مفاهيم ومدارك

الصداقة الإلكترونية | بين الضرورة والخوف من المجهول!

“هناء” و”إلهام” صديقتان منذ أكثر من ثلاث سنوات، لكنهما لم تلتقيا أبدًا في حياتهما. فقد جمعتهما الصداقة الإلكترونية، حيث التقتا في بداية الأمر عن طريق تعليق ما على إحدى المجموعات على “الفيسبوك”. وبعد ذلك، تبادلتا سويًا الرسائل الخاصة، ووجدتا انسجامًا وتفاهمًا فيما بينهما، فتطورت صداقتهما واستمرت حتى هذه اللحظة.

في الحقيقة، تبدو هذه القصة مألوفة لدى الكثيرين، فبعد الانتشار المذهل لوسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا، أصبحت الصداقة الإلكترونية أمرًا واقعًا، وربما يعدها بعضهم ضرورة من ضرورات العصر. 

في هذا المقال، سنتناول سلبيات وإيجابيات الصداقة الإلكترونية، وكيفية تكوين صداقات صحية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

الصداقة الإلكترونية والصداقة الحقيقية

يشكك الكثيرون في فعالية الصداقة الإلكترونية، ولا يعدون تلك العلاقات علاقات حقيقية وقوية كتلك التي على أرض الواقع. 

لكن الحقيقة أن الأمر اختلف كثيرًا عن السابق. 

في بداية ظهور الإنترنت، كان هناك ما يسمى بـ “غرف الدردشة”، التي يلتقي فيها المستخدمون ويظلون يتحدثون إلى بعضهم بعضًا عبر الرسائل. 

في تلك الفترة، كان التأكد من هوية من يحادثك أمرًا مستحيلًا، هنا يمكننا أن نعد علاقات الصداقة الإلكترونية علاقات هشة وغير حقيقية، ولا تمثل لأصحابها سوى نوعًا من التسلية. 

لكن الآن، وبعد أن صار بإمكاننا التحدث بالصوت والصورة عبر مقاطع الفيديو المصورة مع أصدقائنا على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الصداقة الإلكترونية قد اكتسبت بعدًا آخر حقيقيًا، وربما كانت علاقة أحدنا بصديق لم يقابله قط أقوى وأكثر تأثيرًا في حياته من علاقته بأصدقائه الحقيقيين. 

لماذا يرغب الناس في تكوين الصداقات الإلكترونية؟ 

لماذا يرغب الناس في تكوين الصداقات الإلكترونية؟

تختلف أسباب رغبة الأشخاص في تكوين صداقات عبر الإنترنت من شخص إلى آخر، فمثلًا قد يلجأ أحدهم إلى الصداقة الإلكترونية لأنه:

  • يشعر بالوحدة
  • يعاني الانطوائية، ويشعر أن العلاقات الإلكترونية أكثر راحة له من العلاقات على أرض الواقع. 
  • يريد زيادة مهاراته وخبراته بالحياة؛ فبإمكانه تكوين مئات الصداقات الإلكترونية، ومعرفة العديد من الثقافات دون التحرك من مكانه. 

إيجابيات الصداقة الإلكترونية

تحمل الصداقة الإلكترونية العديد من الإيجابيات، مثل:

  • سهولة إيجاد أصدقاء ذوي اهتمامات مشتركة

في أغلب الأحيان، تكون نقطة اللقاء الأول بأصدقائنا على الإنترنت إحدى المجموعات الإلكترونية التي تقدم محتوى ما يهمنا نحن الاثنين، ومن ثَمَّ فإن احتمالية تشابهك بصديقك الإلكتروني تكون كبيرة، فيشعركما ذلك بالراحة وسهولة الاندماج. 

بالطبع، لا يعني ذلك أن جميع الأصدقاء الإلكترونيين سيكون لديهم نسخ متطابقة من الشخصيات والطبائع، ولكن يعني أن وجود قاعدة من الاهتمامات المشتركة لديهم سيجعل انسجامهم واستمتاعهم بعلاقاتهم أمرًا ممكنًا. 

  • سهولة استهلال الحديث وبداية تكوين الصداقة

بعض الأشخاص يعانون الخجل والانطوائية، فيكون صعبًا عليهم استهلال الحديث مع الآخرين. تمثل الصداقة الإلكترونية لهؤلاء سبيلًا سهلًا لتكوين الصداقات؛ فالتحدث من خلف الشاشات لا يسبب لهم نفس مقدار التوتر والضغط النفسي كالتحدث وجهًا لوجه. 

  • عدم الخجل من التحدث عن نقاط الضعف

في الحياة الواقعية، قد يخشى الناس من التحدث عن آلامهم ومشاكلهم وطبائعهم مع الآخرين، لأنهم قد يشعرون بالحرج من ذلك. 

لكن الأمر يختلف في الصداقة الإلكترونية؛ فمعرفة شخصٍ ما أنه قد لا يلتقي بصديقه هذا أبدًا في حياته، يجعله أكثر أريحية وقدرة على مشاركة نقاط ضعفه ومشاكله. وقد يمده هذا بالدعم النفسي والمعنوي الذي يحتاجه. 

  • سهولة إنشاء صداقات كثيرة حول العالم

الصداقة الإلكترونية مع الأجانب تعد من الميزات العظيمة لمواقع التواصل الاجتماعي، خاصةً لمحبي السفر واستكشاف الثقافات المختلفة. 

فامتلاكك أصدقاء في أنحاء عدة من العالم يوفر لك فرصة التعرف على عاداتهم وتقاليدهم والتعلم منهم، وقد يتعلمون هم أيضًا منك. وهذا يجعل الشخص أكثر مرونة وتقبلًا للاختلاف. 

مخاطر الصداقة الإلكترونية

بجانب فوائد الصداقة الإلكترونية الكثيرة، فقد تحمل أيضًا أضرارًا عديدة للمستخدمين، خاصةً إذا استخدمت بطريقة خاطئة. 

على سبيل المثال:

  • سوء التواصل 

على الرغم من أن الدردشة عبر الفيديو قد حلت هذه المشكلة إلى حد كبير، ولكن فلنفترض أنك أو صديقك الإلكتروني لا تملكان اتصالًا قويًا بالإنترنت يمكنكما من هذا النوع من التواصل، واضطررتما إلى الاعتماد على الرسائل النصية للتواصل. 

هنا، أنت لا ترى تعبيرات الوجه ولا لغة الجسد، ولا تسمع نغمة صوت صديقك وهو يتحدث. كل هذا قد يؤدي إلى سوء الفهم في بعض الأحيان. 

  • الاختفاء

في الحقيقة، هذا الأمر شائع الحدوث على مواقع التواصل الاجتماعي، ولعلك تعرضت له أكثر من مرة. 

فقد تستيقظ ذات يوم من نومك وتجد أن صديقك الإلكتروني قد اختفى. هكذا ببساطة! 

ربما أغلق جميع حساباته، أو بدلها بأخرى، أو أي شيء آخر. 

لذا، إذا كانت صداقتكما حقيقية، فاحرص على أن يكون لديك وسيلة تواصل أخرى مع صديقك بخلاف مواقع التواصل الاجتماعي، كرقم هاتفه أو بريده الإلكتروني أو وسيلة تواصل أخرى مع أحد أفراد عائلته. 

كل ذلك سيجعل فرصتكما في استمرار الصداقة أكبر. 

  • تزييف الشخصية

على مواقع التواصل الاجتماعي، يسهل على الجميع ادعاء ما ليس فيه، وقد يكون التحقق من هذا الأمر صعبًا،
خاصةً إذا كنتما في بداية علاقتكما؛ وكان كل منكما متحفظًا تجاه الآخر. 

لذلك، يجب عليك ألا تندفع في تكوين العلاقات، وأن تحاول بكل الطرق التأكد من شخصية من يحادثك وهويته،
خاصةً إذا كنت صغير السن وليس لديك الخبرة الكافية في تمييز حديث الناس. 

باختصار، ليس كل من يرسل إليك رسالة راغبًا في التعارف هو شخص أهل للتواصل. فكن يقظًا، وخذ حذرك. 

إذن…

كيف نكون صداقات إلكترونية صحية؟ 

كما ذكرنا، فالصداقة الإلكترونية سلاح ذو حدين، فيمكنها أن تضر بقدر ما تنفع، لكن هذا لا يعني أن نتجنبها تمامًا. 

ولكن يجب أن نأخذ بجميع الأسباب المتاحة لحماية أنفسنا من الاستغلال، ولكي نتمتع بعلاقات حقيقية تثري حياتنا وتجعلها أفضل. 

نصائح لتكوين صداقات إلكترونية صحية:

  • كن صادقًا 

في بداية تعرفنا بأحدهم، نحاول دائمًا لفت الانتباه، والظهور بمظهر البارع في كل شيء، وقد يوقعنا ذلك في فخ ادعاء ما ليس فينا. لذلك؛ حاول بقدر الإمكان أن تكون طبيعيًا وعلى سجيتك. 

  • اجعل أمانك الأولوية القصوى

قد تكون رغبتك في تكوين الصداقات الإلكترونية أقوى منك، فتندفع إلى تكوين المزيد من العلاقات هنا وهناك. 

لكن لا تنسَ أن تجعل أمانك الشخصي قبل كل شيء، فلا تعطِ ثقتك لأحد قبل أن تتعرف عليه جيدًا وتتأكد من شخصيته وهويته وأهدافه من التواصل معك. 

وأيضًا لا تعطِ عنوان منزلك أو عنوان عملك أو أي معلومات شخصية عنك إلا لمن تعرفه جيدًا. 

أشياء لا تغفل عنها وأنت تبحث عن الصداقة الإلكترونية

لأننا لا نريد أن ينتهي بك الأمر واقعًا في صداقة سامة مع أحدهم على مواقع التواصل الاجتماعي؛
إليك بعض العلامات التي تخبرك إذا كان صديقك يهتم لأمرك حقًا أم لا:

  • انظر إلى مدى الاهتمام الذي يظهره هذا الصديق لتعميق علاقته معك، ومعرفة المزيد عنك وعن شخصيتك واهتماماتكما المشتركة. 
  • انظر إلى تفاعله ورد فعله تجاه أخبارك السعيدة والسيئة، هل يظهر لك الاهتمام والدعم المناسبين للموقف؟ 
  • انظر إلى أهدافكما من أجل إقامة هذه الصداقة، هل هي متشابهة؟ وما الذي ينتظره كل منكما من الآخر؟ 

ختامًا نقول إن الصداقة الإلكترونية أصبحت أمرًا واقعًا في زمننا هذا، لكن لكي تجني ثمارها الطيبة وتنجو من
خبثها، يجب أن تكون حذرًا وأن تنتقي من يشبهك حقًا.

المصدر
The Problem with Online FriendshipThe value of online friendships and how they compare to 'real' friendsAre Friends Online As Legitimate As Real-Life Friends? How The Internet Makes A Difference
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق