مفاهيم ومدارك

الشائعات وأثرها النفسي على المجتمع | كيف تحوَّل زِرَّ المشاركة إلى إدمان؟!

“بدأت الموجة الثانية للوباء، احذر الخروج أو الاستهانة بإجراءات الوقاية! الأعداد تتزايد ولا يتم الإعلان عنها، والمصادر تجدها في التعليقات… “.

جاء الخبر السابق مرفقًا بصورة شعار منظمة الصحة العالمية، لتُعطيه بعض المصداقية لدى كثير من الناس، وكأنها مصدره الأصلي!

وتذهب لتلقي نظرة على تلك المصادر المزعومة، لتجدها روابط لصفحات إخبارية غير موثوقة تخبر فقط باستمرار الأزمة، وليس هناك أي دلالة على ما تم ذكره في الخبر الأصلي!

الموقف السابق نموذج مصغر لكيفية انتشار الشائعات؛ خبر ملفَّق مجهول المصدر يشغل نسبة كبيرة من الناس، موضوع في إطار يعطيه بعض المصداقية المتوهَّمة، مع إضفاء لمسة سحرية بإمكانية التأكد من صحته المزعومة إذا أردت!

لكنك بالطبع لن تُراجِع وراءهم طالما أن المصادر موجودة، بالتأكيد راجعها شخص غيرك واطمأن لصحتها، يمكنك مشاركته بكل أريحية الآن!

عزيزي القارئ، ربما قد حان الوقت للتفكر قليلًا في سيكولوجية الشائعات وأثرها على المجتمع، خاصة مع سهولة
الشائعات في مواقع التواصل الاجتماعي، فكيف تؤثر علينا؟ وكيف يمكننا مواجهتها والقضاء عليها إن أمكن؟ هذا ما نتناوله في هذا المقال…

تعريف الشائعات

تُعرَّف الشائعة بأنها خبر مكذوب غير مؤكد -وغير موثوق فيه- ينتشر بين الناس، أو تكون تغييرًا لخبر حقيقي عن
طريق التهويل أو المبالغة أو التشويه، أو إضافة معلومة كاذبة إلى خبر صحيح، أو تفسير خبر صحيح على غير معناه بأسلوب مغاير للحقيقة، وذلك بهدف التأثير النفسي في جمعٍ من الناس.

سيكولوجية الشائعات

سيكولوجية الشائعات

يُعرِّف علماء النفس الشائعات طبقًا لتوافر أربع صفات أساسية فيها، وهي كونها:

  • معلومة: فلا يمكن إطلاق لفظ الشائعة على رأيك الشخصي في أمر ما على سبيل المثال.
  • يتم تداولها: إذ إن انتشار الشائعة واكتسابها قيمة يأتي من تداولها من شخص لآخر، فلا تقف المعلومة عند أحدهم.
  • غير مؤكدة: فإذا تأكد أمر ما من مصدره الأصلي، أصبح خبرًا وليس شائعة.
  • تقع في محيط اهتمامك: حيث يهتم الناس بتداول المعلومات التي تتعلق بهم وباهتمامهم بشكل مباشر، خاصة التي تفسِّر أمرًا غامضًا بالنسبة لهم.

وتختلف الشائعات عن النميمة بالتأكيد رغم تقاطعهما؛ فالنميمة هي نقل الكلام بغرض الوقيعة بين الأشخاص وإفساد ما بينهم.

كذلك تختلف عن الأساطير الشعبية، إذ تكتسب الأخيرة قيمتها من القََصص المحبَّب للناس، مع إضفاء تفاصيل غير حقيقية، لكنها تقع في سياق درامي يهتم الناس بالقيمة الأخلاقية المرجوة منه على الأغلب.

أنواع الشائعات

يختلف تصنيف الشائعات وتتعدد أنواعها طبقًا للزاوية التي يتم تصنيفها منها كما يلي: 

  • من حيث سرعة انتشار الشائعة، هناك الشائعة الزاحفة أو البطيئة، والشائعة السريعة، والشائعة الغاطسة التي تختفي وتعاود الظهور مجددًا كل فترة.
  • ومن حيث الغرض: هناك شائعات الكراهية والعداء، وشائعات الأماني والأحلام، وشائعات اليأس والقلق والخوف.

وهذه أشهر أنواع الشائعات في مجتمعنا بشكل عام وأكثرها انتشارًا:

شائعات متعلقة بالأمراض والأوبئة

تنتشر بغرض تخويف الناس من الأمراض والأوبئة، وبثِّ القلق فيهم، كالشائعات المتعلقة بتلوث الأطعمة ببعض
الأمراض المميتة، أو تفشي الأوبئة في المجتمع بدرجة كبيرة.

الشائعات الحالمة

تنتشر مثل تلك الشائعات بغرض طمأنة الناس، وتترجم رغبتهم في أمر ما، مثل تلك المرتبطة بزيادة المرتبات،
أو نزول أسعار سلع ما، أو انتهاء كرب ما في المجتمع.

الشائعات الهدامة

تستخدم بغرض الوقيعة بين أشخاص ونزع ثقتهم ببعض، كتلك المتعلقة بالحكام والشعوب، أو الزوج وزوجته إن كانت على المستوى الفردي.

شائعات الخداع أو سحابة الدُخَّان

غرضها الأساسي هو تشتيت الانتباه لخداع مجموعة ما، كتلك المستخدمة في الحروب، أو من المؤسسات غير الشرعية.

شائعات الفضائح أو سوء السيرة

وسببها الرئيس هو الغيرة التنافسية بين طرفين، فتكون بهدف إيذاء الطرف الآخر.

وغيرها من الأنواع الأخرى الكثيرة المنتشرة في مجتمعنا.

اقرأ أيضًا: الامتثال الاجتماعي، لا تكن إمعة!

الشائعات في مواقع التواصل الاجتماعي

الشائعات في مواقع التواصل الاجتماعي

مع سهولة توافر الإنترنت لدى أغلب الناس في وقتنا الحالي، صارت الشائعات الإلكترونية الوسيلة الأكثر استخداما لنقل الشائعات.

فمع إمكانية إخفاء مصدر المعلومة، إذ يمكن أن يضيع ناشرها الأصلي بسهولة عن طريق نقلها وسهولة الضغط على
أيقونة المشاركة، اتخذت الشائعات الإلكترونية مساحة كبيرة فيما يقضي فيه الناس أوقاتهم على تلك المنصات.

ولعلنا جميعًا قد شاركنا -في وقت من الأوقات- في نقل مثل تلك الشائعات بِنِيَّة حسنة.

فدعني أسألك عزيزي القارئ: هل تنظر في العادة إلى التعليقات المكتوبة تحت الشائعة والتي قد تكون مكذِّبة لها؟

فما بين الخبر المزيف لموت فلان، وبين فضيحة فلانة، أو فساد تلك الشركة، أو اشتراك ذلك المشفى في أعمال غير شرعية، تظهر خطورة الشائعات واضحة جلية إذا نظرنا بعين ناقدة، ووضعنا في اعتبارنا خطر الشائعات على المجتمع بأسره.

الشائعات وأثرها على المجتمع

تتأثر الشائعات بدرجة الوعي لدى المجتمع، ومستوى تواصل الجهات المسؤولة مع الأفراد، ومدى الاهتمام بتوضيح الأمور الغامضة لهم. 

والنقاط التالية توضح بعض أضرار الشائعات على المجتمع:

  • تساعد على ضعف الروابط الاجتماعية والأُسَرية، على عكس ما أُنشِئَت تلك المنصات الاجتماعية لأجله.
    فمثلًا يمكن نشر شائعة حول نِسَب الطلاق والتفكك الأسري، فتؤثر على توجُّه الأشخاص تجاه الزواج.
  • يشعر الفرد بالخطر في المجتمع في حال نشر شائعات تمسُّ العقيدة أو القيم المجتمعية، خاصة مع غياب التوضيح من مصادر رسمية لحقيقتها.
  • الشائعات الموجَّهة نحو المجتمع وكيفية إدارته تؤثر على ثقة الشخص بالمسؤولين، وتولِّد مشاعر الكراهية
    والغضب وعدم الأمان، فلا يثق بأي معلومة تصدر من هؤلاء المسؤولين فيما بعد.
  • بعض الشائعات يكون الغرض منها هدم معنويات الأشخاص وإحباطهم، فيزداد مستوى القلق والتوتر في
    المجتمع، وقد يصل إلى زيادة نسب الاكتئاب لديهم.

ولا يمكن حصر أضرار الشائعات وخطرها على المجتمع في عدة سطور -عزيزي القارئ-، لكن أهم ما فيها أنها
تؤثر فينا دون أن نشعر، وربما نكون نحن وسائل مساعِدة على نشرها.

اقرأ أيضًا: علاقة التكنولوجيا بزيادة الاكتئاب.

كيفية مواجهة الشائعات

كيفية مواجهة الشائعات

تختلف طُرُق مواجهة الشائعات طبقًا لطبيعتها؛ فقد تحتاج إلى جهود الأفراد أو المؤسسات أو المسؤولين في المجتمع،
كوضع قوانين رادعة أو التوضيح الرسمي السريع على سبيل المثال.

وكيفية القضاء على الشائعات لن تكون عملية سهلة في أي وقت، لكن طالما ذكرنا أنها متعلقة بدرجة وعي الناس،
فهذه بعض الخطوات التي يمكنك اتباعها للتأكد من المعلومة قبل المشاركة في نشرها:

انظر إلى مصدر نشر المعلومة

يمكنك أن تثق بالمعلومات الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بدلًا من الصفحات مجهولة المصدر الناقلة عنها.

اقرأ ما بين السطور

تعتمد بعض الصفحات الإخبارية -على سبيل المثال- على استخدام عناوين رنانة قد تحمل غير معناها. لذا،
لا تكتفِ بالعناوين أبدًا وتتركَ المحتوى.

انظر إلى الناشر

إن أمكنك النظر إلى ناشر المعلومة، قد تتكون لديك صورة عن غرض نشرها؛ فبعض الأشخاص يُعرَف عنهم
توجهاتهم وتأثيرها على صحة ما ينشرون.

ألق نظرة على المصادر

لا تتجاهل المصادر أبدًا إن وُجِدَت! تأكد -عزيزي القارئ- أن هناك عشرات أو مئات الأشخاص الذين فكروا مثلك في
أن غيرهم قد سبقهم وتحقَّقَ من صحة المصادر المزعومة، فاطمأنوا إليها.

فكِّر في انحيازك

لا تنسَ أنك قد تصدق معلومة ما لأنك منحاز لناشرها أو لطبيعتها، لكن هذا ليس من عوامل التحقق من صحة
الشائعات. فكن واضحًا -عزيزي القارئ- ولا تجعل تحيُّزك سببًا لمشاركتك في نشر الشائعات.

اسأل أهل الذكر

فكيف تأخذ معلومة طبية من مُحاسِب؟! أو معلومة اقتصادية من معلِّم؟!

إذا غلبتك قدرتك على فهم وتحليل أمر ما، رُدَّه إلى أهله، وتحقَّق من صحة المعلومة ممَّنْ يفهمون فيها.
أليس هذا منطقيًا؟!

الشائعات والقلق النفسي

بقي أن أخبرك -عزيزي القارئ- أن الأشخاص المصابين بالقلق النفسي هم الأكثر ميلًا لنشر الشائعات؛
فهُم الأكثر تصديقًا لها وَفْقاً لعُلماء النفس. والشائعات التشاؤمية تُعَدُّ أكثر انتشارًا من تلك المتفائلة والمُطمْئِنة.

اقرأ أيضًا: الطريقة الصحية للتعامل مع الأزمات والمخاوف وبواعث القلق.

لكن ما أطلبه منك -عزيزي القارئ- هو التفكر في أثر ما يمكن أن تظنَّه بسيطًا وغير مؤثر على المستوى الشخصي؛
فقد لا تشعر بأثر ما تفعله إلا إذا وقعت فيه.

فمَنْ يواجه شائعة بفضيحة غير حقيقية على سبيل المثال، يدرك حينها أثر تصديق شخص واحد للحقيقة، وثِقته به،
فهلَّا تأملنا ذلك الأمر وتوقفنا عنده قبل أن يصل إلينا؟!

المصدر
The Psychology of Rumors: 6 Reasons Why Rumors SpreadHow Does Misinformation Spread Online?RumorsCan We Stop the Spread of Misinformation?
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق