ترياق الأمراض النفسيةترياق في بيئة العمل
أخر الأخبار

الشخصية السيكوباتية | ما خفي كان أعظم!

“وما دام لكل امرئ باطن لا يشركه فيه إلا الغيب وحده، ففي كل إنسان تعرفه إنسان لا تعرفه.” ― مصطفى صادق الرافعي.  

في القرن التاسع عشر، حدد سيزار لومبروزو -الأب الروحي لعلم الإجرام- بعض الخصائص الجسدية التي تميز المجرمين مثل الجبهة العريضة، وبروز الفك، والجمجمة غير المتناسقة. 

ولكن إذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن لتيد بوندي، الشاب الذكي الوسيم، أن يصبح قاتلًا متسلسلًا؟ 

كيف يتحول من رفيق حنون ومتحدث لبق صباحًا، لحاصد أرواح سيكوباتي منزوع الرحمة ليلًا، دون أن يشعر بذنب أو ندم، ودون أن يصدق من حوله ما اقترفه من آثام؟

في هذا المقال، نسبر أغوار الشخصية السيكوباتية، ونفهم صفاتها، وكيفية التعامل معها، وهل مديرك المباشر قاتل متسلسل؟ أرجو ألا ترتعد!

الشخصية السيكوباتية في علم النفس

استخدم لفظ السيكوباتية قديمًا للتعبير عن أي مرض أو اضطراب نفسي، إلا أن الأمر تغير ليصبح اضطرابًا مستقلًا بذاته: اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع. 

وتعيش هذه الشخصية على الانتهاك المتعمد لحقوق الآخرين، والتجاهل التام لسلامتهم ومشاعرهم، وخرق القوانين. وتتسم بالعدوانية والاندفاع وعدم تحمل المسئولية.

ويشمل اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع فئتين: الاعتلال النفسي والاعتلال الاجتماعي. 

ورغم أن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية لا يفرق -كتشخيص- بين الفئتين ويكتفي بالمصطلح الأعم، إلا أن هناك بعض الفروقات بين الشخصية السيكوباتية والاعتلال الاجتماعي، نذكرها لاحقًا.

صفات الشخصية السيكوباتية

رغم أن الشخص السيكوباتي قد يبدو بمظهر طبيعي، بل وجذاب في بعض الأحيان، إلا أنه يحمل بداخله مجموعة من الصفات المؤرقة مثل:

  • يتملكه إحساس بالعظمة وتقدير الذات.
  • يستمتع بالتلاعب وقهر الآخرين.
  • الكذب المرضي؛ يكذب لمجرد الكذب دون وجود سبب لذلك.
  • لا يشعر بذنب أو ندم.
  • يفتقر إلى الاستجابة العاطفية.
  • قاسِ وقليل التعاطف.
  • يفتقر إلى الضوابط السلوكية ويميل لخرق القوانين.
  • مندفع ولا يتحمل مسئولية تصرفاته.
  • تظهر لديه مشاكل سلوكية مبكرة.
  • لا يملك أهدافًا واقعية طويلة المدى؛ بل أهداف مثل السيطرة على العالم.
  • قد يمتلك نزعة إجرامية عنيفة.
  • لا يستطيع التفرقة بين الصواب والخطأ.
  • يحتاج دائمًا للإثارة ويصاب بالملل بسرعة.
الشخصية السيكوباتية وسماتها

يمكن لبعض الأشخاص السيكوباتيين إبداء عواطف وانفعالات مزيفة بناء على ما يرونه حولهم من أشخاص، مما يسهل اندماجهم بالمجتمع المحيط.

وتبدأ بعض الصفات في الظهور من سن الخامسة عشر، ويفضل حينها اللجوء إلى طبيب نفسي متخصص لتقييم الحالة وتحديد العلاج النفسي اللازم أملًا في تقليل فرصة ظهور الشخصية السيكوباتية العنيفة.

الفرق بين الاعتلال النفسي والاجتماعي

تختلف الآراء حول الفروقات بين الشخصية السيكوباتية والاعتلال الاجتماعي. 

فمن الناس من يرى أنها مجرد محاولة للفهم أو توضيح ما هو مبهم فحسب.

وهناك من يحدد نقاطًا بعينها للتفرقة، رغم اشتراك الفئتين في العديد من الصفات. 

إليك إذًا بعض الفروقات المحتملة بين الفئتين:

النشأة

يعتقد بعض الباحثين أن الشخصية السيكوباتية مرتبطة بالجينات وتغيرات في الدماغ؛ أي يرون أنها أمر يولد به الشخص. في حين ينشأ الاعتلال الاجتماعي نتيجة التعرض لصدمة نفسية أو اعتداء ما.

الاندفاع 

من المرجح أن الشخص المعتل اجتماعيًا أكثر عرضة للاندفاع وارتكاب جرائم دون تخطيط مسبق، مما يجعل اكتشاف جرائمه والإمساك به أسهل، لأنه قد يترك وراءه أدلة دون قصد.

أما المجرم ذو الشخصية السيكوباتية فيعد خططًا محكمة لتنفيذ جرائمه ويختار ضحاياه ومسرح جريمته بحرص لكي لا تتأثر سمعته أو يضر بالشخصية الاجتماعية التي يرسمها.

العلاقات الاجتماعية

يجد المعتل اجتماعيًا صعوبة في تكوين أي علاقات اجتماعية بالآخرين؛ إذ يفتقر للمشاعر كما هو الحال بالنسبة للمعتل نفسيًا. ولكن الأخير يتفوق في قدرته على تزييف الانفعالات والمشاعر كجزء من خطة تلاعبه بالآخرين. 

لذا فمن الممكن أن تسمع عن قاتل متسلسل -مثل تيد بوندي- يحظى بحياة طبيعية ويحافظ على وظيفة دائمة، ويدرس في جامعة مرموقة، ويراعي أسرة محبة بإخلاص.

الضمير

هل يمتلك المعتل النفسي أو الاجتماعي ضميرًا؟

يُعتقد أن المعتل الاجتماعي لديه حس بسيط بالضمير؛ تلك البوصلة الداخلية التي تحدد الصواب من الخطأ، ولكنه يتعمد تجاهله. فربما يعرف المعتل الاجتماعي أن السرقة سلوك مشين ولكنه لن يتوقف عن السرقة.

أما المعتل النفسي فيفتقر إلى صوت الضمير، ولا يمتلك رادعًا أخلاقيًا يمنعه من التلاعب بالآخرين. فكل السبل متاحة طالما تساعده على الوصول لأهدافه حتى لو كان ذلك على حساب غيره.

نقاط ضعف الشخصية السيكوباتية

قد تصبح سمات الشخصية السيكوباتية نقاط ضعف في حد ذاتها؛ فاحتياج المعتل النفسي المستمر للإثارة مثلًا قد يدفعه لارتكاب أفعال وجرائم بشكل لا يستطيع السيطرة عليه، وقد يصل الأمر لإيذاء نفسه.

وكذلك فإن رغبته المستمرة في لفت الأنظار واعتداده الدائم بنفسه يجعلانه قليل الرضا، وسريع الغضب مما يهدد استقرار علاقاته الاجتماعية.

التعامل مع الشخصية السيكوباتية

الشخصية السيكوباتية

تختلف الصورة النمطية عن الشخصية السيكوباتية عن الواقع قليلًا؛ إذ يعتقد البعض أن جميع السيكوباتيين قتلة متسلسلين، في حين أن كثير منهم قد لا يرتكب أي جريمة جنائية. 

كيف يبدو المعتل نفسيًا في وقتنا الحاضر؟ يظهر ذلك في سلوكيات مثل البرود والقسوة في التعامل، وفي القدرة على التلاعب بالآخرين بهدف تحقيق أهدافه، أو تعمد إيذاء الآخرين دون ذنب أو ندم.
(هل تجد تلك الصفات في مديرك المباشر؟ حسنًا، لا يشترط أن يكون شخصية سيكوبايتة، ولكن كثير منهم قد يشغل مناصب إدارية مهمة.)

إذًا، كيف تتعامل مع الشخصية السيكوباتية إن صادفتها؟ إليك بعض النصائح: 

  • تجنبها: يتوقف ذلك على طبيعة علاقتك بها؛ يمكنك تجنب صديق أو شريك، ولكنك لن تتمكن من الابتعاد بشكل كامل عن زميل عمل مثلًا.
  • لا تظهر ضعفك أمامها: تتلذذ هذه الشخصية بآلام الآخرين، وتبني لعبتها على نقاط ضعفهم، فحاول أن تتمالك أعصابك قدر الإمكان.
  • لا تصدق كل قصصها: السيكوباتي كاذب بارع، وساحر ماهر يملك في جعبته الكثير من الألاعيب. ركز على أفعاله لا أقواله.
  • حافظ على علاقاتك بالآخرين: قد يتعمد السيكوباتي تشويه صورتك في العمل إن وقفت عائقًا أمام تقدمه، فاحرص على بناء علاقات قوية بمن حولك.
  • تجنب الصراعات: لا تكن مصدر خطر مباشر للشخص السيكوباتي. بل كن محنكًا في التعامل لجعل الأمر يبدو كموقف ربح للطرفين.

هل يمكن علاج الشخصية السيكوباتية؟

لا يوجد علاج ناجح للشخصية السيكوباتية حتى هذه اللحظة، قد يستعين الطبيب النفسي ببعض جلسات العلاج النفسي مثل العلاج المعرفي السلوكي بهدف تقليل الأعراض وتمكين المريض من تقدير تصرفاته والتحكم في اندفاعاته.

قد تستخدم كذلك بعض مضادات الاكتئاب مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية للتحكم في العصبية والتوتر. 

ولكن لا يمكن أن تؤتي تلك الإجراءات ثمارها في ظل رفض الشخص الاعتراف بوجود مشكلة ما أو بحاجته للعلاج. تزيد صعوبة نجاح العلاج كذلك كلما صار الشخص أكبر سنًا.

ربما غيرت رأيك -بعد قراءة هذا المقال- في مقولة تكلم حتى أراك؛ فالكلام وحده لم يعد كافيًا للحكم على سلامة نوايا بعض الأشخاص. 

وربما وراء ذلك الكلام المعسول، تختفي ابتسامة ماكرة تنوي لك شرًا. فلا تلتفت للأقوال وانظر دائمًا إلى الأفعال.

وإني، يا صديقي العزيز، لأرجو الله أن يقينا الشرور ما ظهر منها وما بطن؛ فذاك ما ندري، وما خفي كان أعظم!

المصدر
Antisocial personality disorderPsychopathSigns of psychopathyDifferences between a psychopath VS sociopathSociopath VS psychopath: What’s the difference?Antisocial personality disorderHow to deal with psychopaths and toxic people: 5 proven secretsWhat type of a criminal are you? 19th century doctors claimed to know by your face
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق