ترياق الأمراض النفسية

الشخصية الشكاكة – Paranoid personality

تشاجرَتْ صديقتي معي بالأمس، وأنهتْ علاقتها بي، وطلبت مني عدم الاتصال بها مجددًا؛ إثرَ نصيحتي لها بالذهاب للطبيب النفسي.

أدرك جيدًا أنها تعاني اضطراب الشخصية الشكاكة، وأنها تسيءُ الظن بمن حولها؛ ولهذا فهي تتعامل بحذر شديد مع الآخرين.

تشعر دائمًا بالخوف وعدم الأمان، كما تدَّعي بأنها تتعرض للاضطهاد من المحيطين بها، وأنهم يسيئون معاملتها. 

سنتحدث في السطور القادمة عن مرض الشك، وسمات الشخصية الشكاكة، كما سنتطرق إلى علاج الشك؛ فتابع معنا هذا المقال.

ما هو مرض الشك؟

يُطلَقُ عليه أيضًا “اضطراب الشخصية الشكاكة”، وهو أحد الاضطرابات الشخصية الغريبة.

يعد الشك وعدم الثقة وإساءة الظن تجاه الآخرين من أهم السمات المحددة لهذا الاضطراب.

إذ يرتاب المصاب باضطراب الشخصية الشكاكة في الآخرين بشكل مفرط، كما يشك دائمًا في دوافع المحيطين به.

يشعر المريض دائمًا أنه معرض للتهديد أو الاستغلال أو الخيانة أو الأذى.

ولا يستطيع الاعتراف بالمشاعر السيئة التي يحملها تجاه الآخرين، كما إنه يسيءُ فهمَ تصرفاتهم.

يشكِّل علاج الشك تحديًا كبيرًا للطبيب النفسي؛ فعليه أن يسعى جاهدًا لبناء علاقة وثيقة  بالمريض باضطراب الشخصية الشكاكة.

سنتحدث لاحقًا عن علاج مرض الشك، ولكن دعنا نتعرف إلى سمات هذه الشخصية أولًا.

سمات الشخصية الشكاكة – Paranoid personality

يشعرُ دائمًا صاحبُ الشخصيةِ الشكاكة أو الشخصية الظنونية بعدم الثقة والشك في الآخرين؛ ما يجعله مرتابًا ومعاديًا لهم.

سمات الشخصية الشكاكة

تشمل العلامات الأخرى لاضطراب الشخصية الشكاكة ما يلي:

  • يشك في محبة الآخرين له.
  • يرى بأن المحيطين به لديهم دوافع خفية، كما يسيء الظن بهم.
  • يظن أنه عرضةً للإيذاء أو الاستغلال.
  • لا يرحب بإقامة علاقات جديدة.
  • يعاني حساسية شديدة تجاه النقد.
  • يواجه صعوبة في العمل مع الآخرين.
  • يُظهر العداء، وقد يعاني نوبات الغضب
  • يفضل العزلة.
  • يُكثِرُ من الجدال، ويستميت في الدفاع عن نفسه وآرائه.
  • يواجه صعوبة في تقييم مشاكله الخاصة ودائمًا يرى أنه على حق.
  • يجد صعوبة في الاستمتاع بحياته.
  • يراه الآخرون كشخص بارد وغيور وعنيد ومثير للجدل.
  • قد يعاني شكوكا متكررة -بغير مبرر- من عدم إخلاص شريك حياته. 

وهناك الكثيرُ والكثيرُ من العلامات التي تدور جميعها في دائرة الشك وإساءة الظن في الآخرين. 

تتداخل كل هذه السمات مع قدرة الشخصية الشكاكة – Paranoid personality على إقامة علاقات سوية  بالمحيطين بها.

أسباب الإصابة باضطراب الشخصية الشكاكة

يعد سبب الإصابة غيرَ معروف، ولكن يظن العلماء أن العوامل النفسية والجينية تؤدي دورًا محوريًا في ظهور سمات الشخصية الشكاكة.

تشمل العوامل التي تزيد من خطر الإصابة ما يلي:

  • تاريخًا عائليًا للإصابة باضطرابات نفسية، مثل: الفصام.
  • كيفية تفاعل المريض في أثناء مراحل نموه المبكر مع عائلته وأقرانه.
  • طبيعة شخصية المريض التي تأثرت ببيئته المحيطة، وكيفية تعاملِه مع الضغوط والتكيف معها.
أسباب الإصابة باضطراب الشخصية الشكاكة

 يعد الرجال أكثرَ عرضةً للإصابة باضطراب الشخصية الشكاكة من النساء، كما يبدأ ظهور السمات الشخصية في مرحلة الطفولة أو المراهقة.

مضاعفات تعاني منها الشخصية الشكاكة

تؤثرُ الأفكارُ المشوَّهةُ والمشاعرُ المضلِّلةُ التي تعانِيها الشخصيةُ الظنونيةُ في قدرتِها على تكوينِ علاقاتٍ اجتماعيةٍ سوية، والحفاظِ عليها.

كذلك تتأثرُ قدرتُها على العملِ مع الآخرِين؛ مما يؤثرُ في مسيرتِها المهنية.

غالبًا ما تتورطُ الشخصيةُ الشكاكةُ في معاركَ قانونيةٍ مع الكثيرِينَ بسببِ شكِّها الدائمِ وارتيابِها من الآخرِين؛ مما يعرِّضُها لمشاكلَ ماديةٍ وخسائرَ لا حصرَ لها.

تشخيص اضطراب الشخصية الشكاكة

لا تبحث الشخصية الظنونية عن العلاج إلا عندما تتأثر حياتها بشكل كبير؛ إذ لا يستطيع المريض التأقلم مع الضغوط الواقعة عليه.

لا توجد اختبارات معملية أو جينية محددة لتأكيد الإصابة بالشخصية الشكاكة.

لكن تشمل خطوات التشخيص ما يلي:

  • يسألك الطبيب عن الأعراض التي تعانيها.
  • يسألك الطبيب عن تاريخك العائلي للإصابة بأحد الاضطرابات النفسية.
  • يجري لك الطبيب فحصًا بدنيًا لاستبعاد أي مشكلات صحية أخرى.
  • يرسلك الطبيب إلى المعالج النفسي لإجراء المزيد من الاختبارات.
  • يسألك المعالج النفسي عن طفولتك ومدرستك وعملك وطبيعة علاقاتك بالآخرين.
  • يختبرك المعالج النفسي ليرى كيف تتفاعل مع مواقفَ معينة.
  • تُشخَّص الإصابةُ عندما تتوافق أعراضك مع المعايير المحددة لتشخيص الإصابة باضطراب الشخصية الشكاكة.

علاج مرض الشك

عادةً ما يكون علاج الشك ناجحًا جدًا، ولكن تكمن المشكلة في رغبة الشخصية الشكاكة نفسها في العلاج.

عادةً لا تسعى الشخصية الظنونية نحو التشخيص والعلاج؛ إذ لا يشعر المريض بأنه يعاني اضطرابا ما.

وعادةً ما تبرر الشخصية الشكاكة ظنونها وشكوكها تجاه الآخرين، كما أنه يصعب على المريض أن يثق في الطبيب أو المعالج النفسي، كما يواجه صعوبة في الحديث مع الطبيب حول حياته.

لذا فإن علاج مرض الشك يشكل تحديًا كبيرًا للطبيب؛ فهو يواجه صعوبة في إقامة علاقة بالمريض تُمكِّنه من التفاعل معه.

لكن تستطيع الشخصية الشكاكة التحكم في أعراضها وأفكارها بشكل أكثر فاعلية عن طريق خطة علاج مناسبة وتلقي الدعم من الآخرين.

تشمل خطة علاج الشك ما يلي:

  • العلاج النفسي.
  • الأدوية.

العلاج النفسي

يعتمد العلاج النفسي على مساعدة الشخصية الشكاكة على تطوير مهارات التأقلم؛ إذ يساعد المريض على إرساء قواعد الثقة ومهارات التواصل والاحترام المتبادل مع الآخرين. 

يعد العلاج السلوكي المعرفي أكثر فاعلية لمساعدة المريض على تغيير نمط أفكاره المشوهة تجاه المحيطين به.

كما يساعد المريض على فهم مشاعره وأفكاره التي تؤثر في سلوكه، ويتعلم كيفية تغيير هذه الأفكار المدمرة والمشاعر المقلقة التي تؤثر سلبًا في علاقاته الاجتماعية.

كما يتعلم كيفية الاستجابة بشكل أفضل تجاه أفعال الآخرين؛ إذ يساعده العلاج السلوكي المعرفي على تعلم كيف يتعامل مع مشاعره بطريقة أفضل.  

الأدوية

لا تستخدم الأدوية عادةً لعلاج الشخصية الشكاكة.

لكن يمكن استخدام الأدوية في الحالات التالية:

تشمل الأدوية المستخدمة ما يلي:

لا يوصى باستخدام الأدوية وحدها لعلاج مرض الشك، ولكن يمكن استخدامها مع العلاج النفسي.

هل يمكن تجنب الإصابة باضطراب الشخصية الشكاكة؟

لا يمكن منع أو تجنب الإصابة بهذا الاضطراب، ولكن يسمح العلاج للمريض بأن يتعلم كيف يتعامل مع المواقف بطرق أكثر صحية.

هل يشفى المريض نهائيًا؟

يعد اضطراب الشخصية الشكاكة مرضًا مزمنًا، يصاحب المريض في سنوات عمره المقبلة.

تستمر الأعراض والسمات الشخصية طوال العمر، ولكن يعتمد الأمر على استعداد المريض لقبول العلاج.

إذ يساعده العلاج على التحكم في الأعراض؛ مما يمكنه من الاستمرار في العمل وبناء علاقات اجتماعية سوية والحفاظ عليها.

ليس سهلًا أن تعيش حياتك وأنت دائم الشك في المحيطين بك، وأن تتصيد لهم الأخطاء، وترتاب في تصرفاتهم.

ليس سهلًا أن تعيش وأنت فاقد الثقة، تخشى من تكوين علاقات جديدة مع الآخرين، بل وتنظر لهم وكأنهم أعداؤك.

ليس سهلًا أن تعيش وأنت تهاجم المحيطين بك بشكل دائم، وتتعامل معهم بعدوانية.

ليس سهلًا أن تعزل نفسك وكأنك تعيش وحدك؛ فهذه ليست بحياة يا صديقي.

تقبل -عزيزي القارئ- حقيقة أنك تعاني اضطراب الشخصية الشكاكة، واعترف بذلك، ولا تتردد في طلب المساعدة الطبية.

واعلم أن اعترافك بالأمر هو نصف العلاج!

المصدر
Paranoid Personality DisorderParanoid Personality DisorderParanoid Personality DisorderParanoid Personality Disorder
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق