أنماط الشخصيةمفاهيم ومدارك

الشخصية الطماعة | عندما يكون الكافي غير كافٍ!

“أريد المزيد… المزيد… المزيد…”.

تتردد هذه العبارات في داخله كلما حصل على ما يشتهي!

سعادة وانتصار مؤقتان، وما هي إلا لحظات قليلة تمُرُّ حتى تهاجمه رغبة ملحة في الوصول إلى الهدف التالي.

تحوَّلت حياته إلى سباق متواصل مع رغباته، يجري فيه وراء هدف متحرك يستحيل إدراكه!

لم تَعُد غايته الشيء الذي يشتهيه، لكن الشعور الذي يسيطر عليه عندما يستحوذ على المزيد.

سنتعرف -سويًا- إلى الشخصية الطماعة، ونفهم أسبابها، وسلوكها، وكيفية التعامل معها…

ما الطمع (Greed)؟

ما الطمع؟

هو الرغبة الشديدة والملِّحة في امتلاك أكثر مما يحتاجه الشخص أو يستحقه (مال، أو ممتلكات، أو شهرة، أو علم، أو غيرها)؛ فالشخصية الطماعة لا تصل إلى الرضا.

الطمع هو شعور أناني، ولا يمكن إشباعه، يمكن تلخيصه في “الرغبة في المزيد”.

مصطلحا الطمع والجشع مترادفان، يُستخدَم أحدهما للتعبير عن الآخر، وكثيرًا ما يُجمَع بينهما.

يجب التفريق بين “الطمع”؛ الذي يُعَدُّ سمة مظلمة للشخصية، و”الطموح” الذي يدفع صاحبه إلى السعي المستمر للتقدم والتطور، و”حب النفس” والرغبة في تلبية احتياجاتها في نطاق المعقول والمقبول.

ما سبب الطمع والجشع؟

ما سبب الطمع والجشع؟

الحب، والتقبل، والرعاية، والاهتمام، والتفاعل مع الغير، جميعها احتياجات طبيعية للإنسان منذ ولادته، يكون مصدرها والداه أو مَنْ يرعاه.

يُعتقَد أن حرمان الإنسان منها -نتيجة تجرِبة سلبية في أثناء طفولته- قد يؤدي إلى نمو الطمع والجشع في داخله، وذلك كالتالي:

  • الحرمان من الاحتياجات الفطرية

نتيجة فقد أحد الوالدين أو كليهما (بسبب المرض، أو الوفاة، أو الانفصال)، أو تعمُّد الوالدين إهمال الطفل لأي سبب كان.

حرمان الطفل من هذه الأمور الفطرية قد يُشعِره بالخوف الدائم من عدم كفاية الفرص، والقلق من المستقبل، وقد يدفعه إلى تعويض الفراغ العاطفي بالماديات.

  • التدليل الزائد وتقديم البدائل للاحتياجات الفطرية

أن يكون والدا الطفل (أو مَنْ يحل محلهما) متواجدين في حياته، لكنهما حاضران غائبان؛ لا يهتمان به ولا يُشعِرانه بأهميته، وقد يلجآن إلى التدليل وإغراقه بالممتلكات (مثل: الألعاب، والحلوى، والمقتنيات) تعويضًا له عن إهمالهما.

مع الوقت، وسائل التدليل تلك لن تسد الفراغ العاطفي بداخله نتيجة الحرمان من الحب والاهتمام، لكن ستُشعِره بسعادة مؤقتة زائفة، وستجعله دائمًا يلجأ إلى الأمور المادية للشعور بالسعادة، وللتغلب على أي قلق أو توتر في حياته، وقد يصل به الحال إلى الجشع.

  • الفقر أو الكوارث

قد يكون نقص الاحتياجات الأساسية -مثل المأكل والملبس والمسكن والشعور بالأمان- نتيجة الفقر أو التعرض للكوارث (كالمجاعات) سببًا في ميل الشخص للجشع؛ حتى لا تتكرر تجربة الحرمان في حياته.

الحرمان الذي شعر به الطفل قد يتطور إلى جشع وطمع كالتالي:

  • تكوُّن مفهوم خاطئ لدى الطفل حول الحياة، واعتقاده بعدم إمكانية الاعتماد على الغير، وأن سعادته تعتمد على ما يملك.
  • خوف مستمر من عدم كفاية ما يشتهي (سواء كان ماديًا كالمال والممتلكات، أو معنويًا كالحب والشهرة والاهتمام والسُلطة).
  • تبنِّي استراتيجيات متنوعة للتعامل مع هذا الخوف والحرمان، مثل: السعي المستمر وراء ما يشتهي، وتملُّكه، وتخزينه.
  • في النهاية، تتبلور الشخصية الطماعة، التي تتمكن من إخفاء أنانيتها وجشعها -حتى تنال القبول المجتمعي- إما تحت قناع “مساعدة وإسعاد الغير” بما تحقِّقه وتملكه، أو بانتقاد جشع وطمع الآخرين حتى لا ينتبه لها أحد.

يجب الانتباه إلى أن معاناة أي شخص في الصغر لا تعني -بالضرورة- تحوُّله إلى إنسان طماع، وأن ذلك يعتمد على أمور عدة، منها الشخص نفسه والظروف المحيطة به.

بعد أن تعرفنا إلى أسباب تكوُّن الشخصية الطماعة، سنستعرض سويًا سمات هذه الشخصية…

كيف تتعرف إلى الشخصية الطماعة ؟

السمات التالية قد تُنذِر بوجود خطب ما، وسيطرة الجشع على الشخص:

  • “أنا ومن بعدي الطوفان”

هذه العبارة تلخص الشخصية الطماعة؛ فهي أنانية، تعطي الأولوية لإشباع رغباتها، ولا تهتم باحتياجات الآخرين.

كيف تتعرف إلى الشخصية الطماعة ؟
  • لا تتعاطف

الشخصية الطماعة لا تهتم بمشاعر الآخرين، ولا تخشى أذيتهم.

  • الجشع والاستغلال

الشخص الطماع سيد التلاعب، ولا يتردد في استغلال الآخرين حتى يصل إلى هدفه.

  • الحسد

الحسد قرين الطمع، والشخصية الطماعة مع رغبتها القوية في المزيد، فإنها قد تشتهي ما يملكه الآخرون، وتسعى إلى الحصول عليه.

  • قصر النظر

يسعى الشخص الجشع دائمًا وراء الإشباع الفوري لرغباته والمكسب القريب، بدلًا من التفكير في المستقبل والتخطيط له.

  • لا تشبع

الشخصية الطماعة لا ترضى أبدًا، وتسعى دائمًا إلى الحصة الأكبر من الكعكة، حتى وإن كان ذلك على حساب الآخرين. كما أنها بمجرد حصولها على ما ترغب، تضع عينيها على الهدف التالي.

  • لا حدود لها

تسعى الشخصية الطماعة إلى تحقيق ما تهدف إليه بأي ثمن، حتى لو على حساب القيم الأخلاقية والمبادئ، وستستخدم كل الحيل للتغلب على اللوائح والقواعد، وقد يصل بها الحال إلى نسبة إنجازات الآخرين إليها.

عاقبة الطمع

أضرار الطمع متعددة، ولا يقتصر أثرها في الإنسان الطماع فقط؛ بل يمتد ليشمل الآخرين. من هذه العواقب:

  • إهمال الإنسان الطماع لحياته، وتركيزه على ما يسعى إليه طوال الوقت.
  • ضعف الروابط الأُسَرية والمجتمعية؛ فسلوك الإنسان الجشع وأنانيته تُصَعِّبان التعامل معه، وتدفعان الآخرين إلى تجنُّبه، إلى جانب مشاعر الضغينة التي يزرعها الطمع في القلوب.
  • التأثير السلبي في الحالة النفسية للشخص الجشع نتيجة الضغوطات المستمرة؛ فقد يصاب بالقلق، والإجهاد، واليأس والاكتئاب.
  • قد يدفع الجشع والطمع صاحبهما إلى تصرفات مشينة، مثل: السرقة، والغش، والاحتيال.
  • الطمع والبخل، حيث تميل الشخصية الطماعة إلى الاكتناز، والامتناع عن المشاركة مع الآخرين، وإن كانوا في حاجة أكثر منها. 
  • “الطمع قلَّ ما جمع”، إلى جانب نقص بركة المال المكتنَز؛ فعدم استمتاع الشخص بما يملك يقلل من قيمة الشيء مهما كثر.
  • إضاعة الفرص على الآخرين، نتيجة استئثار الشخصية الطماعة بالأشياء.

بعد تعرُّفنا إلى بعض أضرار الطمع، يأتي سؤال مهم: هل بإمكانك التغلب على الطمع؟

كيف تتغلب على الطمع؟

كيف تتغلب على الطمع؟

الخطوات التالية قد تساعدك -إذا كنت راغبًا- في السيطرة على الطمع:

  • تقبَّل ذاتك، وتذكَّر أنك أكثر من مجرد شخص طماع.
  • تذكَّر أنك تستطيع، وأنك تمتلك الإرادة والقدرة على الاختيار أمام سيطرة الطمع.
  • ركِّز على تحديد المحفِّزات التي تدفعك إلى الجشع والسعي وراء الأشياء، مثل: رؤيتك ما ترغب به، أو حديث أحد ما عنه.
  • حاوِل تجنُّب هذه المحفزات، مثل: تجنُّب البحث عمَّا تشتهي.
  • اشغل وقتك بأنشطة اجتماعية تصرف انتباهك عن التفكير فيما تشتهي.
  • اِمتنَّ لِما عندك، واستمتع بما جنيت، بدلًا من السعي المستمر للامتلاك.
  • تجنَّب مراقبة الغير ومتابعة حياتهم، وركِّز على حياتك؛ فذلك سيقلل من شهوة الطمع والرغبة في الحصول على ما يملكون.
  • افهم طبيعة طمعك وأسبابه؛ فالطمع سمة معقدة لا تقتصر على كونك أنانيًا.
  • عالِج أسباب الطمع، واستعِن بمتخصص في الصحة النفسية إذا استلزم الأمر؛ فقد يكمن الخلاص من سيطرة الجشع في حل عقدة لديك من الصغر. 

كيفية التعامل مع الشخصية الطماعة

قد تضطر إلى التعامل مع الشخصية الطماعة بسبب قربها منك، أو أهميتها لك. ومع أن الأمر يبدو صعبًا، إلا أنه غير مستحيل، وقد يساعدك في ذلك التالي:

  • تذكَّر: كون الطمع سيئًا لا يعني أن الشخص سيء.
  • حافِظ على هدوئك، وأحسِن التصرف.
  • تعاطف مع الإنسان الطماع، وحاوِل فهم سبب طمعه؛ فذلك قد يمكِّنك من مساعدته.
  • اعرض عليه المساعدة إذا استشعرتَ استعداده للتغيير، ويمكنكما اللجوء إلى متخصص.
  • تجنَّب الشخص الطماع إذا كان لا يهمك، أو سبَّب لك الأذى.

هوِّن على نفسك؛ فوجود شخص طماع قريب منك ليس خطأك، ورفضك استغلاله لك لا يعني أنك شخص سيء.

إقرارك بأن الطمع سمة فيك لا يقتضي اعتناقك النقيض، ولا أن تنكر ذاتك وتهمل إشباع احتياجاتها من أجل الآخرين.

اِحرص دائمًا على الاعتدال، وخذ باستمرار وقتًا مستقطعًا تُراجِع فيه نفسك، لتتحقق أن اهتمامك بنفسك لا يصل إلى الطمع، أو يقل إلى درجة تهميش الذات.

المصدر
Seven Signs of the Greed SyndromeGreedAre You Greedy?
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق