أنماط الشخصية

الشخصية الاستحواذية – حُبٌّ أم تملُّك؟!

وَما في الأَرضِ أشْقَى مِن مُحِبٍ  ..  وَإن وُجِدَ الهَوى حُلوَ المَذاقِ

تَــــراهُ باكِــــيًـا أَبَــــدًا حَــزيــنًـا  ..  مَـخـافَـةَ فُـرْقَـةٍ أَو لِاشْـتِيـاقِ

فَـيَـبـكِي إِن نَــأَوْا شَـوقًـا إلَــيْـهِـم  ..  وَيَبكِي إِن دَنَوْا خَوفَ الفُراقِ

فََـتَـسْـخُـنُ عَـيْـنُـه عِـنْـدَ الـتَـنـائِي  ..  وَتَـسْخُنُ عَـيْـنُه عِنْدَ التَـلاقِي

                                                                        (نصيب بن رباح)

هل من الممكن أن يصبح الحب عذابًا، ينغص حياة المتحابين؟! 

متى يتحول التعلق بالطرف الآخر إلى اضطراب وهوس؟! 

هل تدفع الشخصية الاستحواذية صاحبها إلى تملك من يحب؟! 

متى يحتاج المحب إلى علاج يداويه من حبه؟! 

 سويًا، سنتعرف إلى اضطراب الحب الاستحواذي، وطبيعة عَلاقة الحب عند الشخصية الاستحواذية ، وأسباب هذا الاضطراب، وكيفية علاجه.

علاقات الحب الصحية

علاقات الحب الصحية

لكي نفهم الخلل في علاقات الحب غير الصحية، نحتاج أن نتعرف أكثر إلى سمات العلاقة الصحية؛ التي تبدأ بـ”مرحلة الافتتان”، وهي الشهور الأولى من تعرُّف الزوجين، وتتميز بتفكيرهما المستمر في بعضهما، ورغبتهما في قضاء معظم الوقت معًا.

بمرور الوقت، عَلاقة الحب الصحية تنضج، ويتحول الافتتان إلى التزام؛ يدعم فيه كل طرف الآخر، ويسمح له بمتابعة حياته المهنية، وأنشطته المختلفة، ومقابلة أصدقائه دون أن يشعر بالغيرة أو أنه مُهمَل.

علاقات الحب الصحية تتميز بـالآتي:

  • الحب، والاحترام، والتشجيع المتبادَل بين الطرفين.
  • تقبُّل الطرف الآخر كما هو.
  • التواصل الفعال بين الزوجين، ووجود مجال للتفاوض والحلول الوَسَطية.
  • العمل سويًا على إنجاح العلاقة.

من أهم ما يميز الحب عدم الأنانية، وتفكير كلا الطرفين في الأفضل للآخر. لكن سيطرة الشخصية الاستحواذية على أحدهما، قد تجعله لا يرى غير نفسه، هنا فقط قد يتحول الحب إلى اضطراب، والافتتان إلى تملُّك.

اضطراب الحب الاستحواذي (Obsessive love disorder) 

اضطراب الحب الاستحواذي

هو شعور الشخص بالهوس نحو مَنْ يعتقد أنه يحبه، والتحكم فيه كأنه يملكه. في هذا الاضطراب، تَعْلَق الشخصية الاستحواذية في مرحلة الافتتان، ويتحول حُبُّها إلى تعلُّق مرَضي يشبه الإدمان.

مع أنه لا يُعَدُّ مرضًا نفسيًا في ذاته، ولم يتم إدراجه في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، يكثر حدوثه مع اضطرابات نفسية أخرى، وصار يلفت الانتباه بسبب تأثيره الكبير على العلاقات.

علامات وأعراض اضطراب الحب الاستحواذي

تدفع الشخصية الاستحواذية صاحبها لفعل أي شيء؛ في سبيل تحقيق أي نوع من أنواع التواصل مع مَنْ يحب، وينعكس هوس المريض بِمَنْ يحب على أعراضه التي تتضمن:

  • تفكيره المفرِط فيه.
  • رغبته في قضاء كل وقته المتاح معه.
  • عدم تقبُّله الرفض، وتوهُّمه أن الطرف الآخر يبادله نفس المشاعر.
  • محاولة حمايته دائمًا.
  • احتياجه الدائم لتأكيد الحب.
  • تأرجح مشاعره وأفكاره بين الإيجابية والسلبية.
  • تعامله معه على أنه ملكية خاصة؛ يتحكم فيه ويرغب في أن يعرف كل خطواته.
  • عدم احترامه للحدود والخصوصية؛ يظهر ذلك في كثرة الاتصالات والرسائل، ومراقبته المستمرة له ولتحركاته، إمَّا بالتلصص عليه فعليًا، أوعلى هاتفه، أو مراقبة حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.
  • التحكم في أشياء مهمة، مثل: المال والطعام، حتى يظل الطرف الآخر قريبًا منه وفي حاجة له.
  • الغَيْرَة الشديدة الوهمية، والشك في أي تصرُّف -حتى وإن كان طبيعيًا- وتفسيره على أنه خيانة.
  • بعده عن بقية الأشخاص في حياته، مثل: أسرته وأصدقائه.
  • إهمال عمله أو أية أنشطة أخرى يقوم بها.
  • قد يصل الأمر بالشخصية الاستحواذية إلى استخدام العنف حتى يسيطر على مَنْ يحب، مما قد يدفع الشخص المتأذَّى لاتخاذ إجراء قانوني لحماية نفسه.

طبيعة الأعراض تختلف باختلاف الشخص، كذلك باختلاف الاضطراب النفسي الآخر المصاحب لها؛ إذا وُجد.

أسباب هذا الهوس

لم يُحدَّد سبب معين لاضطراب الحب الاستحواذي، لكن العوامل والأسباب التالية قد تؤدي إلى حدوثه:

  • الإهمال والهجر من أحد الوالدين -أو كليهما- أو مَنْ يحلُّ محلهما

يؤثر ذلك في قدرته على تكوين عَلاقة صحية، وميله إلى التملُّك، والسيطرة، والقلق، والشعور بعدم الأمان.

  • الإساءة

تعرُّض الطفل للإساءة والعنف ينافي حاجته الفطرية للحب والأمان، ويخلق فراغًا عاطفيًا داخله، يجعله في حاجه مستمرة لأن يشعر بالحب، وقد يصل الأمر إلى الهوس.

قد تدفع الشخص إلى التعلق بِمَنْ يحب، ورغبته الدائمة في أن يؤكد له مبادلته نفس المشاعر حتى يشعر بقيمته.

  • أمراض أو اضطرابات نفسية أخرى

غالبًا ما يكون اضطراب الحب الاستحواذي مصاحِبًا لاضطرابات أخرى، مثل:

  • اضطرابات التعلق (Attachment disorders):

تتطور هذه الاضطرابات -غالبًا- خلال الطفولة، نتيجة تجرِبة سلبية مع الوالدين أو مقدمي الرعاية، فتدفعه للتعلق بِمَنْ يحب، واحتياج وجوده الدائم في حياته حتى يتمكن من الاستمرار.

هذا الشخص -في علاقته- قد يتسم بالهوس، أو التملُّك، أو الخوف والقلق من الفقد، وقد يستخدم العنف حتى يسيطر على الطرف الآخر ويضمن بقاءه.

  • الاضطراب الضلالي (Delusional disorder):

يتوهم المريض أن شخصًا معينًا يبادله الحب، حتى وإن كان ذلك غير حقيقي، أو حتى بعد توضيح الشخص الآخر عدم صحة توهُّم المريض. وقد يدفعه ذلك إلى الغَيْرَة الوهمية، والتلصص، والإساءة، واستخدام العنف ضد الطرف الآخر.

  • اضطراب الشخصية الحدية (Borderline personality disorder):

يعاني مريض هذا الاضطراب خللًا في صورته الذاتية، ويواجه صعوبة في التحكم بمشاعره، وتحدث له  تقلُّبات مزاجية حادة وسريعة.

أيضًا قد يعاني نوبات قلق واكتئاب، كل ذلك قد يدفعه إلى الخوف من فَقْدِ مَنْ يحب، وتقلُّب مشاعره بين الحب والكره.

  • اضطراب الوسواس القهري  (Obsessive Compulsive disorder, OCD):

من الممكن أن تتعلق الأفكار الهوسية -لمريض الوسواس القهري– بشخص ما، وتدفعه للقيام بتصرفات قهرية، مثل: التواجد المستمر قرب هذا الشخص، ومراقبته، ومعرفة كل شيء عنه.

كل العوامل والاضطرابات السابقة قد تدعم ظهور الشخصية الاستحواذية، وسيطرتها على علاقات الفرد، وتحول حبه إلى هوس واضطراب يدمر حياته وحياة مَنْ يحب.

تشخيص اضطراب الحب

يعتمد المتخصص في الصحة النفسية  في تشخيصه على تاريخ الشخص المضطرب وطفولته، وأعراضه، وتقييم حالته النفسية لتحديد ما إذا كان يعاني اضطرابًا آخر يسبب هذه الأعراض.

علاج هوس الحب

يعتمد علاج هذا الاضطراب -بشكل أساسي- على علاج أية اضطرابات أخرى مصاحِبة له، سواءً كان العلاج دوائيًا -مثل: الأدوية المضادة للقلق، الذُهان، أو الاكتئاب- أو نفسيًا.

قد يحتاج الشخص إلى جلسات علاج فردية أو للأزواج، وذلك يعتمد على استمرارية العلاقة بينهما.

على الرغم من أهمية دعم أسرتك وأصدقائك، إلا أن العلاج النفسي -ووجود متخصص في الصحة النفسية معك- ضروري ليساعدك في:

  • تحديد سبب مشكلتك.
  • تفهُّم مشاعرك ومشاعر مَنْ تحب.
  • التمكن من السيطرة على الشخصية الاستحواذية، بدلًا من سيطرتها عليك.
  • الحفاظ على عَلاقة صحية أساسها الحب والاحترام، وليس التملُّك.

الخطوات التالية قد تساعدك في رحلتك العلاجية، وتقلل من سيطرة هوسك بالطرف الآخر:

  • ممارسة أنشطة وهوايات مفضلة، مما يشتت تركيزك عن الطرف الآخر، ويزيد من ثقتك في نفسك وقدراتك.
  • تأملك لأفكارك ومشاعرك وقت حدوثها، ومحاولة تحليلها، ومعرفة أسبابها ومدى صحتها، حتى تتمكن من تغييرها.
  • في حالة انتهاء هذه العلاقة، عليك التخلص من أية متعلقات تُذَكِّرك بالطرف الآخر، حتى تتمكن من نسيانه وإكمال حياتك.

إذا كنت في عَلاقة بشخصية استحواذية:

  • لا تتردد في رفض أي أذىً يقع عليك، نفسيًا كان أو جسديًا.
  • ساعد نفسك والشخص الآخر في إيجاد حل -وطلب مساعدة متخصص- إذا كانت العلاقة لا تزال تهمك.
  • لا تتردد في الانفصال وتركه إذا لم تكن تبادله نفس المشاعر.

وإذا كنت مدرِكًا تدمير الشخصية الاستحواذية لعَلاقتك بِمَنْ تحب، وراغبًا في السيطرة عليها وعلى هوسك، كن على يقين أنك تستطيع ذلك، وستتمكن من استعادة العلاقة الصحية به. المهم ألا تتردد في طلب المساعدة.

المصدر
What Is Obsessive Love Disorder?The Difference Between Healthy and Obsessive LoveObsessive love: What to knowHow to treat obsessive love disorder
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق