ترياق الأمراض النفسيةترياق الصحة الجنسية

السادية الجنسية بين المتعة والجريمة

تصفحت يومًا إحدى المجلات محاولًا كسر الملل الذي اعتراني من جرَّاء الحجر الصحي الطويل، فوقفت على أحد إعلانات الزواج الذي أثار دهشتي.

شاب في العقد الثالث من عمره يطلب امرأةً أربعينية للزواج بشروط معينة، أغربها وجوب قبولها بالخضوع التام لسيطرته دون إبداء مقاومة. 

لم أُلقِ بالًا لهذا الإعلان وأكملت قراءتي، فما لبثت أن وقعت عيني على إعلان مماثل، ولكنه -هذه المرة- لامرأةٍ تطلب رجلًا للزواج بشرط وحيد وهو الخضوع.

تعجبت في الحقيقة من هذه الإعلانات بشروطها غير المعتادة والمثيرة للتساؤل، وانتابني الفضول أن أبحث عن هذا الأمر أكثر وأكثر. 

فبين الإعلانات المنتشرة هنا وهناك في الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية، وبين القصص التي يحكي أبطالها عن مقدار المتعة المكتسبة بمعاناة شركائهم في أثناء العلاقة الحميمية، ثم بحثي عن طبيعة هذه الظاهرة الغريبة،
توصلتُ إلى أنهم يعانون من اضطراب نفسي يُعرَف ب”السادية الجنسية”.

فما هي السادية الجنسية؟! وما أعراضها وأسبابها؟ وما كيفية علاجها؟! 

وهل من الممكن أن تكون مِمَّنْ يعانون من السادية الجنسية وأنت لا تدري؟!

دعونا نُلِمُّ في هذا المقال بموضوع السادية الجنسية من كل جوانبه، ونتعرف إلى إجابات هذه الأسئلة.

ما هي السادية الجنسية ؟

تُعَد السادية الجنسية انحرافًا عن الفطرة السليمة التي فطر اللهُ الإنسانَ عليها؛ فهي إحدى أنواع الشذوذ الجنسي والاضطرابات النفسية المصنفة من ضمن ما يُسمَّى ب”الخَطل الجنسي” أو “البارافيليا”.

فمصطلح “السادية الجنسية” يُطلَق على الإنسان الذي يحصل على متعته الجنسية من إحداث ألم نفسي أو جسدي
لشريكه في أثناء العلاقة، سواء عن طريق الضرب أو السب أو الإهانة والإذلال، أو حتى الجرح بالآلات الحادة.

وعلى الرغم من أنه يُعتبَر اضطرابًا نفسيًا، إلا أنه لا يُعَد كذلك في حال حدوثه بموافقة الشريكين في العلاقة.
ولكن يُشخَّص الإنسان على أنه سادي إذا مارس الأفعال الجنسية السادية بشكل متكرر -على الأقل ثلاث مرات-
دون موافقة الشريك.

الأمر حقًا في غاية الخطورة، فقد تؤدي السادية الجنسية إلى نتائج شنيعة قد يصبح فيها الشخص السادي مجرمًا؛
فمن الممكن أن يخرج الأمر من نطاق السب أو الضرب الخفيف إلى الممارسات العنيفة، مما يُحدِث الكسور والكدمات في جسم الضحية، وربما القتل.

الفرق بين السادية الجنسية والمازوخية الجنسية

إن السادية الجنسية والمازوخية الجنسية ضدان لبعضهما شكلًا وموضوعًا؛
فالمازوخية الجنسية يحصل من خلالها الشخص المازوخي -رجلًا كان أو امرأة- على متعته الجنسية من شعوره بالخضوع والألم النفسي أو الجسدي. 

ليس شرطًا أن يكون الإنسان ذا شخصية سادية كي يمارس أفعال السادية الجنسية؛ فقد يتمتع الشخص بشخصية طبيعية معتدلة ولكنه يصبح ساديا في أثناء العلاقة.

وقد يكون الإنسان ساديًا بطبعه في حياته العادية، ولكن في أثناء العلاقة يحتاج إلى الشعور بالخضوع لشخص آخر،
فينقلب رأسًا على عقب إلى المازوخية الجنسية.

وتكمن المشكلة فيما إذا اجتمع شخص يحب ممارسات السادية الجنسية مع شخص مازوخي –
فيما يُدعَى ب”السادومازوخية”-؛ فلا يمكن التنبؤ بالعواقب والتي قد تصل إلى حدوث العاهات، وربما القتل.

أعراض السادية الجنسية

أعراض السادية الجنسيه

ربما تكون مِمَّنْ يعانون من السادية الجنسية وأنت لا تدري. لذا، فعليك -أولًا- معرفة أعراض السادية الجنسية كي تُشَخِصَ نفسك بالطريقة السليمة، وهي ما يلي:

  • إذا كانت لديك خيالات أو محفزات جنسية متكررة تتضمن الاستمتاع بمعاناة الأشخاص الآخرين.
  • إذا دفعتك هذه الخيالات والحوافز الجنسية إلى ممارسة فعلية للسادية الجنسية على شخص ما.
  • إذا سيطر عليك هذا الشعور باللذة من معاناة الآخرين، وأدى إلى التأثير على علاقاتك الاجتماعية وعلاقات العمل.
  • إذا استمرت هذه الأعراض لمدة ستة أشهر أو أكثر.
  • إذا مارست الأفعال السادية في أثناء العلاقة دون موافقة الشريك ثلاث مرات على الأقل.

أسباب السادية الجنسية

في الحقيقة، ليس هناك سبب معروف حتى الآن يؤدي للسادية الجنسية، ولكن ظهرت عدة نظريات تضع احتمالات للإصابة بهذا الاضطراب النفسي.

تشتمل إحدى هذه النظريات على محاولة هروب الشخص الضعيف -في حياته العادية- من شعور الضعف والعجز إلى الشعور بالقوة والهيمنة على شريكه في العلاقة الجنسية، محاولًا تطبيق الخيالات الجنسية السادية تدريجيًا مع الوقت.

ربما هناك أمر آخر يقع فيه الكثيرون مِمَّن يعانون من السادية الجنسية، ألا وهو مشاهدة الأفلام الإباحية التي تشتمل على ممارسة الأفعال السادية.

ربما تكون ميول الشخص الذي يشاهد هذه الأفلام سادية في الأصل، وربما يكون إنسانًا معتدلًا ويشمئز من رؤية مشاهد لشخص يتلذذ بتعذيب الآخرين.

لكن مع الوقت، وبتكرار متابعة مثل هذه الأفلام التي تحض على الانحياد عن الفطرة السليمة، يترسخ في الذهن تلقائيًا
أن الشريك في العلاقة لا يحصل على المتعة إلا من خلال التعذيب، ثم يتطبع على هذا الأمر مع الوقت.

وتظهر في هذه الحالة مشكلات أخرى، تتعلق بأثر الصدمة على الإنسان الذي يتزوج بشريك ذي شخصية سوية،
حتى في أثناء العلاقة، على سبيل المثال -لا الحصر- مشكلة ضعف الانتصاب التي تأتي كنتيجة لعدم استكمال المتعة إلا بمحفزات السادية الجنسية، والتي لا تتوفر في هذه الحالة.

علاج السادية الجنسية

علاج السادية الجنسية

يُعَد علاج السادية الجنسية علاجًا نفسيًا في المقام الأول؛ فإذا كانت لديك ميول لممارسات السادية الجنسية التي ذكرنا أعراضها سابقًا، فعليك زيارة الطبيب النفسي فورًا لبدء خطة العلاج.

قد يصف الطبيب بعض الأدوية لمحاولة التصدي لهذه الحالة واستئصال شأفتها، والتي تعتبر كعامل مساعد للتخلص من المشكلة،
ومنها على سبيل المثال: الأدوية المضادة للاكتئاب، والأدوية المضادة للأندروجين (هرمونات الذكورة).

وقد أثبتت فاعليتها في بعض الحالات، لكن -ومع الأسف- كانت نتائجها غير حاسمة في أغلب الحالات.

لذا، جاء العلاج النفسي في المقام الأول؛ فالعلاج السلوكي المعرفي يساعد الفرد على تحسين السلوكيات المرتبطة
بالعلاقة الجنسية، ومعرفة أنماط جديدة طبيعية للمحفزات الجنسية غير المرتبطة بإيذاء الآخرين.

نصائح عامة

إليك -عزيزي القارئ- بعض النصائح لمواجهة مشكلة السادية الجنسية، وبالأخص في بدايتها، كي تتجنب العواقب
المترتبة عليها، والتي قد لا تستطيع مواجهتها أو التحكم فيها، إليك ما يلي:

  • إن تشخيص الحالة بشكل سليم هو أولى خطوات العلاج، فإذا شعرت أن لديك ميولًا سادية في الجنس لمدة
    ستة أشهر أو أكثر، أو وجدت أنك تعاني من أعراضها، فعليك بزيارة الطبيب النفسي فورًا.
  • عليك مجاهدة نفسك ضد ما يشوب فطرتك النقية التي فطرك الله عليها؛ فالنفس تستقيم بالتعود والتدريب المستمر على ما هو صحيح.
  • إذا كنت رجلًا ساديًا فَضَعْ نُصْبَ عينيك أن المرأة مخلوق ضعيف في كل حالاتها، وعليك بالرفق بها حتى في أثناء العلاقة الحميمية.
  • إذا كنتِ امرأة سادية، فاعلمي بأنكِ جُبِلتِ في الأصل على الرقة والدلال لا الإيذاء والإذلال، فعودي إلى طبيعتك الساحرة.
  • إذا كنت تشاهد الأفلام الإباحية، وخاصةً ذات المشاهد السادية، فتوقف فورًا عن مشاهدتها؛ فهي تدعو للرذيلة
    والفجور ومخالفة الفطرة السليمة، وترسخ في النفس ما يؤدي إلى انهيار القيم والمبادئ الدينية والمجتمعية.
  • لا تتمادَ في خيالاتك الجنسية السادية إذا كنت تتعاهدها كثيرًا، بل ادفعها عن رأسك واشغل نفسك بما فيه الخير.

ختامًا -عزيزي القارئ-، لا تتخذ خطوة تجاه ما تنتكس به الفطرة السليمة، كي تتمتع بصحة نفسية متزنة.

المصدر
Sexual Sadism DisorderThe Psychology of SadomasochismSexual Sadism DisorderParaphilias: definition, diagnosis and treatment
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق