أنماط الشخصية

الشخصية المجادلة | سأنتصر لرأيي دائمًا!

كنت على وشك مغادرة مكتبي عندما رن جرس هاتفي، كان المتصل زوجتى:

“أحمد، متى ستأتي؟ هناك أمر هام يجب أن نناقشه سويًا عند عودتك.”

ـ يا إلهي! أمر هام، ومناقشة!… فلأستعد للمعركة إذن. 

لا تندهشوا، فكل نقاش مع زوجتى هو معركة بكل المقاييس، فهي لا تخطئ أبدًا، ستظل تجادلك حتى تفقدك عقلك، وتتمنى لو تُنهي هذا الجدال بأي ثمن. 

إذا كنت -عزيزي القارئ- لديك مثل هذه الشخصية في حياتك، ولا تعرف كيف تتعامل معها، فتابعنا عبر سطور هذا المقال الذي نخبرك فيه كل ما تحتاج معرفته عن الشخصية المجادلة، ولماذا تتصرف هكذا؟ وما الطريقة الصحيحة للتعامل معها. 

أولًا…

ما هي الشخصية المجادلة؟

بعض الأشخاص يكون لديهم آراء قوية وحجج منطقية، وهؤلاء يُثرون أي نقاش يُجرى معهم، لأن هدفهم الأساسي هو إثراء النقاش، والخروج منه باستفادة حقيقية لجميع الأطراف. 

أما الشخصية المجادلة فهي التي تجادل طوال الوقت، لا لشيء إلا لإثبات أنها على حق -حتى وإن لم تكن كذلك-، فهي تعتبر أن أي نقاش تخوضه بمثابة معركة يجب أن تكسبها، ولا تقبل بأقل من ذلك. 

غالبًا ما ترفض هذه الشخصية الاعتراف بالخطأ، وترفض النقد البناء. 

لكن، لماذا تفعل ذلك؟ 

هناك بعض العوامل التي تؤثر في نشأة الشخصية المجادلة، منها:

  • سوء طرق التواصل التي تعلمتها هذه الشخصية في الطفولة.
  • الشعور الدائم لدى هذه الشخصية بأنها في حالة دفاع عن النفس:

قد يكون السبب في هذا الشعور هو كثرة الانتقاد الذي تتعرض له من المحيطين بها، أو نتيجة لانتهاكات ووصم تعرضت له في حياتها. 

  • الشعور بالتعاسة.
  • الشعور بعدم الأمان أو بالعار من شيء ما. 

يُطلَق على الشخصية المجادلة اسم “الشخصية السفسطائية”، والسفسطة في اللغة تعني استخدام الجمل والعبارات بطريقة تبدو صحيحة ومنطقية، لكنها ليست كذلك. فينتج عن هذا الاستخدام نوع من الخداع والتضليل. 

صفات الشخصية المجادلة

يجادل الأشخاص ذوو الشخصية السفسطائية فقط من أجل الجدال، لذا تجدهم دائمًا رافضين لكل شيء، ومخالفين لمن حولهم في الرأي، وباحثين فقط عن السلبيات ليضخموها وينسجوا منها قصصًا جدلية لا نهائية. 

من العبارات الشهيرة لديهم في أي حوار:

  • “أنا أعترض.”
  • “هذا خطؤك.”
  • “لا أقصد الإهانة، ولكن…”

من علاماتهم كذلك:

  • أنهم لا يعترفون أبدًا أنهم السبب في تحول أي نقاش عادي إلى جدال، بل غيرهم السبب في ذلك دائمًا.
  • لا يأخذون في اعتبارهم وجهات نظر الآخرين، بل يبدو أنهم يغلقون آذانهم عنها ولا يستمعون لها بالأساس.

إذن، ما الذي يجعل الشخصية المجادلة غير محببة للكثيرين؟ 

سلبيات الشخصية المجادلة

هذه بعض الأشياء التي تجعل التعامل مع الشخصية المجادلة صعبًا للغاية، ومجهدًا ومستنزفًا للطاقة:

  • من الصعب أن تقيما سويًا محادثة خالية من الاعتراضات والمناقشات الحادة، فأي محادثة -حتى وإن كانت تافهة- قد تتحول بسهولة إلى معركة.
  • لا يهتمون لتأثير سلوكهم السلبي في نفوس غيرهم. 
  • لديهم بعض الصفات النرجسية؛ وهو ما يعني أنهم منغمسون في ذواتهم، ويجعلون مصلحتهم الشخصية وتحقيق الأفضلية على الآخرين همهم الأوحد. 
  • يكثرون من الشكوى ولوم الآخرين على كل شيء. 

كيفية التعامل مع الشخصية المجادلة

التعامل مع الشخصية المجادلة قد يقوض ثقتك بنفسك، ويجعلك دائمًا في موضع دفاع عن النفس، وعن آرائك واختياراتك. 

إليك بعض النصائح للحفاظ على صحتك العقلية والنفسية، إذا كنت مضطرًا للتعامل الدائم مع الشخصية السفسطائية:

  • كما ذكرنا سابقًا، فربما هذا السلوك الجدلي هو نتيجة للشعور بعدم الأمان، وبالحاجة إلى الدفاع الدائم عن النفس. 

لذا؛ قد يكون تفهمك وتعاطفك مع هذه الشخصية الحل الأمثل لكليكما، وقد يساعد موقفك هذا الشخصية الجدلية على تحسين سلوكها.  

  • حاول ألا تسأل الشخص المجادل عن رأيه في أي شيء. في كل مرة تستطيع أن تتخذ قرارًا وحدك، اتخذه دون تردد. 
  • إذا ارتأيت أن أي نقاش على وشك أن يتحول إلى جدال عقيم، فانسحب منه بهدوء ولا تنخرط فيه، أو تحاول إثبات أن الشخصية التي تجادلك على خطأ. 

وذلك لأن هذه الشخصيات ستحاول الانتصار لرأيها دائمًا، ولن تعترف أبدًا بخطئها، وسيستنزف الحديث معها طاقتك بلا جدوى. 

  • كن صبورًا، وحاول أن تتجاهل قدر الإمكان. 

لكن، ماذا إن كنت أنت صاحب الشخصية المجادلة، ماذا يجب عليك أن تفعل؟ 

كيف تعرف إن كان لديك شخصية مجادلة أم لا؟ 

إذا كنت تريد أن تعرف هل شخصيتك من النوع الجدلي أم لا، فانظر إلى نفسك:

  • لا يمر عليك يوم دون أن تتجادل مع أحدهم بشأن شيء ما. 
  • الشعور بالسيطرة والتحكم في كل شيء هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لك. 
  • الآخرون هم السبب دائمًا في إثارة الجدال معك. 
  • تشعر بالراحة والثقة بالنفس عندما يحتدم الجدال مع أحدهم، ولا يستطيع إيقافك أو إثبات أنك على خطأ.
  • أسوأ شعور بالنسبة لك هو أن تكون على خطأ.
  • تعتقد أن الطبيعي في علاقاتك الشخصية أن تكون مليئة بالصراعات والنقاشات الحادة. 

إذا كنت -يا صديقي- تفعل واحدة أو أكثر من النقاط السابقة، فعلى الأرجح أنت تمتلك شخصية مجادلة. 

ماذا يجب عليك أن تفعل؟ 

الخطوة الأولى هي معرفتك لماذا تتصرف هكذا، ابحث داخلك عن السبب الذي يجعلك مجادلًا:

  • هل تكره أن تكون مخطئًا؟! 

اعلم أن كل ابن آدم خطاء، ولم يحتكر أحد الصواب، ولن ينقص من قدرك أبدًا أن تعترف أنك لم تكن على حق. 

  • هل تشعر بعدم الأمان؟ هل تشعر أنك في وضع دفاع عن النفس طوال الوقت؟ 

أولًا، ثق بنفسك، ولا تدع هذه الأفكار تسيطر عليك. إذا كان هناك من يخالفك الرأي، فذلك لا يعني أنه يهاجمك، إنها ليست معركة -يا صديقي- ويجب أن ينتصر أحد منكما على الآخر. 

ثانيًا، لست مضطرًا للدفاع عن نفسك أو تبرير اختياراتك لأحد، إذا كان هناك من أشعرك بذلك في الماضي، فاطرح هذه الأفكار وراء ظهرك، وامضِ ولا تلتفت. كن مرنًا وتقبل الاختلاف، ولا تفعل مثلما فعل معك الآخرون من قبل. 

إذا عجزت بعد كل هذا أن تغير من صفات شخصيتك المجادلة، فلا بأس بأن تستشير أحد المختصين النفسيين، فربما استطاع مساعدتك. 

الشخصيةُ المجادلة عند الأطفال

يعاني الآباء مع أطفالهم -خاصةً المراهقين- الجدال اليومي بشأن كل شيء، فتجد أن الشكوى المعتادة لمعظمهم هي أن أي طلب يطلبونه من ابنهم، يتحول إلى سجال من الأعذار والحجج التي لا تنتهي. 

ولمَّا كان هذا الأمر مزعجًا للآباء، إليكم بعض النصائح التي قد تساعدك على تقويم السلوك الجدلي عند طفلك:

  • فكر في السبب الذي يجعل طفلك يجادل، خاصةً إذا كان هذا السلوك مغايرًا لما تعودت عليه، ربما يكون متوترًا أو مضغوطًا من أمر ما، تفهم ذلك وساعده على تخطي أزمته أولًا.
  • انظر إلى سلوكك أمام طفلك، هل أنت كثير الجدال بشأن كل شيء؟ فربما كان طفلك يقلدك. غيِّر من نفسك. 
  • إذا كنت كثير الطلبات والأوامر، فحاول أن تقلل منها، لأن الأطفال مَلولون بطبعهم. 
  • اقضِ وقتًا أطول مع طفلك، وحسِّن من علاقتك به، واجعل الحوار والإقناع أساس التواصل بينكما. 
  • أخيرًا، إذا كان طفلك مجادلًا بلا سبب، فحافظ على هدوئك، وكن حازمًا. ولا تنخرط معه في الجدال، فقط أخبره بما تريده أن يفعل، ثم انسحب بهدوء. 

في النهاية، تذكر أن النقاش مع الشخصية المجادلة لن يأتي بفائدة، وسيستنزف طاقتك ويؤثر سلبًا في سلامك النفسي، فتجنبه متى استطعت. 

المصدر
The Argumentative Personality How to Cope With Argumentative PeopleThe best way to deal with an argumentative child
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق