ترياق الأمراض النفسية

الشخصية السادية وحب تعذيب الآخرين

“هل يمكن أن يتجرد بني آدم من المشاعر الإنسانية كافة، وألا يحتوي قلبه غير القسوة والعنف؟”.

ظل هذا السؤال عالقًا بذهني منذ قرأتُ قصة الأطفال -عديمي الرحمة- الذين عذبوا كلبًا من كلاب الشارع بأبشع الطُرق.

والمؤسف أكثر من فعلتهم هذه هو تصويرهم لجريمتهم المشينة، وتداول الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي!

وكأنهم يفخرون بفعلتهم تلك، بل ظهرت علامات السعادة على وجوههم وهم يعذبون الكلب المسكين!

بل قُل إنهم المساكين لا الكلب؛ فقد خلت قلوبهم من الرحمة وسادت الوحشية وقتلت كل جميل داخلهم. فلماذا لا يُحاكَم هؤلاء المجرمون ذوو الشخصية السادية؟!

نتعرف في هذا المقال إلى سمات الشخصية السادية، وما الفرق بين الشخصية السادية والنرجسية؟ وهل يمكن أن يتغير شخص سادي؟ وهل لاضطراب الشخصية السادية علاج؟ فتابع معنا عزيزي القارئ…

الشخصية السادية

الشخص السادي هو شخص متسلط، يستمتع بتعذيب الآخرين، ويتلذذ بإيقاع الألم الجسدي واللفظي والمعنوي أيضًا عليهم.

لا يعرف قلبه أي معنى للتسامح؛ بل يحاول جاهدًا التقليل من شأن أي شخص يقابله، ويتفنن في إهانته وإذلاله.

وبعد كل هذه الأفعال، لا يشعر بأي لوم أو ذنب، ولا يؤنبه ضميره، وتخلو حياته من الثقة بالآخرين وإعطائهم الأمان؛
فهو مريض بالشك.

لا يتوقف الأمر عند ذلك، فهو يشعر بلذة في رؤية أي شخص يتألم، سواء في الحقيقة أو في التلفاز،
بل قد يتطور الأمر إلى حد استمتاعه بتخيُّل الآخرين يُعذَّبون!

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

اقتبس علماء النفس اسم “السادية” -لإطلاقه على هذه الشخصية- من اسم الروائي الفرنسي “ماركيز دي ساد”،
وهو شخص عُرِف بحب تعذيب الآخرين.

أسباب اضطراب الشخصية السادية

لم يتوصل الأطباء لمعرفة أسباب اضطراب الشخصية السادية تحديدًا، لكنهم رجَّحوا عدة عوامل، منها:

  • أسباب جسدية

رجَّح بعض الأطباء أن وجود خلل في مناطق معينة من المخ هو السبب الرئيس في حدوث هذا الاضطراب،
وربما يُتوارث هذا الخلل من الآباء للأبناء.

  • أسباب تربوية

تكمن خطورة هذا الاضطراب في أنه يزداد مثل كرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت، فنجد أن الأب المصاب بهذا الاضطراب يتفنن في تعذيب ابنه الذي يكبر معقَّدًا نفسيًا ويسير على نهج أبيه، ويصبح شخصًا ساديًا أيضًا.

ولا ينكر أحد أثر التجارب السيئة خلال فترة الطفولة في تغير طبيعة شخصيته وهو بالغ.

أعراض اضطراب الشخصية السادية

ذكرنا سريعًا بعضًا من سمات الشخصية السادية في أثناء تعريفنا للشخصية السادية، نتطرق في هذا الجزء من المقال إلى الأعراض بالتفصيل…

  1. حب تعذيب الآخرين: يستمتع الشخص السادي بسماع صرخات وأنين الآخرين في أثناء تعذيبه لهم.
  1. حب السيطرة: بعدما يتمكن الشخص السادي من تعذيب شخص ما، يسعى بكل الطُرق إلى السيطرة عليه،
    ومن ثَمَّ يضمن قبول هذا الشخص لهذا الإيذاء دائمًا.
  1. السادية الجنسية: لا يقتصر شعور الشخص السادي بالفرح فقط عند تعذيب الآخرين؛ بل يُثار جنسيًا ويشعر بنشوة جنسية شديدة.
  1. التحرش الجنسي: بما أن حب السيطرة من أهم سمات الشخصية السادية، فإنه يتوقع خضوع الآخرين له تمامًا،
    فيُعطي نفسه الحق بالتحرش بهم دون خجل، ويتلذذ بملامح الخوف على ضحاياه، ورعبهم من تحرشه بهم.

وتتسبب هذه الانحرافات الأخلاقية في فشل علاقات الشخص السادي، سواء على المستوى الاجتماعي، أو العاطفي، أو العائلي.

ما الفرق بين اضطراب الشخصية السادية والنرجسية؟

يخلط بعض الأشخاص بين اضطراب الشخصية النرجسية واضطراب الشخصية السادية.

في حقيقة الأمر، توجَد بعض الصفات المشتركة بينهما، إذ نجد أن كلتا الشخصيتين تحب استغلال الآخرين من أجل مصلحتها، وتحب أن تخضِعهم لرغباتها.

إلا أن الفرق بينهما يكمن في نقطة التلذذ؛ فنجد الشخصية السادية تتلذذ بتعذيب الآخرين، بينما يتلذذ الشخص النرجسي بالحصول على الإعجاب والتقدير، وأن يشعر بكونه مميزًا ومحط أنظار الجميع.

يمكننا أن نفسر ذلك أكثر بتخيل الزوج النرجسي، فنجده يشبه الطاووس؛ يحب أن تقدِّره زوجته وتغير عليه،
ويحاول أن يقلل من شأنها أمام الآخرين ويهملها دائمًا.

بينما عند تخيل الزوج السادي، نجده يستمتع بتعذيب زوجته بدنيًا، لا سيما في العلاقة الزوجية، ويتلذذ بإهانتها وسبها وإيذائها بكل الطُرق.

هل يمكن أن يتغير شخص سادي؟

الإجابة: نعم؛ يعطينا أطباء الأمراض النفسية أملًا في علاج الشخصية السادية، لكن يستغرق العلاج وقتًا ومجهودًا وكثيرًا من الصبر، مع المداومة على جلسات تعديل السلوك.

ويشدد الأطباء على أن أهم جزء من العلاج هو رغبة المريض في التغير والإصلاح من نفسه، أما في حالة عدم رغبته في التعاون وحضور جلسات العلاج والاستشارة، فسوف يعيق ذلك العلاج كثيرًا.

هل لاضطراب الشخصيـة السادية علاج؟

شرحنا في الجزء السابق من المقال إمكانية تغير الشخص السادي، ونتحدث هنا بتفصيل أكثر عن العلاج.

في حقيقة الأمر، لا يمكن القول بأنه يوجَد دواء لعلاج الشخصية السادة حتى الآن، لكن تستخدَم الأدوية في حالة وجود
أمراض مصاحبة للسادية، مثل الفصام أو الإكتئاب، ويعتمد العلاج اعتمادًا رئيسًا على جلسات تعديل السلوك النفسية.

وكما ذكرنا، فرغبة المريض في التعافي ذات أهمية كبيرة، وكذا تعاونه مع الطبيب النفسي الذي يعلمه التحكم
في رغبته الملحة في إيذاء الآخرين، ويعلمه التعاطف مع مشاعرهم بدلًا من التلذذ بها.

ما معنى الشخصية السادومازوخية؟

يتكون هذا الاسم من مقطعين: “السادية” و”المازوخية”، واشتهر الجمع بينهما في مصطلح واحد لأنهما وجهان لعملة
واحدة (أو بمعنىً آخر، يكملان بعضهما).

فنجد أنه بينما تستمتع الشخصية السادية بتعذيب الآخرين، تستمتع الشخصية المازوخية -التي تعرَف أيضًا باسم (الشخصية الماسوشية)- بتلقي الضرب والتعذيب!

وسمِّيَ اضطراب الشخصية المازوخية نسبة للكاتب الروائي النمساوي “ليبولد زاخر مازوخ”، والذي روَّج لهذه الفكرة في كثير من مؤلفاته.

عندما نفكر بعمق في السادومازوخية، نجد أن شقيها حقًا وجهان لعملة واحدة؛ فلو مارس الشخص السادي العنف على ضحيته وأقنعها بالرضوخ له، صنع منها شخصية مازوخية.

وفي حالة أعطى الشخص المازوخي الفرصة لشخص آخر في ضربه وإيذائه، تحوَّل الشخص الآخر إلى شخص سادي.

الشخصية السادية في تعاملاتنا اليومية

لا يقتصر وجود الشخصية السادية على أفلام الرعب فقط؛ بل تجد نفسك تتعامل مع درجات متفاوتة من هذا الاضطراب في حياتك اليومية.

هذه بعض الأمثلة لتصرفات هذه الشخصية:

  1. تعمُّد بعض الأشخاص إطلاق الشائعات على الآخرين وتشويه سمعتهم.
  2. التسبب في طرد شخص من عمله عمدًا وقطع مصدر رزقه، دون وجود أي سبب يستحق حدوث ذلك.
  3. السعي في إفساد علاقة الأشخاص ببعضهم.
  4. سرقة الممتلكات أو الأفكار ونسبها إلى النفس.
  5. التنمر على الزملاء وأفراد الأسرة.
  6. التحرش الجنسي، سواء لفظًا أو فعلًا، أو حتى إلكترونيًا.

وختامًا…

بعد أن ذكرنا -تفصيلًا- كل ما يخص الشخصية السادية، يبقى لنا أن نترك لك نصيحة في التعامل مع الشخصيات السادية التي تقابلها كل يوم.

لا يمكننا تجنب التعامل مع هذه الشخصية على الدوام، إذ يمكن أن يكون رئيسك في العمل أو أحد أفراد عائلتك كذلك.

لذا، عليك وضع حدود في التعامل، ولا تسمح له بالتأثير عليك سلبًا بكلامه السخيف أو تنمُّره عليك، أو إجبارك على أي شيء يخالف إرادتك، وقل له “لا” بكل حزم!

المصدر
The Disturbing Link Between Narcissism and SadismAggressive behavior brings emotional pain to the sadistCan Sadistic Personality Be Cured?Dealing everyday sadists and other dark personalities
اظهر المزيد

Marium Romany

طبيبة وأم، أهوى تبسيط العلوم الطبية للقارئ العربي بسلاسة ودقة. أصقل عملي الجامعي من مهارات البحث عن المعلومات الموثقة وشرحها بشكل بسيط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى