ترياق الأمراض النفسيةترياق الحياة الصحية

الصحة النفسية | إياك أن تبحر بلا مجدافَيْن!

لا تزال النفس البشرية طلسمًا من طلاسم الحياة؛ لا تكاد تمسك بأحد جوانبها أو تطَّلِع على بعض أسرارها حتى تُفلت منك كما ينساب الماء من بين أصابعك. 

تنظر إلى نفسك فترى جسدك وعاء قد صُبَّت فيه روحك صبًا، تحركه أفكارك ومشاعرك، وخبراتك وذكرياتك، ويشكِّل ذلك كله صحتك النفسية.

وما الصحة النفسية إلا زورق بمجدافين يبحر بك في الحياة؛ إذا سَلِمَتْ سَلِمْتَ، وإذا اختَلَّ توازنها ضِعتَ غرقًا في عرض البحر!

وإنه لمن المؤسف، ألا يُلقي الكثيرون بالًا للصحة النفسية؛ فينظرون إلى الوعاء وأوجاعه، ويتغافلون عن النفس وآلامها، كأنهم صخور مصمتة خُلِقَت بغير رُوح!

لذا، دعنا في هذا المقال نتحدث عن مفهوم الصحة النفسية، ونسلط الضوء على ذلك الركن القريب البعيد المخبوء بباطنك، فكُن مستعدًا!

تعريف الصحة النفسية

لا يقتصر مفهوم الصحة النفسية على سلامتك من الاضطرابات النفسية، ولكنه يشمل أيضًا سلامتك واستقرارك النفسي والعاطفي والاجتماعي. 

وينعكس ذلك على أفكارك ومشاعرك، ويؤثر على تواصلك مع الآخرين، وقدرتك على اتخاذ قراراتك، مما يرسم شكل الحياة التي تعيشها.

ويشير مصطلح الصحة النفسية، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، إلى كل مما يلي: 

  • إدراكك لإمكانياتك، وثقتك بها. 
  • قدرتك على التكيف مع ضغوطات الحياة التي تتعرض لها.
  • تَمكُّنك من العمل والمساهمة في المجتمع بشكل فعال. 

العوامل المؤثرة على الصحة النفسية

العوامل المؤثرة على الصحة النفسية

تتأرجح حالتك النفسية طوال فترة حياتك؛ فأنت راضٍ قانع تارة، وغاضب ناقم تارة أخرى، تشعر بالفرح حينًا، ويَمُّس الحزن قلبك في أحيان أُخَر. 

ولكنك أمام ذلك كله، تتناول طعامك، وتذهب لعملك، وتتواصل مع من حولك.

أما إذا كانت تصرفاتك أو أفكارك تعيقك عن ممارسة حياتك بشكل طبيعي، أو كانت سببًا في إيذائك أو إيذاء من حولك، فربما كنت تعاني من اضطراب نفسي.

إذًا، ما العوامل التي تؤثر على سلامتك النفسية، وتجعلك أكثر عرضة من غيرك للإصابة ببعض الاضطرابات النفسية؟

عوامل بيولوجية 

يرى بعض الباحثين أن الاضطرابات النفسية هي في الأصل خلل بيولوجي؛ إذ يرتبط بعضها بتغير في كيمياء المخ، أو اختلاف في حجم بعض الأجزاء المخية.

فعلى سبيل المثال: 

  1. يختلف مستوى السيروتونين في بعض حالات الاكتئاب الشديد، وقد يستجيب المريض لمضادات الاكتئاب التي تعيد التوازن لكيمياء المخ.
  2. يرتبط اضطراب ما بعد الصدمة بوجود عطب ما في تناغم اللوزة المخية والقشرة المخية، مما يحفز إحساس الخطر ولكن دون وجود تهديد حقيقي. 

ويُعتقَد أن للجينات والعامل الوراثي أثرًا على الصحة النفسية للفرد؛ إذ أن لبعض العائلات تاريخًأ طويلًأ من الاضطرابات النفسية يسري في شجرة العائلة.

لا يمكن تحديد القدر الذي يؤثر به العامل البيولوجي على الصحة النفسية، ولا نستطيع -بَعْدُ- إجابة سؤال “لم تختلف استجابة الأفراد للأدوية؟” بشكل تام.

الضغوطات الحياتية

يمر المرء منا خلال حياته بكثير من الضغوطات النفسية، وبعض الصدمات العصبية التي من شأنها أن تؤثر على اتزانه النفسي، مثل:

  • فقدان شخص عزيز. 
  • العوز والفقر المدقع.
  • التعرض لاعتداء ما.
  • التعرض لحادث أليم.
  • التفرقة العنصرية والتنمر.

العلاقات الاجتماعية

يبدأ الأمر من الفترات الأولى التي يتشكل فيها وعيك؛ فإذا وُلِدت في أسرة مفككة، أو تعرضت لأي عنف أُسَري، سيؤثر ذلك على قدرتك على التكيف.

يرى الطفل نفسه في عيون مَنْ حوله؛ لذا فإنه عندما يلاقي معاملة جافة من والديه، أو تمييزًا بينه وبين إخوته أو زملائه، سيتضرر تقديره لذاته بشكل بالغ.

ولا بُدَّ للمرء من قريب أو صديق يَبُثُّه أحزانه، ويشاركه آلامه، ويخفف عنه أحماله. فإن غاب الرفيق، قد يجد المرء نفسه حبيسًا في سجن من الوحدة فيضطرب.

الحالة الصحية

تؤثر الحالة الصحية للمرء على سلامته النفسية؛ فالأمراض المزمنة التي لا يُرجَى شفاؤها تورِث شعورًا باليأس وانعدام الرغبة في مواصلة الحياة. 

وكذلك قد تُحدِث العيوب الخلقية، وآثار الحروق، وغيرها من التغيرات الجسمانية الواضحة، ألمًا نفسيًا بالغًا للمرء حينما يُقابَل بِوابل من السخرية والتنمر.

ويلعب الإدمان أيضًا دورًا مهمًا في إصابة الفرد باضطراب نفسي؛ فقد يصبح الإدمان سببًا في بعض الاضطرابات كالذهان، أو يصبح نتيجة لها.

أهداف الصحة النفسية 

لِمَ نهتم إذًا بالصحة النفسية؟ 

لأنها جزء لا يتجزأ من الصحة؛ فأنت تنهض من سريرك، وتمارس حياتك بشكل طبيعي، مدفوعًا بسلامتك النفسية التي تمنحك أسبابًا للحياة.

لذا فإن الصحة النفسية:

  • تؤثر على قدرتك على التعلم وتلقِّي معلومات جديدة.
  • تفتح لك أبواب التعبير عن نفسك ومشاعرك بشكل صحي.
  • تساعدك على الحفاظ على علاقات صحية مع مّنْ حولك.
  • تؤهلك للتأقلم مع التغيرات الحياتية.
  • تساعدك على مواجهة الضغوطات النفسية وأعباء الحياة.
  • تملأ قلبك بالأمل؛ فتتخذ قراراتك بشكل عقلاني متزن.
  • تمكنك من المساهمة في مجتمعك ومساعدة مَنْ حولك.

معايير الصحة النفسية

إذًا، ما الذي يجعل المرء السَويَّ سويًّا؟ وما الدلائل التي تشير إلى سلامتك النفسية؟

رضاك عن حياتك

يُعَدُّ رضاك عن نفسك وعن حياتك دليلًا على سلامتك النفسية، وقدرتك على النظر إلى المعطيات من حولك بشكل صحيح. 

ويتحقق ذلك إذا كنت: 

  • ترى في نفسك من الإمكانيات ما يعينك على تحقيق إنجازات ترنو إليها. 
  • تشعر بقيمة ما تؤديه من مهام، وأهمية ما تقوم به من أعمال. 
  • تؤمن بأهمية وجودك، وتعرف الدور الذي تلعبه في حياة من حولك.
  • ترى نفسك بعين راضية؛ فلا تقسو عليها ولا تؤنبها.

مرونتك النفسية

يظن البعض أن تحقيق الصحة النفسية مرهون بعدم التعرض لصدمات عنيفة، ولكن إذا فكرت في الأمر فستجد أن ذلك ليس منطقيًا. 

فالفقد والألم جزء ضروري من الحياة، فلا فرح يدوم ولا حزن يقيم، وما من أحد إلا ويختبر تلك المشاعر مرة واحدة على الأقل خلال فترة حياته. 

ولكن الفيصل هنا هو قدرتك على استعادة توازنك بعد الصدمة، وقدرتك على التكيف مع الوضع الجديد، وتطويع مهاراتك وأفكارك لمواجهة ذلك التحدي.

وتسمح لك مرونتك النفسية أن تعبِّر عن المشكلة التي تمر بها بشكل واضح، مما يمنحك مساحة أفضل لفهم طبيعة مشاعرك، ويمكِّنك من تخطي المشكلة.

الدعم المعنوي الذي تتلقاه

لا يشترط أن تمتلك علاقات اجتماعية عديدة كي تتلقى الدعم المعنوي الذي تستحقه.

ولكن يكفي أن تحيط نفسك بشخص واحد على الأقل -كأحد أفراد أسرتك، أو صديق مقرب-، فالفكرة كلها تكمن في قوة العلاقة التي تربطك بهذا الشخص. 

يُضفي ذلك إحساسًا بالأمان، فينعكس إيجابيًا على تصرفاتك وقراراتك.

الصحة النفسية للطفل 

على عكس المتوقع، من الممكن أن يصاب الأطفال والمراهقون أيضًا ببعض الاضطرابات النفسية، ولكنْ كثيرًا ما يغفل الأهل عن صحة أبنائهم النفسية.

أسباب المشاكل النفسية عند الأطفال

  • وجود مرض جسدي يؤلمه أو يمنعه من اللعب.
  • نشأته في أسرة مفككة؛ كأن يتولى رعايته أب مدمن.
  • انفصاله عن أحد والديه، إما بسبب الطلاق أو الموت. 
  • ترعرعه في بيئة غير آمنة؛ كأن يصبح مشردًا بدون مأوى.
  • تعرضه للاعتداء أو التنمر.
  • معاناته من صعوبات في التعلم.
  • شعوره بأنه غير مرغوب فيه، والتمييز بينه وبين من حوله
  • تحمله مسؤولية أكبر من سنه؛ كأن يضطر لرعاية أخيه طوال الوقت.

وتظهر المشاكل النفسية عند الأطفال في صورة تأخُّر أو خلل في السلوك، أو صعوبة في التحكم في الاندفاع، أو عدم القدرة على تنظيم المشاعر. 

وينعكس ذلك بشكل واضح على قدرة الطفل على ممارسة نشاطاته المعتادة في المنزل أو في المدرسة.

الاضطرابات النفسية عند الأطفال

هناك العديد من الاضطرابات النفسية التي قد تؤرق طفلك مثل:

  • الاكتئاب.
  • إيذاء النفس: قد يجرح المراهق نفسه عمدًا تنفيسًا لألمه النفسي.
  • اضطراب ما بعد الصدمة: بعد تعرضه لصدمة كحادث أو اعتداء.
  • تشتت الانتباه وفرط الحركة.
  • اضطرابات الأكل لدي المراهقين: مثل فقدان الشهية العصبي، والنهم العصبي.

الصحة النفسية والعلاج النفسي

علامات مبكرة لوجود مشكلة نفسية

  • الانسحاب من الحياة الاجتماعية، والعزلة على غير المعتاد.
  • النوم أكثر مما ينبغي أو الأرق.
  • الزهد في الأنشطة والهوايات التي اعتادها المرء.
  • شعور دائم باستنزاف الطاقة.
  • اللا مبالاة.
  • تغير في التصرفات وسرعة الغضب. 
  • الحزن المستمر وشعور بالذنب دون سبب واضح.
  • وجود أفكار عن إيذاء النفس أو الآخرين.
  • سماع أصوات أو رؤية أشياء غير حقيقية.
  • الهلع والخوف الزائد عن الحد دون وجود خطر حقيقي. 
  • وجود تقلبات مزاجية حادة. 

قد يتطور الأمر -في بعض الحالات- إلى ظهور أفكار ومحاولات انتحارية. 

لذا فإنه من المهم أن تستشير معالجًا نفسيًا متخصصًا إذا ظهرت لديك -أو لدى أحد تعرفه- أي من هذه الأعراض، واستمرت فترة تطول عن أسبوعين.

كيف يساعدك المعالج النفسي؟

يخشى الكثيرون اللجوء إلى طبيب نفسي، مهما بلغت شدة أعراضهم، وذلك: 

  • إما لخوفهم من الوصم المجتمعي للمريض النفسي. 
  • أو لتصورهم الخاطئ عن العلاج؛ كأن يعتقد أحدهم أن الدواء يسلبه إرادته.
  • أو لاعتقادهم أن الحاجة للمعالج النفسي تقتصر على الحالات المتأخرة.

نحتاج جميعًا لطلب المساعدة إن شعرنا بأننا لسنا بخير، وإن عجزنا عن التكيف مع التغيرات الحياتية كالفقد والألم، بشكل يعيق سير الحياة بصورة طبيعية.

يُقيِّم المعالج النفسي، سواء أكان طبيبًا أم اختصاصيًا نفسيًا، حالتك ويحدد طرق العلاج المناسبة لحالتك الصحية، وطبيعة مشكلتك، وتفضيلاتك الشخصية:

  1. العلاج النفسي (العلاج بالكلام): 

يتكون عادة من مجموعة جلسات، فردية أو جماعية، يستمع فيها المعالج النفسي إلى أفكارك ومخاوفك، ويتفهم مشاعرك، ويُقيِّم تصرفاتك. 

ومن خلال هذه الجلسات المنظمة، يساعدك المعالج النفسي على تعديل نمط التفكير الخاطئ لديك، والتحكم في انفعالاتك، وتعديل تصرفاتك.

ومن أمثلة هذا النوع من العلاج: العلاج السلوكي المعرفي.

  1. العلاج الدوائي:

تحتاج بعض الحالات تدخلًا دوائيًا للحد من الأعراض، أو منع بعض المضاعفات الخطيرة.

يضع الطبيب خطة علاجية متكاملة تشمل الأدوية التي تحتاجها، ويحسب جرعاتها ويحدد مدة العلاج، ويُقيِّم استجابتك للأدوية خلال رحلة العلاج.

قد يتطلب الأمر، في بعض أنواع الاضطرابات النفسية، الجمع بين العلاج النفسي والعلاج الدوائي للحصول على نتيجة أفضل.

نصائح عن الصحة النفسية

إذًا، كيف تحافظ على سلامك النفسي؟ 

  • قدِّر نفسك حق قدرها، ولا تقسُ عليها بالنقد المستمر. 
  • احتفل بإنجازاتك الصغيرة، ولا تقارن نفسك بالآخرين.
  • حدد أهدافًا منطقية؛ كي لا تصاب بالإحباط.
  • اهتم بصحة جسدك؛ نم جيدًا، وتناول طعامًا صحيًا. 
  • خصص وقتًا للراحة، ومارس رياضة خفيفة. 
  • تعلَّم شيئًا جديدًا، واصرف عن ذهنك الرتابة والملل.
  • تطوع لمساعدة غيرك؛ سيشعرك ذلك بالرضا عن نفسك.
  • جرب تمارين الاسترخاء -مثل التنفس العميق- إن شعرت بالتوتر.
  • عبِّر عما يقلقك؛ اكتبه في ورقة أو تحدَّث مع مّنْ تثق به من عائلتك.
  • حاول أن توازن بين عملك وحياتك؛ اقضِ وقتًا مناسبًا مع عائلتك.
  • تجنب الأشخاص السلبيين والمؤذيين قدر الإمكان.

وأخيرًا، يا صديقي العزيز، أيًا كانت التحديات التي تواجهك، تذكر دائمًا ألا تُفلت مجدافيك، وألا تيأس أبدًا. 

خُذ هدنة، التقط أنفاسك، ثم جدِّف من جديد!

المصدر
What is mental health?Mental health myths and factsThe roots of mental illnessAre psychiatric disorders brain disordersThe characteristics of mental healthThe importance of good mental healthFactors affecting mental healthMental health problems - an introductionMental illness in children: Know the signsMental health problems in children and young peopleMental health treatmentsTen things you can do for your mental health
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق