسة التأمل في خلق الله، وقضاء بعض الوقت في الهواء
    الطلق. كل ذلك سيساعدك على تقليل اتصالك بالعالم الصاخب المليء بالمغريات الذي نعيشه الآن. 
  • احرص على أن يكون لك وقت خاص تنعزل فيه عن الآخرين، وتبتعد عن التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي. اجعله فقط لعبادة الله، وتجديد طاقتك، واستكشاف ذاتك. 
  • عِش ببساطة، واستغنِ عن كل ما تستطيع الاستغناء عنه، وتوقَّف عن شراء الأشياء غير الضرورية. 
  • ابتعد عن المغريات قدر الإمكان حتى لا تعوقك عن تحقيق هدفك. على سبيل المثال: مشاهدة الإعلانات،
    ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي التي يعرض عليها الناس حياة الرفاهية والبذخ التي يحيونها. 
  • أكثِر من عمل الخير، وساعد المحتاجين والفقراء؛ سيساعدك ذلك على الترفع عن صغائر الدنيا وملذاتها،
    لأنك ستدرك أن رفاهيتك وكمالياتك قد تكون لغيرك بمثابة طوق نجاة تنتشله من العوز والحاجة. 

في النهاية يا صديقي، لا تنسَ أن الاتزان في كل شيء هو المطلوب، فلا تجعل زهدك في الدنيا يثنيك عن العمل والسعي وعمارة الأرض، والتمتع بما أحل الله من طيبات دون إسراف أو تبذير. 

المصدر
AsceticismThe Essence of Contentment: How Acceptance Promotes HappinessIs the Primal Blueprint a Type of Asceticism?
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق