ترياق الأدوية النفسية
أخر الأخبار

السيروتونين وعرائس الماريونيت

السيروتونين وعرائس الماريونيت

هل تذكر صديقي القلِق اللحوح دائم الشكوى والسؤال؟

جاءني اليوم مهرولًا، يحمل بين يديه أوراقًا مطبوعة تحمل كلها العنوان نفسه: هرمون السيروتونين. 

ثم هتف صديقي بحماس: “هناك من يتلاعب بك، ويسيطر على مزاجك وأفكارك. وما أنت -بين يديه- إلا أحد عرائس الماريونيت!

رجوته أن يوضح مقصده، وأن يشرح نظريته فجلس قبالتي وقال هامسًا: 

عندما يرفع اللاعب الماهر يده لأعلى، ترقص عرائس الماريونيت. وعندما يرخي ذراعه تسقط تلك العرائس أرضًا. كذلك السيروتونين في مخك؛ يرتفع مستواه فترقص طربًا، وينخفض فتتهاوى حزنًا، وفي الحالتين لا حول لك ولا قوة“.

في هذا المقال، نناقش نظرية المؤامرة التي تبناها صديقي القلق، ونبحث معًا عن أهمية مادة السيروتونين، ومعدلاته الطبيعية في الجسم، وتأثير زيادته أو نقصانه. فأرجو أن يتسع صدرك لنا!

ما هو السيروتونين؟

هو مادة كيميائية تطلقها خلاياك العصبية كوسيلة لتبادل الإشارات بينها، لذا يطلق عليها أيضًا اسم الناقل العصبي. 

ويشتهر السيروتونين باسم هرمون السعادة، رغم اشتراكه في هذه المهمة مع مجموعة أخرى من الهرمونات، وذلك لأنه يعد لاعبًا أساسيًا في تنظيم حالتك المزاجية.

يوجد السيروتونين في جهازك الهضمي، وجهازك العصبي، وصفائحك الدموية. ولا يقتصر دوره على السعادة فحسب. 

ويبلغ معدله الطبيعي في دمك حوالي 101-283 نانوجرام.

يتكون هذا الناقل العصبي من الحمض الأميني: التريبتوفان. وهناك العديد من الأغذية المحتوية على التريبتوفان، وتعد مصدرًا للسيروتونين، نذكرها لاحقًا.

ما أهمية السيروتونين؟

ينظم الكثير من وظائفك الحيوية، وتتأثر بزيادته ونقصانه كما يلي.

الحالة المزاجية

لهذا الهرمون نصيب الأسد في تنظيم حالتك المزاجية، فيؤثر على شعورك بالسعادة والرضا عن النفس، ويتحكم في الإحساس بالقلق. ويرتبط انخفاض مستواه ارتباطًا وثيقًا بالاكتئاب. 

الهضم

يتحكم هذا الناقل العصبي في شهيتك، وحركة أمعائك. 

وقد يزيد مستوى السيروتونين في أمعائك إن تناولت طعامًا ضارًا بجهازك الهضمي، مما يصيبك بالغثيان أو الإسهال لتتمكن من طرد المواد الضارة بسرعة. 

النوم

يحفز المناطق بالمخ المسئولة عن الاستيقاظ والنوم. 

تجلط الدم

يداوي السيروتونين جروحك؛ فإذا جرحت إصبعك بطرف ورقة مثلًا، تطلقه صفائحك الدموية، فتنقبض الشعيرات الدموية والشرايين الصغيرة، مما يحد من النزيف، ويساعد على تجلط الدم والتئام الجرح.

كثافة العظام

في بعض الأحيان، قد يرتفع مستوى السيروتونين عن حده المعتاد، مما يقلل من كثافة العظام ويؤدي إلى هشاشتها. 

وهنا اعتدل صديقي في جلسته وسأل: “بعض أدويتي ترفع مستواه، وقد تصيبني بالهشاشة، هل يجب أن أتوقف عن تناولها؟

في الواقع، ليس من الحكمة أن توقف أدويتك المهمة خوفًا من الهشاشة. 

ولكن إذا كنت قلقًا، ناقش طبيبك في الأعراض الجانبية لتلك الأدوية، ولا تتوقف عن تناول دوائك، ما لم ينصحك الطبيب بغير ذلك.

ما أسباب نقص السيروتونين؟

لا يمكننا تحديد الأسباب على وجه الدقة، ولكن يمكن تصور بعض الاحتمالات التالية:

  • وجود مشكلة في مستقبلات السيروتونين فلا تتمكن من الاستفادة منه رغم توفره.
  • وجود سوء تغذية ونقص في الفيتامينات والعناصر الغذائية التي قد تدخل في تصنيعه، مثل التريبتوفان وفيتامين ب 6 وفيتامين د.

الأدوية التي تؤثر على مستوى السيروتونين

تعمل العديد من مضادات الاكتئاب على رفع مستوى السيروتونين لديك، مما يحسن حالتك المزاجية، ويخفف من القلق والميول الانتحارية. 

ومنها على سبيل المثال: 

  • مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية: هي أكثر أنواع مضادات الاكتئاب شيوعًا، مثل الفلوكستين والسيرترالين.
  • مثبطات استرداد السيروتونين والنورابينفرين: مثل الديلوكستين والفينالافاكسين.
  • مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات: مثل الأميتريبتيلين.
  • مثبطات الأوكسيداز أحادي الأمين: مثل السيلجيلين.

سيصف طبيبك الدواء المناسب إذا كنت تعاني من الاكتئاب، أو اضطراب نفسي آخر. وسيتابع تحسن أعراضك، أو ظهور أي أعراض جانبية للأدوية. 

كيف ترفع السيروتونين بشكل طبيعي؟

مصادر السيروتونين

حكَ صديقي ذقنه ثم سألني باهتمام “لقد ذكرت آنفًا أنه يمكن تصنيعه من التريبتوفان، والتريبتوفان موجود في العديد من الأغذية، مثل الشوكولاتة الداكنة، فهل يمكن أن يجلب الطعام لنا السعادة؟” 

هذا صحيح، ولكن لا يقتصر الأمر على الأطعمة فحسب، إذ يمكن لبعض الأنشطة البسيطة للغاية أن ترفع مستواه وتشعرك بالسعادة.

لذا دعني أعدد لك بعض العادات الصحية التي يمكن أن تواظب عليها.

تناول طعامًا صحيًا

تحتاج لتحضير وجبات غنية بالعديد من العناصر الغذائية المهمة مثل فيتامين د، وأوميجا-3 والتريبتوفان، ومنها على سبيل المثال:

  • الفاكهة مثل الموز والأناناس.
  • البيض.
  • المكسرات والحبوب الكاملة.
  • الأسماك مثل السلمون والتونة.
  • السبانخ.
  • الزبادي.

احرص على ممارسة الرياضة

يمكن للرياضات الخفيفة مثل الركض وركوب العجل أن تؤثر على نمط حياتك كلها، بدءًا من شعورك بالسعادة، مرورًا بحفاظك على لياقتك وزيادة فرصك في الحصول على نوم هانئ لاحقًا.

وينصح عادة بممارسة الرياضة بمعدل 30 دقيقة خمس مرات أسبوعيًا على الأقل، ما لم تكن ممنوعًا من بذل الجهد.

تعرض للإضاءة الطبيعية

هل سألت نفسك يومًا لمَ تشعر بالراحة عندما تجلس بغرفة ذات نافذة، مهما كانت ضيقة، في حين قد تشعر بالاختناق في غرفة أوسع ولكنها تفتقر إلى النوافذ؟ ولم قد يتحسن مزاجك صيفًا ويتلبد بالغيوم شتاء؟

قد تكون الإجابة على أسئلتك هي: ضوء الشمس.

تمتلك الإضاءة الطبيعية القدرة على تحسين مزاجك، ورفع مستوى الهرمون لديك، بالإضافة إلى فيتامين د. 

احرص على التعرض لضوء الشمس لمدة عشر دقائق على الأقل، لتحقق الفائدة المرجوة، ولكن احترس من الخروج في الفترات شديدة الحرارة.

متلازمة السيروتونين

ما هي؟

قلّب صديقي في أوراقه قليلًا، ورفع حاجبه وقال منبهًا: “لا تفرح كثيرًا، فزيادة النواقل العصبية عن الحد أمر مخيف، وقد تؤدي التفاعلات الدوائية في بعض الأحيان لزيادته دون أن تدري!” 

وهذا أيضًا صحيح، فمتلازمة السيروتونين هي مجموعة من الأعراض التي تنجم إما عن زيادة جرعة الأدوية المضادة للاكتئاب، أو من التفاعلات بين الأدوية المختلفة التي ترفع مستواه في الجسم.

ما أعراضها؟

تظهر أعراضها عادة خلال ساعات من تناول الدواء المسبب لها. وتتضمن هذه الأعراض ما يلي: 

  • الارتباك.
  • تسارع ضربات القلب.
  • ارتفاع ضغط الدم.
  • اتساع حدقة العين.
  • رعشة في عضلات الجسم.
  • صداع.
  • التعرق بغزارة.

وقد يصل الأمر في بعض الحالات الخطيرة لارتفاع درجة الحرارة، وحدوث تشنجات، واضطراب في ضربات القلب.

ما علاجها؟

في أغلب الأحيان، لا يتطلب الأمر أكثر من مراجعة أدويتك وجرعاتها؛ سيحدد طبيبك أي الأدوية سبب تلك المشكلة، وستختفي الأعراض بمجرد عودة الناقل العصبي لمستوياته الطبيعية. 

أما في الحالات الخطيرة، فقد تحتاج للإقامة في المستشفى، ومنحك بعض الأدوية التي تساعد على ارتخاء العضلات، وأدوية أخرى لضبط ضغط دمك وتنظيم ضربات قلبك. 

وأخيرًا، عزيزي القارئ، ربما في نهاية المطاف، لسنا كعرائس الماريونيت -لا حول لنا ولا قوة- فأنت قادر على تحسين حالتك المزاجية ببضع عادات صحية بسيطة. 
ولكن فكرة صديقي الغريبة هي أيضًا دعوة لتتأمل بديع صنع الخالق؛ فببضع نانو جرامات من ناقل عصبي لا يرى بالعين المجردة، يدور في شبكة من الخلايا العصبية بالغة الصغر، يمكن أن تنتقل من السعادة المفرطة، إلى الحزن المقيم. 
فأين نحن من ذلك الكمال وأين نحن من تلك العظمة؟ لست أدري! 

المصدر
Serotonin syndrome: symptoms, causes and treatment ways to boost serotonin without medication foods that boost your serotonin: the serotonin guideWhat is serotonin?What is serotonin?Serotonin: What you need to knowAction of serotonin on gastrointestinal tractSerotonin deficiency: What we do and don’t knowways to increase serotonin naturally
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق