ترياق الروح

الشعور بالذنب – منبه داخل عقلي لا يكفُّ عن الرنين

“ليتني لم أذهب إلى عملي في ذاك اليوم، حتمًا كنتُ سأقنعه بالعزوف عن الانتحار“.

“لماذا دائمًا أصرخ في وجه طفلي الصغير؟ أنا أم فاشلة ومقصرة في حق أولادي”.

“لقد أكلتُ كثيرًا بالأمس، لقد أفسدتُ حِميتي الغذائية ولن أصل أبدًا إلى وزني المثالي مهما فعلت”.

“لماذا نجوتُ من الحادث وصديقي لم يستطع النجاة؟”.

هناك العديد من الأسباب التي قد تتسبب في الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير، وهو ضمن المشاعر التي وهبها الله سبحانه وتعالى للإنسان، كالسعادة والحزن والغضب والامتنان وغيرهم.

تمر علينا جميعًا لحظات نشعر فيها بالذنب على ما فعلناه أو ما لم نستطع فعله، ولكن ماذا لو استسلمنا لهذا الشعور وملَّكناه عقولنا يفعل بها ما يشاء؟ وهل نحن المسئولون عن كل ما يُشعِرنا بالذنب؟ وهل يمكن أن يكون الشعور بالذنب مفيدًا في بعض الأوقات؟

فهيا بنا يا صديقي الحائر نُسكِت هذا الوسواس بداخلنا، ونتعرف على ذلك وأكثر من خلال هذا المقال.

متى يتملكك الشعور بالذنب؟

تشعر بالذنب أو الندم على أفعال قمتَ بها بالفعل، كتوجيه إهانة لشخص ما، أو معاملة طفلك بطريقة سيئة، أو وقوعك في معصية، أو إذا ارتكبتَ فعلًا غير قانوني.

وقد تشعر بالذنب على ما كان يجب القيام به، ظنًا منك أنك لم تفعل ما يكفي، فتبدأ بترديد عبارات مثل: “كان عليَّ أن أحاول بجِد”، “كان ينبغي لي أن أفهم”، “لو فقط فعلتُ شيئا مختلفًا”.

وقد تشعر بالذنب لأشياء حدثت وكانت مجرد صدفة لا أكثر، يروي أحدهم أنه كان يمزح مع صديقه ذات يوم وقال له: “ليتك تموت في حادث مريع!”، وتمر الأيام ويموت هذا الصديق في حادث تحطم طائرة.

يقول هذا الشاب: “لقد عشتُ سنواتٍ لم أستطع التخلص من الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير؛ ظنًا مني أنني المتسبب بموته”.

وقد يصل الشعور بالذنب بصاحبه إلى نوع من الاضطرابات النفسية يعرف بـ”ذنب الناجين“، والذي يحدث عندما يمر أحدهم بحادث مروع، أو عندما يسافر شخص للبحث عن فرص أفضل بعدما عانت بلاده من ويلات الحروب.

فتتسلل الأفكار إلى رأسه شيئًا فشيئًا، فتراه يسأل نفسه عن سبب بقائه على قيد الحياة بينما لقى الجميع حتفه، لماذا يسعد بالحياة بينما يعاني الكثيرون؟

ويعيش وشبح اضطراب الشعور بالذنب يلزمه طوال الوقت، حتى يظن بأنه لا يستحق الحياة.

كيف يؤثر الشعور بالذنب على صحتك؟

كما ذكرنا سلفًا فإن الشعور بالذنب يزيد من توارد الأفكار السلبية داخل عقلك، والتي وُجِد أنها تسبب زيادة في مستوى الكورتيزول وهرمونات التوتر والأدرينالين، هذه الهرمونات ضرورية لتحفيز جسمك للاستجابة عند مواجهة تهديد محتمل، أو عند التعرض لضغط نفسي شديد.

ولكن تظهر المشكلة عند استمرار إفراز هذه الهرمونات لفترات طويلة؛ فإنها تسبب ارتفاع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، وتزيد فرص إصابتك بقرحة المعدة، وكذلك مرض السكري.

ليس هذا فحسب. بل وُجِد أن استغراقك في مشاعر الذنب يؤثر سلبًا على صحتك النفسية؛ فتبدأ بتكوين تصور سلبي عن نفسك، وقد يقل احترامك لذاتك، فتزيد معه فرص الإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب الذي يمكن أن يؤدي إلى محاولة إيذاء النفس.

كيفية التخلص من الشعور بالذنب؟

الآن وبعد أن أدركتَ أن الأمر ليس مجرد شعور فحسب، بل يجب التخلص من هذه المشاعر بشكل يضمن سلامتك النفسية والجسدية، فإليك النصائح التالية:

ابحث عن الدليل

إذا كنتَ تشعر بالذنب نتيجة التقصير في حق أحدهم؛ فعلى سبيل المثال: إذا كنتِ أُمًّا وتشعرين بأن ما تفعلينه ليس كافيًا لأطفالك أو زوجك، فربما تبالغين بهذا الشعور.

يمكنكِ إعداد قائمة تكتبين فيها جميع الأشياء التي تفعلينها من أجلهم بانتظام، ثم احتفظي بهذه الورقة أمام ناظريكِ باستمرار.

وكلما راودكِ وسواس الشعور بالذنب، اقرئيها فحسب.

كيفية التخلص من الشعور بالذنب

فكر بطريقة عكسية

هل تعتقد أن زوجتك أو صديقك مقصرين في حقك؟

اسأل نفسك هذا السؤال وكن موضوعيًا فيما ستجد؛ ففي غالب الأمر نجد من السهل أن نتفهم الآخرين ونلتمس لهم الأعذار، ولكن على الجانب الآخر نجد أننا نقسو على أنفسنا في كثير من الأحيان.

كن مباشرًا

لا داعي لأن تظل تعاني مع نفسك، يمكنك ببساطة توجيه سؤال للأشخاص الذين تعتقد بتقصيرك تجاههم، وما إذا كانوا يشعرون فعلًا بالإهمال.

ولكن ضع في اعتبارك ما إذا كان لديهم ميل لتوقع الكثير وعدم تحمل للمسئولية، وإذا استنتجتَ أنك لا تفعل ما يكفي حقًا، فابحث عن بعض الحلول، أو قدم بعض التنازلات التي توازن بين احتياجات الجميع.

اقرأ المزيد عن: الشخصية الاعتمادية.

اعتذر إذا لزم الأمر

الاعتذار كوسيلة للتخلص من الشعور بالذنب

إذا أسأتَ التصرف تجاه شخص ما، وتعلم بداخلك أنه ما كان ينبغي لك أن تتصرف بهذه الطريقة، ربما تجد أحيانًا صعوبة في الاعتذار منه، ويرجع ذلك إلى شعورك بالخجل مما فعلت.

ولكن لا تستسلم لمشاعر الإحساس بالذنب تلك، فإذا كنتَ تعتقد أنه يمكن حل المشكلة بالاعتذار، فاعتذر بكل الوسائل.

حتى وإن لم يتقبل الشخص الذي أخطأتَ بحقه الأمر، لكنه سيرى أنك تحاول بذل جهد لإصلاح خطئك. 

لا يمكنك تغيير الماضي

عندما يتم القبض على مجرم ثم يُزَج به داخل السجن، قد تجده يندم على أفعاله، إذًا فهو يشعر بالذنب. ولكن لا يمكن تغيير الحقيقة، ولن يستطيع الندم أن يشتري حريته.

وربما يقرر صديقك الذي أخطأتَ في حقه أنه لن يحافظ على تلك الصداقة بالرغم من اعتذارك، عليك أن تتصالح مع حقيقة أن الصداقة قد انتهت بالفعل، ولكن عليك أن تسامح نفسك أولًا، وفكر في الدروس التي تعلمتها.

الأخطاء فرص للتعلم

بما أن الماضي لا يمكن تغييره، فدَعْ الماضي وتعلم من أخطائك حتى تكون أفضل في المستقبل.

فإذا نظرنا إلى المثال السابق، ليس بيديك أن تستعيد علاقتك بصديقك، فالدرس الذي يجب تعلمه أن ذاك التصرف يمكن أن يكلفك خسارة صديق جيد، ومن الراجح أنك لن تكرر هذا الخطأ في المرات القادمة بسبب العواقب.

وهكذا في كل موقف حاول أن تركز على الدروس التي يمكن أن تتعلمها، واجعل أخطاءك فرصًا للتعلم.

افعلها الآن

هل تشعر بصدق أنك لم تفعل ما يكفي لأحد أفراد أسرتك؟ إذًا فعليك أن تلتزم التزامًا حقيقيًا بمسؤولياتك تجاههم.

هل يؤرقكِ الشعور بالذنب بسبب الفوضى التي تعم أرجاء المنزل؟ يمكنكِ الآن البدء بتنظيف غرفة واحدة.

هل تشعر بالذنب بسبب إنفاقك أموالًا طائلة على أشياء لا تستدعي، كُف عن هذه العادة.

إذا شعرت بتأنيب الضمير من أي شيء تفعله، إذًا ببساطة توقف عن فعله.    

اسأل نفسك من المسئول حقًا

لماذا لدى الناجين إحساس مبالغ فيه بالمسئولية الشخصية؟

هل أنت المسئول عن تحطم الحافلة التي نجوتَ منها ولم يستطع الآخرون النجاة؟

هل ذاك الشخص هو المسئول عن انتحار صديقه؟ 

أم أن ذاك الطالب الذي خرج للبحث عن فرصة أفضل في بلد آخر هو المسئول عن معاناة بلاده؟

بالطبع لا.

كل واحد منا يبالغ في تقدير ما كنا نعرفه بالفعل قبل وقوع كارثة ما، وهذا التحريف يؤدي إلى إحساس زائف بتحمل المسئولية.

لا تقسُ على نفسك، فكر في كل الأشخاص الذين يحبونك والذين يشعرون بسعادة غامرة كونك بخير، لقد قدر الله لك النجاة فكن ممتنًا لذلك.

ابحث عما وراء الشعور

ربما يُخفي الشعور بالذنب مشاعر أخرى كالخوف أو الاستياء أو الغضب وغيرهم.

قد تربطك علاقة زواج بشخصية نرجسية، فربما تقنعك بأنك شخص أناني بوضعك حدودًا لهذه العلاقة، فتبدأ بالشعور بالذنب.

ربما يُخفي هذا الشعور وراءه خوفًا، ربما تهدأ بالبكاء، أو تحتاج أن تكون بمفردك لبعض الوقت، أو حتى تريحك كتابة ما تشعر به بدفترك الخاص.

لستُ أدرى منك بذاتك وما تحتاج لها. ولكن محاولة فهم ما وراء الشعور، بالتأكيد ستجعلك ترى الصورة بشكل أوضح.

اطلب المساعدة

إذا سعيتَ بكل السبل، وما زال صوت الشعور بالذنب لا يَكُف عن التواجد داخل رأسك، فلا تستسلم أبًدا له ولا تُمكِّنه منك. ولكن اطلب المساعدة من شخص مقرب ذي حكمة، أو يمكنك الاستعانة بطبيب مختص

وختامًا، حاول النظر إلى الشعور بالذنب بطريقة إيجابية؛ فيمكن تحويل هذا الشعور إلى امتنان، وبسببه قد تكون صادقًا مع نفسك، أو يجعلك تتصرف بشكل أفضل.

وتذكر أنك لست مثاليًا ولا يوجد أحد مثالي؛ نحن بشر وجميعنا يخطئ، المهم أن نجعل أخطائنا دائمًا فرصًا جديدة للتعلم.

المصدر
How to Stop Feeling Guilty: 15 Proved Techniques8 Empowering Ways to Stop Feeling Guilty 10 Things You Didn't Know About Guilt
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق