ترياق الطفل

السرقة عند الأطفال | كيف تقضي على هذه المشكلة نهائيًا؟

“وينشأ ناشئ الفتيان منا .. على ما كان عوَّدَهُ أبوه” – أبو العلاء المعري.

أطفالنا هم أحبابنا، وفلذات أكبادنا، وامتداد أرواحنا.

ننفق لأجلهم من أعمارنا ما استطعنا، ونسهر الليالي نقوِّم سلوكهم ونصلح شأنهم قدر إمكاننا؛ كي ننبتهم نباتًا حسنًا ونزهو بهم ما حيينا.

إلا أن طفلك -على الرغم من جهدك الدؤوب- قد يفاجئك يومًا بتصرف غريب مشين؛ كأن يسرق مصروف أخيه، أو يعود من المدرسة بأقلام وأدوات لا تخصه.

تضطرب أفكارك، ويضيق صدرك، وتسأل نفسك: أين أخطأت؟! 

دعنا إذًا في هذا المقال؛ نسير على مهل، بحثًا عن أسباب السرقة عند الأطفال، وطرق علاجها بشكل صحيح؛ حتى تصل بطفلك إلى بر الأمان.

هل يعرف طفلك ما هي السرقة؟!

قبل أن تجزع؛ دعنا أولًا نضع الأمور في نصابها الصحيح: 

كم يبلغ عمر صغيرك الآن؟ أهو واعٍ لتصرفاته ومدرك لعواقب أفعاله؟ 

يختلف مفهوم السرقة عند الأطفال من سن ثلاث إلى خمس سنوات؛ عن البالغين، للأسباب التالية:

  • لا يدرك طفلك بعد أن لكل شخص ملكيته الخاصة، فيظن أن من حقه الحصول على ما يريد دون استئذان. 
  • لا يعي طفلك فكرة البيع والشراء؛ فيحسب إنه يستطيع أخذ ما يشاء من المحال التجارية دون أن يدفع ثمنه. 

لذا يحتاج طفلك في هذه المرحلة أن توضح له المفاهيم الغائبة عن ذهنه، وأن تزرع في نفسه احترام ملكية الآخرين بأسلوب هادئ بسيط.

ولكن؛ لا تقتصر مشكلة السرقة عند الأطفال على تلك الفئة العمرية فقط؛ بل تشمل أيضًا بعض الأطفال في المدارس أو المراهقين!

ما أسباب السرقة عند الأطفال؟

إذًا، لِم قد يسرق الطفل الواعي؟!

تتنوع أسباب ودوافع السرقة عند الأطفال من موقف لآخر، ومن طفل لآخر.

ولكن؛ يمكننا أن نعدد بعض الأسباب التي قد تفسر ذلك التصرف، مثل:

يرغب في لفت انتباهك

قد يسرق طفلك؛ لأنه يشعر بالغيرة من أخيه الصغير الذي ينفرد باهتمامك، أو لانشغالك الدائم عنه؛ فيسعى للفت انتباهك ولو بشكل سلبي.

يعوض إحساسه بالنقص 

السرقة عند الأطفال

ربما ينظر طفلك إلى أحد زملائه، فتدخل الحسرة قلبه؛ إذ يجد لديه شيئًا لا يستطيع الحصول عليه، كالملابس والأدوات والطعام… 

أو ربما يتعرض طفلك للتنمر في المدرسة، فيحاول رد الأذى عن طريق سرقة أغراض الشخص المتنمِّر؛ مما يهدئ من روعه ويشعره ببعض الراحة.

يفسر ذلك مشكلة السرقة عند الأطفال في المدرسة.

يحاول مواكبة أقرانه وإثبات ذاته

يؤثر رفاق السوء بالسلب على سلوك طفلك وقدرته على التمييز بين الصواب والخطأ؛ فيخيل إليه أن السرقة دليل على الشجاعة وسعة الحيلة؛ بل وربما يجدها شرطًا أساسيًا ليحظى بقبول من حوله.

لذا قيل قديمًا: احذر مصاحبة اللئيم فإنه .. يُعدي كما يعدي الصحيحَ الأجربُ. 

يقلد سلوكيات الكبار

يحاول الطفل محاكاة ما يراه من سلوكيات الكبار من حوله؛ ظنًا منه أن ذلك يجعله كبيرًا مثلهم. 

إذا تتبعنا هذا الخيط، قد نجد عند الطرف الآخر ما يلي: 

  • طفلًا يشاهد فيلمًا عنيفًا دون نصح أو توجيه من الوالدين.
  • أو آخر يرى في أهله بعض التصرفات التي تتنافى مع مبادئ الأمانة؛ كأن يتفاخر الأب بشيء لم يدفع ثمنه لأن البائع نسي إضافته إلى الحساب.

يفسده التدليل المبالغ فيه

إذا دلّلت طفلك أكثر مما ينبغي، وعودته على نيل مراده دون شرط أو قيد، فسينشأ الطفل معتقدًا أنه يستطيع الحصول على ما يريد؛ متى يريد، بالطريقة التي يشاء، ضاربًا بحقوق الآخرين عرض الحائط.

يعلن تمرده بشكل غير مباشر

يلجأ بعض المراهقين -أحيانًا- للسرقة؛ ردًا على إحساسهم بالظلم، وصدًا لمحاولات السيطرة عليهم، وتقترن هذه التصرفات بوجود مشكلة في التواصل ولغة الحوار بين المراهق وأسرته.

فمثلًا قد تعنف ابنك المراهق وتحرمه من استخدام هاتفه الذكي لأنه لا يركز في مذاكرته؛ فيأخذ رد فعل عنيد ويسرق الهاتف دون علمك.

يعاني من صعوبة في التحكم في اندفاعه 

يتعلم الأطفال التحكم في تصرفاتهم الاندفاعية بمرور الوقت. 

ولكن إذا استمرت تلك التصرفات لدى طفلك على الرغم من فهمه لعواقب تصرفاته، وغاب عنك أي سبب للسرقة؛ فقد يحتاج طفلك معالجًا متخصصًا ليقيّم تصرفاته ويبحث عن أي مشاكل سلوكية أو نفسية ممكنة.

كيفية التعامل مع الأطفال السارقين؟

يتطلب الأمر التعامل بهدوء وروية؛ كي لا يزيد الطين بِلَّة.. إليك بعض النصائح:

  • لا تفقد أعصابك، لا يشترط أن يكون الأمر خللًا في التربية.
  • تحدث مع طفلك عن الأسباب التي دفعته للسرقة، ولا تتعمد إحراجه أو تعنيفه، بل امنحه مساحة آمنة للتعبير عن رأيه.
  • استخدم أسلوبًا حازمًا بسيطًا للتأكيد على أن السرقة سلوك خاطئ. 
  • وضح لطفلك أن السرقة تؤثر على ثقتك به، وأنه في حاجة لتجنب هذا السلوك ليستعيد ما فقد من الثقة.
  • ساعده في رد الحقوق إلى أصحابها، واطلب منه الاعتذار؛ كي يدرك أن للسرقة عواقب لابد من تحملها.
  • كن حريصًا في استخدام مصطلحاتك، لا تنادِه باللص أو الخائن.

كيف تعالج السرقة عند الأطفال؟

تختفي مشكلة السرقة عند الأطفال بمرور الوقت؛ إذا تعاملت مع الموقف وأسبابه بشكل صحيح، وتوجهت لطفلك بالنصح والإرشاد.

اتبع الاستراتيجيات التالية؛ لتتمكن من علاج السرقة عند الأطفال:

احكِ له قصصًا عن الأمانة 

حيل للتغلب على السرقة عند الأطفال

تشكل القصص وجداننا؛ فارسم لطفلك صورة البطل الأمين الذي يرد الحقوق إلى أصحابها، وامنحه الأمان ليقول الصدق إن أخطأ، وكافئه إذا أحسن التصرف.

علمه احترام ملكية الآخرين

يبدأ الأمر في سن صغير، دعه يرى ذلك في تصرفاتك معه؛ استأذن قبل استعارة أغراضه أو ألعابه، وأعدها إليه سليمة نظيفة كما كانت.

اسأله بين الحين والآخر: “كيف ستشعر إذا أخذ أحد دميتك دون استئذانك؟!” 

امنحه مصروفًا ثابتًا

علم طفلك كيف يحصل على ما يريد بشكل صحيح؛ امنحه مصروفًا مناسبًا وشجعه على الادخار، ووضح له أوجه الإنفاق السليمة. 

حدد عواقب أفعاله

لا تدع السرقة تمر مرور الكرام، عليك أن تتخذ موقفًا مباشرًا كي يدرك طفلك خطورة الموقف.

إذا سرق طفلك بعض الحلوى مثلًا، اجعله يتحمل مسئولية تصرفه كأن: 

  • يعيدها إلى صاحبها أو يدفع ثمنها من مصروفه.
  • يعتذر عن السرقة.

ولكن؛ لا تبالغ في رد فعلك، ولا تنعته بألقاب مؤذية كاللص والكاذب والفاشل؛ كي لا تحطم روحه المعنوية وتفقده الثقة بنفسه.

سمِّ الأمور بمسمياتها الصحيحة

حينما يأخذ طفلك لعبة أخيه دون استئذانه، أكد عليه أن ذلك يعد سرقة، وضع قواعد واضحة في المنزل بأن السرقة مرفوضة.

تابعه باستمرار

كن صديقًا لطفلك؛ استمع لقصصه، وافهم مشاعره، واعرف السبب وراء تصرفاته كي تتمكن من اقتلاع المشكلة من جذورها.

اعرف من يصادق، وقِف في صفه إذا تعرض للأذى، لا تتركه فريسة سهلة للتنمر وأصدقاء السوء.

استشر معالجًا نفسيًا

ينبغي لك استشارة طبيب نفسي متخصص في أي من الحالات التالية:

  • يسرق طفلك باستمرار رغم محاولاتك المستمرة لمساعدته وتقويمه.
  • لا يشعر طفلك بأي ذنب تجاه السرقة أو أي تصرف متهور آخر.
  • يعاني طفلك من مشاكل سلوكية أخرى، كأن يتعمد إيذاء الآخرين أو يتصرف بعدوانية.

وختامًا عزيزي القارئ، يشبه طفلك نبتة الياسمين البديعة، تنشر عبقها في ربوع حياتنا، إذا عهدتها بالرعاية والاهتمام، وتذبل أوراقها وتسقط إن أغفلتها، أو حمّلتها من الظروف القاسية ما لا تحتمل! 

كان الله في عونك!

المصدر
Stealing in children and adolescents?Why kids steal and what to do about itLying and stealingStealingWhat to do when your child stealsHow to address stealing behaviour as a parent
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق