عاممفاهيم ومدارك

السلوك الدفاعي – كيف نُؤمِّن أنفسَنا أمام المخاطر؟

هل راقبتَ ذات مرةٍ  مجموعة من الأطفال وهم يلعبون؟ هل لاحظتَ كيف يختار أحدهم أن يكون الشرطي الذي يهجم، بينما اختار الآخر أن يكون اللص المختبئ؟

وبين هذا وذاك، وجدتَ أطفالًا آخرين يفضلون دور العسكري الوسيط، الذي يقتصر على تقييد يد اللص وإدخاله إلى القفص!

وذاك الطفل الذي لم ترُقْ له هذه اللعبة المليئة بالضغوطات، وفضَّل المراقبة! 

لا بُدُّ أنه تبادر إلى ذهنك ذلك السؤال، لماذا يختار البعض الهجوم في موقف معين ويختار آخرون الدفاع؟

ولماذا ندافع عن أنفسنا بالحكمة والفكر أحيانًا، وفي أحيان أخرى ندافع بالعنف والغضب؟

لماذا نقوم ببعض الأفعال الغريبة في مواقف معينة، كأن نصاب بالذعر والصياح حين نشعر أن أحدهم يوجه إلينا اتهامًا؟!

أو أن تصيح زوجتك في كل شجار بينكما: “إنها ليست غلطتي”؟!

هل هي محاولات للتأقلم مع الأحداث المخيفة والمؤلمة بداخلنا؟ وهل نخطط لفعل ذلك أَمْ تصدر منا هذه الردود بشكل عفوي دون وعي أو إرادة؟

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، دعني أطمئنك بأننا جميعًا نقترف مثل هذه الأفعال في المواقف المزعجة التي نمُرُّ بها، وأنها جميعًا ردود أفعال طبيعية ندفع بها ما يؤرقنا، طالما لم تتخطَ حد المرض.

وتُعرَف هذه الأفعال أو السلوكات في علم النفس بـ” السلوك الدفاعي “.

هيا بنا نرى أنفسنا عن كثب، ونتعرف بشكل أعمق كيف يعمل اللا شعور داخل عقولنا، وكيف تتشكل استراتيجيات الدفاع لدينا، ولماذا تدفعنا إلى اقتراف مثل هذه الأفعال المحرجة أحيانًا!

تعريف السلوك الدفاعي

سلوكات الدفاع (أو آليات الدفاع)، هي استراتيجيات نستخدمها جميعًا للدفاع عن أنفسنا ضد الأحداث أو الأفعال أو الأفكار غير المرغوب بها، أو التي يصعب علينا التأقلم معها، مثل: فقدان شخص عزيز أو الشعور بالذنب.

وتختلف الاستراتيجيات التي يسلكها شخص دون آخر تبعًا لعواملَ مختلفة، كالعوامل الوراثية، والبيئة التي نشأ بها، والمعتقدات الدينية أو الثقافية، وكذلك تبعًا لصحته النفسية.

اقتُرِحَت هذه النظرية أول مرة مِن قِبَل عالم النفس الشهير (سيجموند فرويد)، وتؤكد هذه النظرية أن سلوكيات الدفاع ليست تحت السيطرة الواعية للشخص. في الواقع، معظم الناس يقومون بذلك دون إدراك الاستراتيجية التي يستخدمونها.

آليات الدفاع هي جزء طبيعي من التطور النفسي. يمكن أن يساعدك تحديد النوع الذي تستخدمه أنت وأحبَّاؤك وزملاؤك في التعرف على ردود أفعالك بشكل أكثر عمقًا، وتجنُّب غير المناسب منها في المرات القادمة.

تعريف السلوك الدفاعي

متى نلجأ إلى السلوك الدفاعي ؟

في الحقيقة، نحن نلجأ إلى استخدام السلوك الدفاعي واستراتيجياته بشكل يومي.

حيث تحتل وسائل الدفاع مكانة هامة في حياة الإنسان اليومية، إذ يرتديها كلما تعثر في موقف أو لاح له خطر.

فهناك استراتيجيات نستخدمها إذا شعرنا بتهديد أو خطر في أثناء تواصلنا مع الآخرين، وتُعرَف بـ”السلوك الدفاعي في الاتصال”.

وأخرى يستخدمها الطفل عند تعثُّره في موقف لا يستطيع فيه الدفاع عن نفسه -أو وجهة نظره- بشكل مباشر، وتُعرَف بـ”السلوك الدفاعي للأطفال”.

وسنشير إليها جميعًا ونحن نتحدث سويًا عن أنواع وأنماط السلوك الدفاعي.

يُطلَق على أشكال الدفاع التي نتقمصها في المواقف المختلفة عدة مسميات، وهي:

وسائل الدفاع الأوَّلِي: سُمِّيَت بذلك بسبب تكوُّنها الأوَّلِي في مرحلة الطفولة.

آليات دفاع “الأنا”: لأنها وسيلة الذات المباشرة في الدفاع عن النفس.

الحِيَل اللا شعورية: ويأتيها هذا الاسم من حيث المظهر اللا شعوري الذي يغلب عليها.

أنواع وأنماط وسائل الدفاع:

  1. الإبدال أو الإزاحة أو التحويل (Displacement)

هل سبق لك أن مررت بيومٍ سيئ حقًا في العمل، ثم عدت إلى المنزل وأخرجت إحباطك وغضبك في وجه العائلة أو الأصدقاء؟ إذًا فقد جربتَ الإبدال كوسيلة للدفاع عن النفس.

ينطوي الإبدال على التخلص من إحباطنا ومشاعرنا ودوافعنا تجاه الأشخاص أو الأشياء الأقل تهديدًا.

يُعَدُّ تحويل الغضب مثالًا شائعًا لآلية الدفاع هذه؛ فبدلًا من التعبير عن غضبنا بطُرُق يمكن أن تؤدي إلى عواقب سلبية (مثل الجدال مع رئيسنا في العمل)، فإننا بدلًا من ذلك نعبر عن غضبنا تجاه شخص أو شيء لا يشكل أي تهديد (مثل أزواجنا أو أطفالنا أو حيواناتنا الأليفة).

  1. الإنكار (Denial) أو نكران الواقع (Denial of reality)

أحد أشهر آليات الدفاع المعروفة، ويُستخدَم غالبًا لوصف المواقف التي يبدو فيها الأشخاص غير قادرين على مواجهة الواقع أو الاعتراف بالحقيقة.

يظهر الإنكار في أوضح أشكاله في حياة الطفولة؛ فمثلًا: الطفل الذي لم يستطع تحمُّل الألم الناجم عن فقد أمه -أو غيابها- يميل إلى إنكار ذلك الواقع، والإعلان عن أنها لم تذهب بل موجودة في الغرفة الثانية. لذا، فهو يُعَدُّ وسيلة دفاع قوية لدى الأطفال.

الإنكار (Denial)

كذلك فإن الإدمان هو أحد أشهر الأمثلة على الإنكار؛ فغالبًا ما ينكر الأشخاص الذين يعانون مشكلة تعاطي المخدرات أن سلوكهم يمثل مشكلة. وفي حالات أخرى، قد يعترفون بأنهم يتعاطون المخدرات أو الكحول، لكنهم يدَّعون أن تعاطيهم للمخدرات ليس مشكلة.

  1. الكبت أو القمع (Repression):

القمع آلية دفاعية أخرى معروفة، إذ يعمل على إبعاد المعلومات والذكريات عن العقل الواعي لدينا. ومع ذلك، لا تختفي هذه الذكريات، بل تستمر في التأثير على سلوكنا.

على سبيل المثال: قد يواجه الشخص الذي قمَع ذكريات الإساءة -التي كان يعانيها منذ الطفولة- صعوبة في تكوين عَلاقات في وقت لاحق.

يتميز الكبت أو القمع عن غيره من وسائل الدفاع الأخرى في كونه أكثر عمقًا في تأثيره، وأكثر دفعًا نحو التطرف.

فقد نمُرُّ بحالات تظهر فيها لدينا دوافع لا يناسبنا أن تظهر أمام الآخرين، مثل: الدوافع العدوانية أمام مجتمع يسعى لأن يكون السلام سائدًا فيه، والدوافع الجنسية أمام مجتمع ينكر الحديث عنها.

  1. الكظم (Suppression):

يخلط العديدون بين الكبت والكظم، ويعتبرهما بعض الكُتَّاب وسيلة دفاعية واحدة.

إلا أن هناك فرقًا واضحًا بينهما؛ فالكظم ضبط الدوافع بداخلنا والتحكم بها، ومنعها من أن تتحقق على شكل سلوك خارجي.

مثلًا: انضباط أحدنا حين يهجم عليه أحد بالكلام القاسي، ويشعر بالتحدي، ولكنه يمنع مظاهر الغضب المختلفة من الظهور في كلامه أو في ملامح وجهه.

ويُعتبَر الكظم سلوكًا دفاعيًّا ذا مكانة خاصة في حياتنا الاجتماعية، وكثيرًا ما ننظر إليه على أنه رمز قوة الإرادة أو قوة الشخصية، وهو أحد وسائل الدفاع التي نستخدمها في الاتصال.

  1. التسامي (Sublimation):
  • التسامي آلية دفاعية تسمح لنا بالتصرف في دوافع غير مقبولة من خلال تحويل هذه السلوكات إلى شكل أكثر قبولًا. 

على سبيل المثال: الشخص الذي يعاني الغضب الشديد قد يأخذ الملاكمة كوسيلة للتنفيس عن الإحباط أو الغضب.

ويعتقد (فرويد) أن التسامي هو علامة على النضج الذي يسمح للناس بالعمل بشكل طبيعي، وبطُرُق مقبولة اجتماعيًا.

مثال آخر: الشخص الذي يحمل دافعًا للتلذذ بتعذيب الآخرين، يُحتمَل أن يكون اتجاه التسامي لديه نحو التخصص بالجراحة، والسعي لأن يكون جراحًا ناجحًا.

التسامي (Sublimation)
  1. الإسقاط أو الإخفاء (projection):

الإسقاط آلية دفاعية تتضمن أخْذ صفاتنا ومشاعرنا غير المقبولة، ونسْبها إلى أشخاص آخرين.

على سبيل المثال: إذا كان لديك كره قوي لشخص ما، فقد تعتقد بدلًا من ذلك أنه لا يحبك.

كما يظهر الإخفاء أو الإسقاط أكثر الأحيان في إلقاء اللوم على الآخرين فيما يتصل بأخطاء نرتكبها نحن، أو تقصير يبدو عندنا.

مثال ذلك: التلميذ يلقي اللوم على المعلم، أو على تركيب السؤال، في الدفاع عن نفسه أمام الفشل في الامتحان.

يعمل الإسقاط من خلال السماح بالتعبير عن الرغبة أو الاندفاع، ولكن بطريقة لا تستطيع (الأنا) التعرف عليها، وبالتالي تقليل القلق.

  1. الفكر أو الذكاء (Intellectualization):

يعمل الذكاء على تقليل القلق من خلال التفكير في الأحداث بطريقة باردة وعملية.

تسمح لنا آلية الدفاع هذه بتجنُّب التفكير في الجانب المُجهِد والعاطفي للموقف، والتركيز بدلًا من ذلك فقط على المكوِّن الفكري.

على سبيل المثال، الشخص الذي تم تشخيصه بمرض عضال، قد يركز على تعلُّم كل شيء عن المرض من أجل تجنُّب الكرب والبقاء بعيدًا عن حقيقة الموقف.

  1. التبرير أو الترشيد (Rationalization):

يظهر التبرير أحيانًا في محاولة عقلنة السلوك، أو تفسيره بأسباب تبدو معقولة ومقبولة، بينما تكون الأسباب الحقيقية انفعالية.

مثال: تبرير أحدهم عدم دخول كلية الطيران بتأكيد أخطار الطائرة وقيادتها، بينما كان الدخول إلى تلك الكلية من أعظم آماله.

فالتبرير يساعد الفرد على تخفيف الإحباط النفسي لديه نتيجة عدم تحقيق هدف أو رغبة كان يسعى إليها،
كما أنه لا يمنع القلق والإحباط فحسب؛ بل قد يحمي أيضًا احترام الذات ومفهوم الذات.

فمثلًا: قد يبرِّر الجندي قتله فردًا من الأعداء كان مسنًا، أو أعزلًا، أو طفلًا صغيرًا، بأنه نوعٌ من الدفاع عن الذات
تجنبًا للإساءة إلى نفسه في (الأنا العليا) لديه.

  1. النكوص (Regression):

عند مواجهة الأحداث المُجهِدة، يتخلى الناس أحيانًا عن استراتيجيات التكيف، ويعودون إلى أنماط السلوك المستخدمة
سابقًا في أثناء التطور، وفقًا لـ(فرويد).

فمثلًا، قد يثبت أحدهم عند مرحلة الطفولة في سلوكه الدفاعي أمام مواجهة فاجعة أو حادث، فيقوم بالبكاء والصراخ.

أو قد يبدأ الفرد -الذي ثَبُت عند المرحلة الفموية- في تناول الطعام أو التدخين بشكل مفرِط، أو قد يصبح عدوانيًا لفظيًّا
للغاية.

النكوص (Regression)

من أساليبه المعروفة أيضًا ما يُلاحَظ من سلوك عند بعض المتقدمات في السن، حيث تميل إحداهن
-بشكل بارز ومتطرف- إلى الظهور بمظهر الفتيات الصغيرات (في اللباس والحركات ونغمة الصوت).

  1. تكوين رد فعل معاكس Reaction formation:

يقلل تكوين رد فعل معاكس من القلق من خلال تناوُل الشعور، أو الدافع، أو السلوك المعاكِس.

مثال على ذلك: هو معاملة شخص -لا تحبه بشدة- بطريقة ودِّيَّة للغاية من أجل إخفاء مشاعرك الحقيقية.

كذلك قد يهاجم شخص أشكالًا من السلوك الإنساني المخالِف للأخلاق، بينما تكون دوافعه المكبوتة متفقة في حقيقتها
مع ما هو لدى الناس.

فمثلًا: قد يهاجِم الكُتب التي تُبرِز قضايا الجنس، بينما يكون مِمَّنْ يكبت نزعات جنسية من نوع ما تُبرِز تلك الكتب. 

أو قد يهاجم الرشوة وأخلاق المرتشين، بينما هو يخفي في واقع حاله نزوعًا شديدًا نحو الرشوة.

لماذا يتصرف الناس بهذه الطريقة؟ وفقًا لـ(فرويد)، فإنهم يستخدمون تكوين رد الفعل كآلية دفاع لإخفاء مشاعرهم الحقيقية، من خلال التصرف بالطريقة المعاكِسة تمامًا.

سلوكيات الدفاع الأخرى

منذ أن وصف (فرويد) آليات الدفاع الأصلية أول مرة، واصل باحثون آخرون وصف طُرُق أخرى لتقليل القلق، وتشمل هذه الآليات:

  • التصرف

التأقلم مع الضغط عن طريق الانخراط في الأعمال، بدلًا من الاعتراف وتحمَُل مشاعر معينة.

  • الكَفَّ

القنوع بشكل مُعدَّل للهدف، والكف عن السعي وراء الهدف الأصلي.

على سبيل المثال: أن يصبح مدرب كرة سلة في المدرسة الثانوية بدلًا من رياضي محترف.

  • الإيثار

تلبية الاحتياجات الداخلية من خلال مساعدة الآخرين.

  • التجنب

رفض التعامل، أو رفض مواجهة الأشياء الصادمة، أو المواقف غير السارة.

  • التعويض

الإفراط في الإنجاز في منطقة واحدة للتعويض عن الفشل في منطقة أخرى.

مثل: سعْيُ بعضِهم إلى التعويض بالشخصية الجذابة المرحة عن ضعف عناصر الجمال الجسماني، وسعي البعض إلى أنواع من الملابس والأحذية تكون كافية في إخفاء بعض عيوب الجسم كالسمنة أو القصر.

  • التفكك

الانفصال أو الابتعاد عن تجرِبة قديمة.

  • الخيال

تجنُّب الواقع من خلال التراجع إلى مكان آمن في ذهن المرء.

كأحلام الجندي تميل إلى جعله البطل الذي يتغلب على أعدائه، ويقتل المئات منهم، وينتهي إلى النصر في أشد المعارك ضراوة وقسوة.

  • الفكاهة

توضيح الجوانب المضحكة أو الساخرة للموقف.

  • العدوان السلبي

التعبير عن الغضب بشكل غير مباشر.

  • التراجع

محاولة تعويض ما يشعر المرء بأنه أفكار أو مشاعر أو سلوكات غير لائقة.

على سبيل المثال، إذا آذيت مشاعر شخص ما، فقد تعْرِض القيام بشيء لطيف له من أجل تهدئة قلقك أو ذنبك.

  • التقمُّص

يظهر في شكل نزوع الشخص إلى ربط قيمته بشخص آخر، أو بفئة، أو بمجموعة صفات متوافرة في مؤسسة.
وإلى التعريف عن نفسه بالانتماء إلى الآخر، أو الفئة، أو المؤسسة.

مثال: يقول الشخص أنه طالب في جامعة كذا، أو موظف في مؤسسة كذا، أو ابن فلان (حيث يكون فلان من أصحاب
المقام في مجتمعه)، أو أبو فلان (حيث يكون الابن بارزًا في مجتمعه).

وأخيرًا، في حين أن آليات الدفاع غالبًا ما يُنظَر إليها على أنها ردود فعل سلبية، فإننا جميعًا نحتاجها لتخفيف التوتر
مؤقتًا، وحماية احترام الذات خلال الأوقات الحرجة، مما يسمح لنا بالتركيز على ما هو ضروري في الوقت الحالي.

المصدر
20 Common Defense Mechanisms Used for Anxiety10 Defense Mechanisms: What Are They and How They Help Us CopeWhat Is The True Meaning Of Being Defensive?
اظهر المزيد

د. رحاب علي

صيدلانية، شغوفة بالعلوم والتفاعلات والعمليات المعقدة التي تجري كل صباح داخل النفس البشرية. نَصفُ أنفسنا ونَجلدُ الآخرين وننصب محاكم التصنيف والتمييز، ولا ندري أننا نتائج، وأن الفاعل الحقيقي مجموعة من الأحماض والبروتينات! "نفسي أجوجل باللغة العربية والاقي نتايج تُحترم!"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق