ترياق الأسرة

الصحة النفسية وأساليب التربية

يعد الإنسانُ اللبنة الأساسية للمجتمع وجوهر بنائه. ولا شك أن الإنسان السوي هو مصدر الفكر والتقدُّم والعطاء.

ولكي يؤدي الفرد واجباته ومهامِّه على أكمل وجه؛ لا بُدَّ أن يكون متمتِّعًا بصحة نفسية مستقرة تخلو من الاضطرابات والمشكلات.

فالفرد المصاب باضطراب أو خلل نفسي يؤثر بالسلب في ذاته وفي الآخرين من حوله.

من هنا بدأ الاهتمام بالصحة النفسيّة التي تصل بالفرد إلى الانسجام النفسي والاجتماعي، ومدى ارتباط ذلك بأساليب التربية المختلفة.

ما هي الصحة النفسية؟

ليس من السهل تعريف الصحة النفسية؛ إذ إن مدلولات النفس ومكنوناتها ليست بالأشياء المادية الملموسة، إنما يُستدلُّ عليها من خلال سلوك الفرد واستجاباته.

فهي حالة الفرد السائدة التي يكون فيها مستقرًّا نفسيًّا واجتماعيًّا، بالإضافة إلى شعور السعادة بالذات وبالآخرين، وبالتالي القدرة على تحقيق الذات وتقديرها، واستغلال المهارات والكفاءات الذاتية بأقصى حد ممكن. 

أهمية الصحة النفسية السليمة

أهمية الصحة النفسية السليمة

يمكن تلخيص أهمية الصحة النفسية في النقاط الرئيسة التالية:

  • الاستقرار الذاتي للفرد:

فتكون حياته خالية من التوتر والمخاوف، متسمة بالشعور الدائم نسبيًّا بالهدوء والسكينة والأمان الذاتي.

  • تفتح آفاق النفس والقدرة على فهم الذات:

فهي تجعل الفرد أكثر قدرة على ضبط العواطف والانفعالات والرغبات، وتوجيه السلوك بشكل سليم بعيدًا عن الاستجابات غير السوية.

  • تنشئة أفراد مستقرين وأسوياء:

فكلما تمتع الآباء بصحة نفسية سليمة ومستقرة؛ زادت إمكانية تنشئتهم لأطفال أسوياء نفسيًّا. 

والأسرة المستقرة نفسيًّا تتمتع بالتماسك والقوة الداخلية والخارجية.

  • تحقيق مبدأ التنمية الاجتماعية:

حيث إنّ الفرد المتمتِّع بالصحة النفسيّة قادر على تحمل المسؤولية واستعمال طاقاته وقدراته وكفاءاته إلى الحد الأقصى. 

فالشخصية الصحيحة نفسيًّا تجعل صاحبها أكثر فاعلية وإنتاجية.

اقرأ أيضا: الصحة النفسية للأطفال ضرورة أم رفاهية؟

طرق تعزيز الصحة النفسية

هناك الكثير من الطرق والأساليب لتعزيز الصحة النفسية في حياة الفرد، وهي على سبيل الذكر لا الحصر:

  • الاهتمام بتلبية الحاجات البيولوجية الأساسية من طعام وشراب ونوم وراحة.
  • المساعدة في تكوين الصورة الإيجابية والاتجاه السليم نحو الذات، عن طريق الإيحاءات الإيجابية في جميع المواقف. فلا تلومن نفسك على التصرف الخطأ ولكن تعلم كيفية التصرف الصحيح.
  • الاسترخاء قدر الإمكان في جميع المواقف الحياتية، والابتعاد عن مصادر القلق النفسي والتوتر والخوف.
  • الاهتمام بالمظهر العام، والمحافظة على النظافة الشخصية والمظهر الأنيق المرتب.
  • تحديد هدف واضح للحياة والسعي المستمر والدؤوب لتحقيقه.
  • التنشئة الأسرية السليمة الخالية من العنف ضد الأطفال والمراهقين؛ إذ يوجد ارتباط وثيق بين الصحة النفسية وأساليب التربية. 

الصحة النفسية وأساليب التربية

تبدو تربية الأطفال في ظاهرها سهلةً يسيرةً، إلّا أنّه في هذا العصر التكنولوجي لا بُدَّ أن يكتسب المُربِّي وسائل جديدةً تمتاز بالانفتاح ومواكبة كلِّ جديد، مع المحافظة على مضمون الرسالة التربوية ومُحتواها.

تتعدَّدُ الأساليب التي يطرحها أصحاب الاختصاص، ويبقى القرارُ للآباء في اختيار المناسب منها تِبعًا لشخصيات أبنائهم وسلوكاتهم.

وتُعد أساليب التربية من الأهمية بمكان في جميع المراحل للفرد. 

ولكن هناك أهمية خاصة في مرحلة الطفولة؛ لذا سنلقي الضوء على العلاقة بين الصحة النفسية وأساليب التربية. 

العوامل المؤثرة في الصحة النفسية للطفل

تُعرف تربية الطفل بأنها عملية تنشئة الطفل منذ لحظة ولادته إلى سن البلوغ. وتعتمد على عدّة عوامل، منها:

  • كيفية نشأة الوالدين في طفولتهم.
  • التأثيرات الثقافية والاجتماعية المحيطة بالأسرة.
  • استعداد الوالدَين لتقبل طفلهما ونشر روح الألفة والمحبة في جميع الأوقات.
  • ارتباط الصحة النفسية وأساليب التربية التي يطبقها الوالدان.
  • إدراك الطرق الصحيحة لدعم الطفل وإسعاده والمساعدة على نموِّه وتطوُّره.
  • طريقة الأهل في اتِّخاذ القرارات المتعلقة بتربية الطفل. 

أساليب التربية وعلاقتها بالصحة النفسية

هناك ارتباط وثيق بين الصحة النفسية وأساليب التربية. وإليك أربعة أنواع من أنماط تربية الأطفال:

1. التربية التسلُّطية Authoritarian Parenting

وهنا يكون الآباء متسلطين وصارمين، يستخدمون أسلوب التأديب الصارم ويركِّزون على استخدام العقوبات بشكل كبير، مع التقليل من التفاوض والحوار.

ويعتمدون أسلوب التواصل ذا المسار الواحد مع أطفالهم، إذ تُقدَّم القواعدُ عادةً للطفل دون شرح أهمية اتِّباعها.

الآباء في هذا النمط أقلُّ رعايةً لأطفالهم، ويتوقعون من أبنائهم الكثير، مع قليل من المرونة في التعامل معهم.

2. التربية المتساهِلة Permissive Parenting

يسمح الآباء المتساهلون لأطفالهم بفعل ما يريدون مع القليل من التوجيه والإرشاد، ويمكن وصفهم بأنَّهم أصدقاء لأطفالهم أكثر من كونهم آباء لهم.

فهم يبتعدون عن الأسلوب الصارم في التعامل مع أطفالهم، ويتيحون لأطفالهم فرصًا للتعرُّف إلى مشاكلهم الخاصَّة بأنفسهم.

وأيضًا يتيحون لأطفالهم الفرصة لأن يقرِّروا ويختاروا ما يفضِّلونه بأنفسهم بدلًا من تقديم التوجيهات لهم.

الآباء ضمن هذا النمط أكثر رعايةً لأطفالهم واهتمامًا بهم، ويتوقعون من أطفالهم القليل أو القليل جدًّا.

3. التربية المهملة Uninvolved Parenting

يمنح الآباء في هذا النمط أطفالهم الحرية الكاملة؛ لذلك فهم غالبًا لا يتدخَّلون في قرارات أطفالهم واختياراتهم.

تواصل الآباء مع أطفالهم في هذا النمط يكون محدودًا، ويقدمون القليل من الرعاية لأطفالهم.

الآباء في هذا النمط لديهم توقُّعات قليلة من أطفالهم، وأحيانًا قد تكون معدومة.

4. التربية الرسمية أو الموثوقة Authoritative Parenting

يتميَّز الآباء في هذا النمط بمنطقية التفكير وتقديم رعاية جيدة للأطفال؛ لذلك يمتاز أطفالهم بالانضباط الذاتي والقدرة على التفكير والاعتماد على أنفسهم.

ويضعون قواعد تأديبية واضحة للأطفال مع بيان سبب وضعها والهدف منها.

ويعد هذا النمط هو الأفضل والأكثر فائدة للأطفال، ويُنشئ طفلًا صحيحًا نفسيًّا.

آباء هذا النمط لديهم توقُّعات مرتفعة لأطفالهم، ولكنها موضوعة بشكلٍ واضح؛ ممَّا يجعل الأطفال يضعونها في قائمة الأهداف المراد تحقيقها.

اقرأ أيضا عن: أثر التربية في صورة الطفل.

أهمُّ أساليب التربية المعاصرة

هناك العديد من الأساليب الحديثة التي تربط بين الصحة النفسية وأساليب التربية، وتوضح أهمية دور الأسرة في تحقيق الصحة النفسية، نذكر منها:

  • أسلوب الحوار:

خصِّص وقتًا لمجالسة طفلك بعيدًا عن التلفاز. علِّمه كيف يُحاور الآخرين، وقبل ذلك علِّمه كيف يُعبِّرُ عن رأيه بوضوحٍ وأدب.

  • أسلوب التوازن:

وازن بين احتياجات طفلك النفسية والجسدية والعقلية، وطوِّر جميع تلك الجوانب لديه بلا إفراطٍ ولا تفريط.

  • أسلوب التحفيز:

ادعم ثقة طفلك بنفسه وحفِّزه للتحدث أمام الكبار. وتذكَّر أن تمنحه هديةً صغيرةً عندما يتصَرف تصرفًا إيجابيًّا متميزًا.

  • مبدأ الثواب والعقاب:

تَقبل طفلك كما هو بمحاسنه ومساوئه، وتجاهل أخطاءه في وقتها، وراجعه بعد حين؛ كي تكون ثورة الغضب قد ذهبت عنكما. 

وتابع مسارَ تصحيح سلوك الطفل؛ فقد يتحسَّن في ظَرف أسبوعٍ أو شهرٍ أو سنة.

يتضح مما سبق الارتباط الكبير بين الصحة النفسية وأساليب التربية. ونستطيع القول إنه لا يوجد أسلوب أو نمط معيَّن هو الأسلوب الصحيح الوحيد لتربية الطفل.

إن التربية الناجحة لتنشئة أطفال مستقلِّين وأصحاء نفسيًّا ترتكز إلى استخدام مجموعة متنوعة من الأساليب، بما يتناسب مع شخصية الطفل.

وتعاون الوالدين في رعاية أطفالهما وتربيتهم أمر في غاية الأهمية، وتخصيص وقت لقضائه مع الأطفال وممارسة الأنشطة المفيدة أمر ضروري.

فالأسرة نواة المجتمع، وبصلاحها يصلح المجتمع.

المصدر
What Is Mental Health?Parenting Style and Its Correlates Could Your Parenting Style Affect Your Child's Health? What Are Child Rearing Practices?
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق