ترياق الأمراض النفسية

الشلل الهستيري | لا تستهن بالصدمات!

“عَروسٌ تُزَف إلى المستشفى بدلًا مِن عُش الزوجية!”

تَصدَّر خبرُ «إصابة عروس الصعيد بشللٍ رباعي» صفحات الجرائد والمجلات!

أيقظوها صباحًا ليجدوا أنها بلا حراك!

تبدلت فرحة الأهل فزعًا وحزنًا، وبعد أن كان الزفاف إلى بيت الزوجية؛ زُفّت العروس إلى قسم الطوارئ!

ولعلك تتساءل الآن يا عزيزي القارئ -كما تساءلنا جميعًا:
كيف حدث ذلك؟!

وعلى الرغم من إنكار الأطباء وجود أي سبب عضوي لهذا الشلل (كالتعرض لجلطة)،
فإنه بالحديث والمتابعة مع المريضة؛ تبين أنها كانت تعاني ضغطًا نفسيًّا شديدًا طوال فترة خطوبتها،
بعد أن أجبرها والداها على الزواج من رجل لا تريده!

تفاقم الضغط والغضب بداخلها دون أن يستمع إليها أحدهم…
حتى أعلن جسدها الرفض،
وأصيبت بشلل في اليدين والقدمين!

إلى كل بيتٍ عجز عن احتواء أبنائه ودفع بهم إلى جحيم العجز والمرض…

وإلى كل من جعل سياسته القهر والكبت للآخرين…

أهدي هذا المقال؛ لعلك تعلم أن الضغوطات الصغيرة تكبر وتنفجر…
وأن القهر النفسي قد يوَلد الشلل والعمى!

نتحدث معًا حول “الشلل الهستيري”: كيف يحدث ومتى، وأهم أعراضه وطرق علاجه.

تعريف الشلل الهستيري

الشلل الهستيري -أو “الهستيرية التحولية”- هو مرض نفسي عصبي، يفقد فيه المُصاب القدرة على الحركة أو الرؤية أو الكلام نتيجة التعرض لصدمة نفسية شديدة.

وبينما يحدث الشلل العضوي نتيجة قطع بالأعصاب المسؤولة عن حركة اليد أو القدم، يحدث الشلل الهستيري نتيجة التعرض لضغط نفسي شديد، والذي يتحول -بشكل لا واعٍ- إلى الجهاز العصبي المركزي، ويؤثر بدوره في الحركة والحواس.

وسُمِّي بـ(الهستيرية التحولية) أو (رد فعل التحويل)، نظرًا لأنه يعتمد على حيلة دفاعية نفسية أساسية وهي التحويل، حيث يقوم الشخص بتحويل الغضب أو الصدمة التي تعرض لها إلى شخص آخر -أو اتجاه آخر- للتخلص من الألم أو الطاقة السلبية بداخله.

أعراض الشلل الهستيري 

يبدأ اضطراب الهستيرية التحولية بوقوع صدمة أو ضغط شديد أو ضيق نفسي، وبعدها مباشرة تبدأ الأعراض الجسدية بالظهور، والتي تشمل:

أعراضًا حركية (عجزًا حركيًا)

تتمثل في:

  • ضعف أو فقدان التوازن.
  • شلل جزئي أو كلي بأحد الأطراف أو بالجسم كاملًا.
  • ضعف أو فقدان الكلام.
  • صعوبة البلع (عسر البلع).
  • احتباس البول.
  • نوبات أو تشنجات غير صرعية.
  • التوتر العضلي المستمر.
  • الرعشة، أو الرمع العضلي، أو اضطرابات بالحركة.
  • تعذُّر الوقوف والمشي.
  • فقدان الوعي (الإغماء).

أعراضًا حسية (عجزًا حسيًّا)

تتمثل في:

  • ضعف البصر (العمى الهستيري)، أو ازدواج الرؤية.
  • ضعف السمع (الصمم).
  • فقدان اللمس أو الإحساس بالألم.
  • الخدر أو التنميل.

وتُعَدُّ كل هذه الأعراض أعراضًا نفسية المنشأ؛ لا تعود إلى سبب عضوي، إذ يمكن أن تزول بزوال الضغط أو الصدمة أو بالعلاج النفسي.

تشخيص المرض

يصعب تشخيص مرض الشلل الهستيري بدقة بسبب تباين الأعراض وتشابهها مع العديد من الأمراض العضوية الأخرى، إلا أن هناك بعض المعايير التي يستند إليها الأطباء لتحديد وتشخيص المرض. 

إليك المعايير التشخيصية للأعراض العصبية النفسية، كما هو موضح في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، وهي:

  • أن يعاني المريض عرضًا واحدًا على الأقل لتغيير الوظيفة الحسية أو الحركية الإرادية.
  • تقديم النتائج السريرية دليلًا على عدم التوافق بين الأعراض والحالات الطبية المعروفة.
  • أن لا يتم تفسير الأعراض أو العجز الذي تعرَّض له المريض بشكل أفضل من خلال اضطراب طبي أو عقلي آخر.
  • إضافة إلى كون المريض قد تعرَّض إلى صدمة أو ضائقة شديدة قبل ظهور الأعراض.

ويجب استبعاد بعض الأمراض العصبية مِن قِبل طبيب الأعصاب المختص، إذ تتشابه أعراض الشلل الهستيري مع أعراض بعض الاضطرابات العصبية الأخرى، مثل: السكتة الدماغية، والشلل المتعدد، والصرع، والتصلب المتعدد.

علاج الشلل الهستيري 

يوجَد العديد من العلاجات المختلفة المتاحة لعلاج متلازمة التحويل وأعراضها، والتي تشمل: التنويم المغناطيسي، والعلاج النفسي، والعلاج الطبيعي، والتدريب على إدارة الإجهاد، والتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة.

كذلك الإرشاد النفسي للوالدين والمرافقين للشخص المصاب، والعلاج الاجتماعي البيئي للظروف التي يعانيها المريض.

وقد تشمل خطة العلاج نوعًا أو أكثر من العلاجات السابقة، وتُحدَّد مدة العلاج تبعًا لحدة الأعراض ومدى استجابة المريض.

وجدير بالذكر أن علاج الشلل الهستيري -على عكس الشلل العضوي- يُعَدُّ أمرًا ممكنًا بنسبة كبيرة، إذا شُخِّصَت الحالة بشكل صحيح بواسطة الطبيب المختص، وتلقَّى المريض العلاج النفسي المناسب للتغلب على الصدمة التي تعرض لها.

الشخصية الهستيرية

يُسمَّى الشخص الذي لديه قابلية عالية للإصابة بالهستيريا عمومًا -أو بالشلل الهستيري بشكل خاص- بـ”الشخصية الهستيرية”.

يشبه سلوك الشخص الهستيري سلوك الأطفال، إذ تغلب عليه صفات وأفعال الأطفال، حتى أنه يُلقَّب أحيانًا بسلوك الطفل الكبير!

إليك أبرز سمات الشخصية الهستيرية:

  • تقلُّب المزاج، وعدم النضج، وفقدان القدرة على التحكم في الانفعالات.
  • العاطفة الزائدة، وحب المجاملة.
  • السذاجة، وسطحية المشاعر، وعدم النضج النفسي الجنسي.
  • الأنانية، وحب لفت الأنظار، والاستعراض.
  • الاعتماد على الآخرين، والشعور بالنقص.
  • حب الاختلاط، وعدم الاستقرار.
  • المبالغة والاستغراق في الخيال.
  • استخدام الكبت والتحويل كسلوك دفاعي أساسي.

العوامل التي تزيد من نسب الإصابة بالشلل الهستيري

بالطبع لا يوجَد سبب قطعي يسوق إلى الإصابة بالشلل الهستيري، وقد يتعرض بعض الأشخاص إلى صدمات أكبر بكثير من التي تعرَّض لها المصابون، ولكنهم لم يجدوا مثل هذه الأعراض.

فيما يلي، نستعرض بعض العوامل التي قد تكون سببًا أو محفزًا للإصابة بالشلل الهستيري لدى بعض الأشخاص:

  • عوامل بيئية: كالتعرض إلى صدمة نفسية أو عاطفية شديدة.
  • عواملٌ وراثية: تلعب الوراثة دورًا نسبيًا في الإصابة بمثل هذا الاضطراب، على سبيل المثال: إذا تعرَّض أحد الأبوين إلى أعراض نفسية مشابهة، أو وُجِد تاريخ مرضي بالاكتئاب أو الوسواس القهري بالعائلة.
  • عوامل صحية: مثل الإصابة الحالية -أو السابقة- بأحد الاضطرابات النفسية المزمنة، وكذلك عادة ما يُصاب الأشخاص ذوو البنية الجسدية النحيفة الواهنة.
  • العمر: يصيب الشلل الهستيري في الغالب الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 35 سنة، إذ نادرًا ما يصيب الأطفال أو كبار السن.
  • الجنس: تبلغ نسبة الإصابة بهذا الاضطراب لدى الإناث أعلى بكثير من نسبتها لدى الرجال، كما هو الحال في العديد من الاضطرابات النفسية.

مضاعفات المرض

قد تنتكس حالة المريض وتزداد سوءًا إذا بقيت دون علاج نفسي أو علاج طبيعي، وقد تستمر الأعراض لسنوات أو عقود كذلك، لا سيَّما أن أغلب المرضى يلجأون إلى طبيب الأعصاب بدلًا من الطبيب النفسي!

لذلك، من المهم المبادرة بوضع خطة علاجية فعالة مع الاختصاصي النفسي والالتزام بها، حتى لا تطول مدة الإصابة بهذه الأعراض الشديدة والوصول إلى الشفاء. 

وأخيرًا، قد يكون عزو الأعراض الجسدية إلى سبب نفسي أمرًا غير مقبول مِن قِبَل العديد من المثقفين في الثقافات العربية والغربية، إلا أنها حالات شائعة الحدوث بالفعل.

كما يحدث العكس أحيانًا وتظهر أعراض نفسية (مثل: الاكتئاب) نتيجة أسباب أو اضطرابات عضوية (مثل السرطان والأمراض المزمنة).

المصدر
Hysterical paralysis: a report of three cases and a review of the literatureHysterical paralysisConversion disorder
اظهر المزيد

د. رحاب علي

صيدلانية، شغوفة بالعلوم والتفاعلات والعمليات المعقدة التي تجري كل صباح داخل النفس البشرية. نَصفُ أنفسنا ونَجلدُ الآخرين وننصب محاكم التصنيف والتمييز، ولا ندري أننا نتائج، وأن الفاعل الحقيقي مجموعة من الأحماض والبروتينات! "نفسي أجوجل باللغة العربية والاقي نتايج تُحترم!"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق