مفاهيم ومدارك

الصمت الاختياري | اضطراب أم خجل؟!

تلقيت بالأمس اتصالًا هاتفيًّا من مَدرسة ابنتي…

وأخبرتني المعلمة أن ابنتي تمتنع تمامًا عن التحدث في المدرسة، وترفض اللعب مع أصدقائها، وتظل صامتة طوال اليوم الدراسي، وسألتني: «هل تتصرف هكذا في المنزل؟!».

وكانت إجابتي بالنفي؛ فابنتي لا تتوقف عن التحدث في المنزل، وتلعب مع أخيها وأقربائها… فأين المشكلة؟!

ونصحتني المعلمة باستشارة الطبيب؛ إذ يؤثر سلوكها في تواصلها مع الآخرين، وتقدمها الدراسي.

سنتحدث في السطور القادمة عن الصمت الاختياري عند الأطفال، وأعراضه، وأسبابه، وعن خطة علاجه، وسنتطرق أيضًا إلى الصمت الاختياري عند الكبار… فتابع معنا هذا المقال.

الصمت الاختياري عند الأطفال

الصمتُ الاختياري هو اضطراب قلق شديد ومعقد يصيب الأطفال. 

ويتسم هذا الاضطراب بعدم قدرة الطفل على التحدث مع الآخرين والتواصل الجيد معهم في بيئات معينة (مثل المدرسة)، ولكنه يجيد التحدث والتواصل في الأماكن التي يشعر فيها بالراحة والأمان (مثل المنزل).

يعاني ما يقارب تسعين بالمائة من الأطفال المصابين بالصمتِ الاختياري الرهاب الاجتماعي أيضًا.

ويشعر هؤلاء الأطفال بخوف حقيقي من التحدث مع الغرباء؛ وهو ما يؤثر في قدرتهم على التفاعل مع الآخرين، ويؤثر -أيضًا- في مهاراتهم الاجتماعية.

لا يُظهِر كل الأطفال المصابين بالصمتِ الاختياري اضطرابهم بالطريقة نفسها؛ فبينما يعجز بعض الأطفال عن التحدث مع الآخرين، نجد بعض الأطفال قادرين على الهمس أو التحدث إلى قلة مختارة ممن حولهم.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

ومنهم من يقف جامدًا بلا حراك عند تعرضهم لمواقف اجتماعية يشعرون فيها بعدم الأمان، ويبدو هؤلاء الأطفال وكأنهم معزولون اجتماعيًّا.

قد يسبب الصمت الاختياري عند الأطفال ضررًا كبيرًا؛ فهو يؤثر في أدائهم الدراسي، ويمنع الطفل من طلب المساعدة إذا احتاجها.

ويمنع الأطفال أيضًا من الانخراط في الأنشطة الترفيهية التي تتطلب تواصلًا لفظيًّا.

علامات الصمت الانتقائي

علامات الصمت الانتقائي

تبدأ الإصابة بالصمت الانتقائي في مرحلة الطفولة المبكرة، ما بين عامين إلى أربعة أعوام، ويمكن ملاحظته عند التفاعل الأول للطفل مع أشخاص خارج أسرته.

وتعد علامة التحذير الرئيسة هي التباين الشديد في سلوك الطفل الذي يظهره عند التعامل مع أشخاص غير مألوفين؛ إذ يعاني الصغير سكونًا مفاجئًا وتعابير وجه جامدة عند اضطراره إلى التحدث مع شخص خارج حدود دائرة معارفه الشخصية.

وتشمل العلامات التي تشير إلى الإصابة بالصمت الاختياري عند الأطفال:

  • عدم القدرة على التحدث في المدرسة أو بعض المناسبات الاجتماعية.
  • الشعور بالقلق أو الخوف أو الخجل.
  • التململ وتجنب الاتصال بالعين.
  • استخدام التواصل غير اللفظي للتعبير عن الاحتياجات، مثل: الإيماءات أو الإشارة باليد.
  • التحدث بطلاقة وأريحية في المنزل أو مع أشخاص مألوفين فقط.
  • عدم القدرة على طلب المساعدة في المواقف التي تهدد الطفل.
  • نوبات غضب بعد التعرض للمواقف التي تسبب الصمت الاختياري، مثل: بعد العودة من المدرسة.

قد يتمكن بعض الأطفال من استخدام بضع كلمات، وقد يهمسون بها، وقد يكتفي آخرون باستخدام الإيماءات والإشارات، بينما يتجنب الأطفال الأكثر تضررًا كل أشكال التواصل مع الآخرين، سواء كانت لفظية أو مكتوبة أو إيماءات.

أسباب الإصابة بالصمت الاختياري

تندر الإصابة بالصمت الاختياري عند الأطفال، ولا يزال السبب الدقيق للإصابة به غير معلوم.

ولكن تشمل الأسباب المحتملة التي قد تؤدي إلى الإصابة بالصمت الاختياري:

  • الشعور بالخجل: يواجه الطفل الخجول صعوبة في التحدث مع الآخرين.
  • اضطراب القلق الاجتماعي: رجحت العديد من الأبحاث الارتباط الوثيق بينهما.
  • الخوف من الإحراج أمام الآخرين: وهو ما يؤثر في القدرة على التواصل معهم.
  • الصعوبات اللغوية: عادة ما يكون الطفل الذي يعاني صعوبات لغوية أكثر عرضة للإصابة بالصمت الاختياري.
  • الحماية الوالدية المفرطة.

الصمت الاختياري عند الكبار

عندما نتحدث عن الصمت الانتقائي فإننا نشير عادة إلى الصمت الاختياري عند الأطفال، فهو كما ذكرنا اضطراب يصيب الأطفال. 

ولعلك تتساءل الآن: «هل يعاني الكبار أيضًا الصمت الاختياري؟».

إذا لم يُشخَّص الصمت الاختياري في مرحلة الطفولة فقد يستمر حتى مرحلتَي المراهقة والبلوغ. 

وهنا، يسعى المريض جاهدًا إلى التغلب على الصمت الانتقائي، وهو ما يجعله يصارع الكثير من المشاعر المتضاربة؛ فهو يريد التحدث مع الآخرين والتواصل معهم، ولكنه يعجز عن ذلك، ويسبب له التفكير المفرط في كيفية التحدث مع الآخرين مزيدًا من القلق والتوتر.

وقد يعاني العديد من المراهقين والبالغين المصابين بـ”الصمت الاختياري عند الكبار” العزلة الاجتماعية، من جراء قلقهم المتواصل من التفاعل مع الآخرين والتحدث إليهم.

وعادة ما يفتقر مرضى الصمت الاختياري القدرة على الدفاع عن أنفسهم شفهيًّا؛ وهو ما يجعلهم عرضة للاتهام بغير وجه حق.

تشخيص الصمت الاختياري

يؤدي تجاهل تشخيص الصمت الاختياري وعدم العلاج إلى الإصابة بالعزلة الاجتماعية، بالإضافة إلى تدني احترام الذات وعدم الثقة بالنفس.

إن كنت تظن أن طفلك يعاني الصمت الانتقائي، ويواجه صعوبة في التحدث مع الآخرين في بيئات محددة، ويعاني القلق والخوف من جراء ذلك؛ فلا تتردد في استشارة الطبيب.

سيجري الطبيب فحصًا بدنيًا شاملًا للطفل؛ لاستبعاد صعوبات اللغة والمشكلات السمعية، والمشكلات الصحية الأخرى التي قد تؤدي إلى أعراض مشابهة.

سيسألك الطبيب إن كان لديك تاريخ عائلي للإصابة بأحد اضطرابات القلق، أو إذا كان طفلك يعاني صعوبات تعلم.

ينبغي للطبيب أن يدرك أن الطفل المصاب بالصمت الانتقائي قد لا يتمكن من التحدث في أثناء التقييم؛ لذا، لا ضير من تشجيع الصغير على التواصل من خلال والديه أو أي وسيلة تواصل أخرى يختارها.

تُشخَّص الإصابة بالصمت الاختياري عندما:

  • يظهر على الطفل علامات الصمت الانتقائي مدة شهر واحد على الأقل -على ألا يكون الشهر الأول من الدراسة.
  • يستطيع الطفل فهم الكلام الموجه إليه جيدًا والتحدث بطلاقة وأريحية في بعض المواقف، مثل: في المنزل أو مع الأصدقاء.
  • يؤَثر الصمت الانتقائي في التقدم الدراسي للطفل وفي تطور مهاراته الاجتماعية.

خطة علاج الصمت الاختياري

يساعد التشخيص المبكر والعلاج المناسب الطفل على التغلب على الصمت الاختياري وتطوير مهارات الطفل الاجتماعية، فلا تستمع لتلك الآراء التي تثبط همتك وتخبرك بأنَّ طفلك لا يزال صغيرًا أو لا بأس من كونه طفلًا خجولًا. 

وتشمل خطة علاج الصمت الاختياري:

العلاج السلوكي المعرفي

تعد جلسات الصمت الاختياري التي تعتمد على العلاج السلوكي المعرفي أكثر فاعلية للأطفال الأكبر سنًّا والمراهقين، وخاصة الذين يعانون اضطراب القلق الاجتماعي.

تساعد جلسات الصمت الاختياري الطفل على فهم أفكاره ومخاوفه، وإدراك كيف تؤثر تلك الأفكار والمخاوف في رؤيته للعالم من حوله، وتعلُّم إستراتيجيات تُمَكِّنه من مواجهة القلق الذي يشعر به.

العلاج السلوكي

يهدف هذا العلاج إلى تعزيز السلوكات الإيجابية، ويركز على مساعدة المريض على التغلب على المخاوف التي يشعر بها تدريجيًّا.

تلاشي التعزيز

يعتمد هذا النوع من العلاج على قدرة الطفل على التحدث بأريحية مع أحد أقربائه -والده مثلًا-، ثم ينضم شخص آخر “غير مألوف” إلى المحادثة بين الطفل وقريبه تدريجيًّا، ثم ينسحب القريب من المحادثة.

يساعد هذا العلاج الطفل على الشعور بالراحة في المواقف الجديدة التي كانت تسبب له قلقًا في الماضي.

إزالة الحساسية

تهدف تلك التقنية إلى إزالة حساسية الطفل تجاه الآخرين، من خلال سماع أصواتهم باستخدام تسجيلات الصوت أو مقاطع الفيديو.

تقنية النمذجة الذاتية

وهنا، يمكنك تصوير مقطع فيديو لطفلك وهو يتحدث بسلاسة في المنزل أو مع أحد المقربين، واجعل طفلك يشاهد ذلك الفيديو؛ ليشعر بثقة أكبر نحو الطريقة التي يتحدث بها.

ثم اطلب منه أن يحاول التحدث بنفس الطريقة في المواقف الأخرى التي تسبب له القلق.

العلاج بالتعرض

يعتمد هذا العلاج على تعرض المريض للمواقف التي تسبب له القلق، تدريجيًّا وبشكل متكرر.

يقلل التعرض المتكرر القلقَ الذي يشعر به المريض تدريجيًّا حتى يتلاشى، مثل: تشجيع الأطفال الأكبر سنًّا على الرد على الهاتف أو سؤال شخص غريب عن الوقت.

مضادات الاكتئاب

يمكن استخدامها جنبًا إلى جنب مع إحدى تقنيات العلاج النفسي المناسبة للتغلب على القلق الذي يعانيه المريض.

تستخدم مضادات الاكتئاب للأطفال الأكبر سنًا والبالغين الذين يعانون الاكتئاب من جراء القلق المتواصل الذي يشعرون به.

لا تقلق… فطفلك لا يزال صغيرًا!

لا تقلق… فطفلك خجول!

إن كنت تظن أن طفلك يعاني الصمتَ الاختياري فلا تلتفت إلى الآراء السابقة، وادعم صغيرك، ولا تضغط عليه وتجبره على التحدث…

وعليك إدراك أن الصمت الاختياري قد يؤثر في مهارات طفلك الاجتماعية، وثقته بنفسه واحترامه لذاته، وقد يؤدي إهمال العلاج إلى إصابته بالعزلة الاجتماعية والاكتئاب؛ فلا تتردد في استشارة الطبيب.

المصدر
WHAT IS SELECTIVE MUTISM?Selective mutismSelective MutismWhat Is Selective Mutism?
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى