ترياق في بيئة العمل
أخر الأخبار

الشخصية الاعتمادية | عندما تعجز عن اتخاذ أبسط قراراتك اليومية

كانت والدتي ذات شخصية متسلطة، ومتحكمة بكل شخص في المنزل، وتتخذ جميع القرارات بنفسها، فكانت تملي علىّ ما يجب أن أرتديه من ثياب، ومن يجب أن أصاحب، وكيف علىّ أن أقضي عطلتي؟

وعندما أنهيت الثانوية العامة وجاء وقت اختيار دراستي الجامعية، قالت لي أمي إنه يجب علىّ دراسة الهندسة، كنت أشعر بداخلي بعدم الرغبة في ذلك، ولكنني أيضاً كنت لا أعرف ماذا أريد، وما هو الأنسب لي.

كبرت وتزوجت وكنت أعتقد أن كل شيء على ما يرام، إلى أن فاجأني زوجي ذات مرة بأنه مستاء مني ومنزعج من تصرفاتي؛ فأنا لا أستطيع القيام بأي شيء على الإطلاق دون مشورته أولاً.

فكنت أطلب مساعدته في اختيار الثياب المناسبة لي، ويستغرق الأمر مني ساعات لتحديد وجبة طعام مناسبة للضيوف، ولا أستطيع أن أشاركه أي قرار يخص حياتنا، وأترك له مسئولية الاختيار.

هذه قصة سيدة تعاني من اضطراب يُعرف باضطراب الشخصية الاعتمادية، فإذا كنت تتساءل من هو الشخص الاعتمادي؟ وما هي سمات هذا الاضطراب؟ وكيف يمكن التعامل مع الشخصية الاعتمادية؟ فهيا معاً في هذه الرحلة القصيرة لنكشف الستار عن هذا الاضطراب. 

تعريف الشخصية الاعتمادية

يمكن تعريف الشخصية الاعتمادية على أنها حالة من عدم قدرة الشخص على أن يستقل بذاته، فهو دائم البحث عن المشورة و الشعور بالاطمئنان من خلال الاعتماد على آراء الآخرين في أي تفصيلة تخص حياته.

فليس لديه القدرة على اتخاذ أبسط القرارات اليومية مثل: الملابس التي يرتديها، أو كيفية قضاء وقت الفراغ وصولاً إلى القرارات الأهم مثل تحديد الدراسة الجامعية، أو نوع العمل، أو مكان السكن الأنسب دون نصيحة وطمأنة مفرطة من قبل الآخرين؛ سواء أحد الوالدين أو شريك الحياة.

الشخصية الاعتمادية

تتميز الشخصية الاعتمادية بالسلبية وسهولة الانقياد والسماح للآخرين بأخذ زمام المبادرة، وكذلك التملص من المسئولية، وتظهر عادة علامات الإصابة بهذا الاضطراب في مرحلة المراهقة.

فإذا كنت تعاني من هذا الاضطراب فقد تجد أنك تبذل قصارى جهدك للحصول على الرعاية أو الدعم من الآخرين، حتى لو تحقق ذلك من خلال تطوعك لمهام غير محببة إليك ولست راضياً عنها.

وتشعر بالقلق وعدم الارتياح أو العجز في غياب هؤلاء، وإذا انتهت هذه العلاقة لسبب ما: كالانفصال عن شريك الحياة، أو موت أحد الوالدين فسرعان ما تبحث عن علاقة بديلة لتوفير الرعاية التي تحتاج إليها.

الأسباب

لا يمكن معرفة سبب تكوُّن الشخصية الاعتمادية بالتحديد، ولكن هناك بعض النظريات التي تعزي إصابة الشخص بالاعتمادية إلى الإصابة باضطراب القلق الانفصالي؛ وهو أكثر أنواع اضطرابات القلق انتشاراً في الأطفال تحت 12 عاما.

فتجد أن هذا الطفل شديد الخوف بشأن الانفصال عن المنزل أو أحد أبويه، ولديه قلق دائم من فقدان أحد أبويه جراء حادثة أو الإصابة بمرض، وتراوده كوابيس متكررة بهذا الأمر، ويرفض النوم بمفرده، ويطلب أن يصاحبه أحد والديه عندما يذهب إلى غرفة أخرى.

وربما يكون سبب تكوُّن الشخصية الاعتمادية هو إصابة الشخص بمرض مزمن في الطفولة أو مرحلة المراهقة.

وبالرغم من أن الأسباب غير واضحة ولا يمكن الجزم بها، إلا أنه توجد بعض العوامل التي قد تسبب تكوُّن الشخصية الاعتمادية مثل:

  • معاملة الشخص بإهمال مستمر منذ الطفولة؛ سواء إهمال وجوده، أو عدم توجيه الكلام له، وعدم الاكتراث بمشاعره.
  • النشأة في ظل وجود آباء متسلطين أو مفرطي الحذر في حماية آبائهم.
  • وجود تاريخ عائلي للإصابة باضطرابات القلق.
  • الارتباط بأشخاص غير أسوياء نفسياً لفترة طويلة.

الأعراض 

توجد بعض العلامات التي تُميز الشخصية الاعتمادية، والتي تساهم بشكل كبير في تشخيص هذا الاضطراب وهي:

  • صعوبة اتخاذ القرارات دون قدر مفرط من النصائح والطمأنينة من الآخرين.
  • يعتمد على الآخرين لاختيار مكان السكن أو العمل.
  • خوف مفرط من التعرض للنقد.
  • عدم تحمل البقاء وحيداً.
  • يميل إلى السذاجة وسهولة الانقياد.
  • خوف من الهجر، والذي قد يدفع الشخص للقيام بأشياء ضد رغبته في كثير من الأحيان.
  • يتسامح مع السلوك السلبي وسوء المعاملة من الآخرين.
  • يعتقد بأنه غير قادر على رعاية نفسه.
  • صعوبة الاختلاف في الرأي مع الآخرين خشية فقد الدعم.
  • الشعور بالعجز عند فقد علاقته بالشخص المعتمد عليه، وسهولة الانخراط في علاقة جديدة يعتمد عليها.

وقد تعاني الشخصية الاعتمادية من بعض الأعراض عندما تكون بمفردها مثل: نوبات من الذعر والخوف الشديد والعصبية والقلق وكذلك الشعور باليأس.

الشخصية الاعتمادية

تتشابه بعض هذه الأعراض مع حالات مرضية أخرى مثل: الاكتئاب، أو انقطاع الطمث عند النساء، لذا من الضروري الاتصال بالطبيب المعالج إذا لاحظت أيًا من تلك الأعراض على نفسك أو أحد المقربين لك، لتتلقى التشخيص والعلاج المناسبين.

لمعرفة المزيد عن مرض الاكتئاب يمكنك قراءة هذا المقال

خطوات علاج الشخصية الاعتمادية 

يمكن معالجة الشخصية الاعتمادية عن طريق العلاج النفسي، حيث يساعدك الطبيب النفسي على فهم نفسك جيداً، ومعرفة الأفكار و المعتقدات التي تكمن وراء سلوكك، كما يعمل على تعزيز احترامك لذاتك وقدراتك، ومعالجة الأعراض المميزة لهذا الاضطراب كصعوبة اتخاذ القرارات الهامة في الحياة، وهو كذلك يساعدك على بناء علاقات صحية وسوية مع الآخرين. 

يمكن أيضاً علاج الشخصية الاعتمادية باستخدام أدوية مضادة للاكتئاب والقلق، وبعض المهدئات التي تساعد على تخفيف نوبات الهلع الناتجة عن القلق الشديد.

ولكن يجب أن تكون تلك الأدوية هي الخيار الأخير لأن الجسم قد يعتاد عليها.

الشخصية الاعتمادية

كيفية التعامل مع الشخصية الاعتمادية

يعد البحث الدائم عن المرض وأعراضه وتأثيره على المصاب من أهم خطوات التعامل مع الشخصية الاعتمادية، فحاول فهم ما يشعر به أحباؤك. 

ويميل هذا الشخص كما ذكرنا إلى السلبية والتبعية، ويمكنه حتى اللجوء إلى الابتزاز العاطفي لحماية علاقاته.

ويجب أن تحذر من تحمل المسؤولية عن قرارات وشؤون هذا الشخص، بل عليك تشجيعه وتعزيز قدرته على اتخاذ القرارات، والاستقلال الذاتي، وتحمل مسؤولية نفسه.

ضع حدوداً لمساهمتك في حل مشكلة ما والتزم بها؛ على سبيل المثال أخبر هذا الشخص بأنك ستساعده على إيجاد طبيب مناسب، ولكن عليه الاتصال وتحديد الموعد بنفسه.

وهكذا في شتى أموره، فكل مساهمة منك لها بداية وكذلك نهاية واضحة.  

وانتبه لمقدار الوقت والاهتمام الذي توليه لهذا الشخص، فهو دائم البحث عن الاهتمام، فلا إفراط ولا تفريط. 

على الرغم من أن اضطراب الشخصية الاعتمادية هو أقل نوع من اضطرابات الشخصية حدوثاً، إلا أنه يؤثر على صحة الفرد النفسية ويزيد خطر القلق والاكتئاب على المدى الطويل.

يجب أن تكون العلاقات صحية ومتوازنة إلى حد بعيد، سيمر عليك بعض الأوقات التي ستحتاج فيها إلى دعم من شريكك أكثر من المعتاد، وفي أحيان أخرى يحتاج هو إليك وإلى دعمك، ولكن أن يعتمد دائماً طرف منكما على الآخر، فهذه علاقة غير متوازنة إطلاقاً ومرهقة إلى حد بعيد. 

في النهاية عزيزي القارئ إذا كنت تعتقد أنك مصاب باضطراب الشخصية الاعتمادية، أو أحد أحبائك مصاب به ويحتاج مساعدة، فأفضل خيار هو طلب العون من طبيب مختص. 

المصدر
Dependent Personality Disorder (DPD)What Is Dependent Personality Disorder And What Does It Mean For Me?How to Develop Healthy Relationships with Dependent Personality
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق