ترياق الأمراض النفسيةترياق الطفل
أخر الأخبار

الصحة النفسية للأطفال ضرورة أم رفاهية؟

عندما تصير أباً، فغالباً ما ستكون منتبهاً لصحة طفلك الجسدية، ولا تتحمل أي ألم قد يصيبه، فتسرع لزيارة الطبيب إذا ارتفعت درجة حرارته أو أصابه مغص ببطنه. لكن هل تُعطي نفس درجة الاهتمام لصحته النفسية؟ حسناً لتعرف أهمية صحة الطفل النفسية وكيفية الاهتمام بها، تابع معنا قراءة هذا المقال. 

أهمية الصحة النفسية للأطفال

يَسهلُ على الآباءِ معرفةُ وتلبيةُ احتياجاتِ أطفالِهم الجسديَّة، فالطعامُ المُشبِع، والثيابُ الجيِّدةُ النظيفَة، والنومُ الهانئ، ليسوا باحتياجاتٍ صعبةِ التحقيقِ للكثيرِ مِن الناس. 

لكن الاحتياجات النفسية للطفل تكون أكثر صعوبة وأقل وضوحاً لدى الكثير من الأهالي. خاصة في مجتمعنا اليوم ومع الظروف الاقتصادية التي تجبر الأب على العمل لساعات متأخرة من اليوم، فينتهي به الحال لرؤية أطفاله في أيام الإجازات، وقد يكون محظوظاً برؤيتهم قبل ذهابهم للنوم إذا استطاع الوصول للمنزل قبل نومهم بلحظات. 

أضف إلى ذلك أن الأم تكون عاملة أيضا في حالات كثيرة، فيقل تواجدها مع أطفالها، وتوكل مهام رعاية أطفالها لمن يستطيع مساعدتها تبعاً لظروفهم.
حسناً، بعد قراءة الكلمات السابقة، هل تستطيع أن تجزم بإمكانية حصول الطفل على احتياجاته العاطفية من أبويه؟ 

أنا لا أهدف لزيادة همّك يا صديقي، فكلنا في الهّم سواء، فأنا لدي طفلة صغيرة أيضاً وأحمل هم تلبية احتياجاتها طوال الوقت. لذا دعنا نتحدث قليلاً بشكل علمي حول تأثير الصحة النفسية للأطفال في نموهم ومستقبلهم. 

إذ تؤثر صحة الطفل النفسية في طريقة تفكيره، وتصرفاته، ومشاعره، فتمتع الطفل بصحة نفسية جيدة يمكِّنه من: 

  • التفكير بشكل سليم ومنطقي.
  • القدرة على بناء علاقات اجتماعية جيدة.
  • تعلُّم مهارات جديدة بشكل طبيعي.
  • بناء ثقته بنفسه وتقديره لذاته.
  • كما يقلل من تعرضه لاضطرابات قد تؤثر في صحته ومستقبله. 

فالطفل الذي يتعرض للإيذاء الجسدي من قِبل والده كالعقاب المتكرر بالضرب على أي خطأ، أو الإهانة والسخرية من وزنه الزائد، سيصبح بالتأكيد أكثر عنفاً تجاه إخوته، وزملائه بالمدرسة، فيعاقبه معلموه على سوء سلوكه، ويتأثر مستواه الدراسي ويكره تواجده بالمدرسة، مما يؤثر في مستقبله الدراسي ودخوله الجامعة، فيؤثر في مستقبله المهني ومستوى معيشته فيما بعد. 

نعم، أتفق معك أن هذا ليس السيناريو الوحيد، لكنه واقعي وممكن. لذا فهي دائرة متصلة من الاهتمام والرعاية في الصغر، تُعطيك شخصاً سوياً نافعاً للمجتمع في الكبر. ومن هنا يمكننا القول أن هناك عدة عوامل تؤثر في الصحة النفسية للأطفال يمكنك الاهتمام بها في طفولتهم. 

العوامل المؤثرة في الصحة النفسية للأطفال  

ستجد أن متطلبات الأطفال بسيطة ويسهل تحقيقها، ولكن على قدر بساطتها قد لا ننتبه لها أحياناً، لذا تأكد من: 

  • تمتعهم بصحة جسدية جيدة، فالأمراض الجسدية المتكررة تؤثر في نموهم النفسي.
  • تناولهم طعاماً صحياً ومفيداً، وحصولهم على المواد الغذائية التي يحتاجون إليها تبعاً لعمرهم.
  • اللعب، أعطهم الفرصة والحرية للعب، فهم ليسوا موظفين بشركة، واللعب جزء أساسي من نموهم النفسي والجسدي والعقلي السليم.
  • تواجدهم في مدرسة تهتم بصحة الأطفال ومستوى دراستهم واحتياجاتهم.
  • تمتعهم بجو أُسرِي هادئ وصحي، فلا يجب أن يتأثر الأبناء بالخلافات الأسرية، أو أن تكون جزءاً من يومهم.
  • تمتعهم بحب غير مشروط، وشعورهم بثقتك فيهم، وبفهمك لهم ولمشاعرهم، وإمكانية تعبيرهم عنها بحرية.
  • قبولهم لأنفسهم وما هم عليه، فالنقد الدائم لهيئة الطفل أو قدراته يفقده ثقته بنفسه، ولا يعطيه الفرصة لرؤية مساحات تميزه.
  • شعورهم بالأمان. 

وأغلب الأطفال ينشؤون بصحة نفسية جيدة، لكن هناك عدة عوامل تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للاضطرابات والأمراض النفسية. 

عوامل تزيد من احتمالية تعرض الأطفال للأمراض النفسية

من الجدير بالذكر أن تعرض الأطفال لهذه الأمور لا يعني بالضرورة معاناتهم من أحد الأمراض النفسية، ولكنها تزيد من احتمالية تأثر الصحة النفسية للأطفال، منها: 

  • معاناتهم من مرض جسدي مستمر فترة طويلة، أو مرض مزمن.
  • مرور أحد الأبوين بأحد الاضطرابات النفسية.
  • انفصال الأبوين أو وجود خلافات مستمرة بينهما.
  • تعرضهم للاعتداء الجسدي، أو الجنسي، أو التنمر.
  • موت أحد أحبائهم.
  • الفقر، أو عدم وجود مأوى لهم، فالأطفال المشردون يفتقدون مقومات الصحة على الأغلب.
  • مرورهم بصعوبات التعلم.

كيفية الاهتمام بالصحة النفسية للأطفال

هناك عدة أمور يمكنك الاهتمام بها لتمتع طفلك بصحة نفسية جيدة، فبعض هذه النصائح يأتي بثمار جيدة في الصحة النفسية للأطفال، لذا حاول اتباعها: 

ساعدهم على بناء علاقات قوية وصحية

  • اهتم بقضاء بعض الوقت معهم، كوقت تناول الطعام، وتحدثوا سوياً كثيراً.
  • كن مصدر ثقة لأطفالك حتى يتسنى لهم الرجوع إليك وقتما يحتاجون لأخذ رأيك في أمورهم.
  • علّم أطفالك كيف يواجهون الصعاب، وكيف يحلون المشكلات.

ساعدهم على زيادة الثقة بأنفسهم

  • شجعهم وقدّر مجهودهم عندما يقومون بأمر جيد.
  • تابع أنشطتهم واهتماماتهم وشجعهم على الحديث عنها معك والتعبير عن أنفسهم.
  • ساعدهم على وضع أهداف منطقية يمكنهم تحقيقها.
  • أظهر لهم حباً وقبولاً مستمرَين.
التقبل أمر ضروري للحفاظ على الصحة النفسية للأطفال

اسمعهم واحترم مشاعرهم

  • أعطهم الفرصة للتعبير عما يشعرون به.
  • اجعل من محادثاتكم فرصة ليتمكنوا من وصف مشاعرهم، كأن تسألهم أسئلة مفتوحة لا تقتصر إجاباتها على نعم أو لا، اسألهم “ماذا شعرت عندما مررت بهذا الموقف؟ ماذا أردتَ أن تفعل؟ كيف ترى هذا الأمر؟” 
  • لا تُجبر أطفالك على التحدث إليك إذا لم يشعروا بالرغبة في ذلك، وأخبرهم أنهم بإمكانهم اختيار شخص آخر للتحدث إليه. 
  • لا تقلل من قدر مشاعر أطفالك، أو تخبرهم أن الأمر لا يستحق كل هذا الحزن، أو الغضب. أخبرهم أن من حقهم المرور بأي مشاعر، وأخبرهم كيف يمكنهم التعامل مع هذه المشاعر بشكل صحي. وهو أمر مؤثر جداً في الصحة النفسية للأطفال.

وهنا أود أن أذكرك بأمر تَربّى عليه كثير منا وهو أن الرجل لا يبكي، أخبر طفلك أنه يمكنه البكاء، والتعبير عن مشاعره كما يريد، ولا تحجر عليه حقه فيها، فهذا سيدفعه لإنكار مشاعره أو عدم مواجهتها عندما يكبر.

اخلق بيئة صحية وهادئة لطفلك في المنزل

  • انتبِه لحديثِكَ أمامَ أطفالِكَ -حسبَ سنِّهم- عن المشكلات الماليَّةِ أو الأُسَرية، فهو يؤثرُ في شعورِهم بالأمان.
  • قلل من وقت استخدام الأجهزة اللوحية، وانتبه لما يشاهده أطفالك. فالصحة النفسية للأطفال تتأثر كثيراً بمشاهد العنف، أو المشاهد غير الملائمة في التليفزيون والإنترنت. 
  • أعطهم المساحة للعب والحركة في المنزل، وقلل من المحرمات وأماكن فرض محدودية الحركة.
  • اهتم بصحتك النفسية والجسدية؛ فأنت قدوة لأطفالك وهم يتأثرون بك أكثر مما تتخيل.

كيفَ يُمكِنُكَ مَعرِفةُ تأثُّرِ صحةِ أطفالِكَ النَّفسِية؟

بالطِّبعِ يختلِفُ كلُّ طفلٍ عن الآخر، ولكن إذا شعرتَ بتغييرٍ في نَمَطِ حياةِ أطفالِك، سواء كان في طريقةِ تفكيرِهم، أو شعورِهم، أو تصرفاتِهم، كما يُمكِنُ أنْ يؤدِّيَ تأثُّرُ الصحةِ النفسيةِ للأطفالِ إلى تغيُّراتٍ جَسديَّةٍ أيضًا. ومِن هذه التغيُّرات:

تغير في تفكيره 

  • كأن يفكر في أفكار سلبية كثيرة، أو يلوم نفسه على أمور خارج إرادته.
  • تأثر مستوى تركيزه، وتشتته أغلب الوقت.

تغير في مشاعره

  • ألا تتناسب مشاعره مع قدر الموقف.
  • أن يشعر بالقلق الزائد، أو الحزن غير المبرر، أو الذنب، أو الغضب المستمر.
  • أن يشعر بفقدان الأمل، أو انعدام أهميته، أو الرفض، أو الوحدة. 

تغير في تصرفاته

  • كأن يصبح أكثر عدوانية.
  • يفضل البقاء وحده طوال الوقت.
  • يمر بنوبات غضب مفاجئة غير مبررة.
  • ينسحب من رياضته وهواياته المفضلة.
  • يصبح أكثر هدوءاً وأقل نشاطاً عن طبيعته.

تغيُّراتٌ جَسديَّة

  • كأنْ يشعرُ بالإرهاقِ أغلبَ الوقت.
  • أو يُعاني اضطراباتٍ في النَّوم.
  • أو يكتسِبُ عاداتٍ جديدةً كقضمِ أظفارِه، أو مصِّ إصبعِه وغيرِها.

وهذه التغيراتُ لا تَعني بالضرورةِ مرورَ طفلِكَ باضطرابٍ نَفسي، ولكنَّها إشاراتٌ تحتاجُ مِنك إلى الانتباهِ ومُتابَعةِ طفلِكَ بشكلٍ أكبر، فالصحةُ النفسيةُ للأطفالِ تحتاجُ إلى الاهتمامِ مِن أبوَيهم ومُقدِّمي الرعايةِ لهم، ومحاولةِ الابتعادِ عمَّا يؤثِّرُ فيها، وخَلْقِ بيئةٍ صحيةٍ لهم، فهذا واجِبُنا تجاههم، وهُم كلُّ ما نملِك.

المصدر
What every child needs for good mental healthMental illness in childrenChild and adolescent mental healthChildren and mental healthYour child's mental healthMental health in children and young people
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق