مفاهيم ومدارك

الضوضاء والصحة النفسية | معول يهدم سلامة عقلك!

أكاد أفقد عقلي!

يأبى هذا الصداع البائس أن يتركني!

منذ جئت إلى المدينة، ضربتني معاول أصوات الضوضاء العالية في رأسي!

أتذكر أبي وحديثه معي قبل مجيئي إلى هنا حين علم بنِيتي مغادرة منزلنا الهادئ في الضواحي، فأرسل إلي مقالة بعنوان “الضوضاء والصحة النفسية”، وقتها لم أهتم بقراءتها.

جلس أبي معي شارحًا مقصده، لم يرغب في أن يثنيني عن قراري، وإنما أراد فقط أن يوضح لي أن ضوضاء المدينة يمكنها أن تؤدي بي إلى الجنون!

دعوني أروي لكم بعضًا من حديثه… 

 التلوث الضوضائي

جلس أبي بابتسامته الهادئة على طرف فراشي ناظرًا إلى حقيبتي التي امتلأت بأغراضي، ثم قال: «لم تقرأ المقالة، أليس كذلك؟» 

احمر وجهي خجلًا، وهززت رأسي نافيًا.

فأجاب بحنان: «لابأس، دعني أوضح غرضي يا ولدي، فأنا أعلم أن الهدوء المحيط بنا هنا نعمة لن تقدرها إلا عندما تجرب ضوضاء المدينة، فقط أريدك أن تنتبه جيدًا إلى صحتك النفسية؛ أخشى أن تؤثر الضوضاء فيك لأنك لم تجربها سابقًا.»

أبديت بعض الاهتمام الظاهري؛ فلم يكن الأمر يشغلني وقتها، فقلت له: 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

«أبي العزيز، أنا أعرف عن التلوث الضوضائي في المدينة، درسناه سابقًا في المدرسة…

قال لنا المعلمون إن التلوث الضوضائي هو الأصوات غير المرغوبة التي تدخل محيطك رغمًا عنك. 

وتسمى تلوثًا لأنها تؤثر سلبيًا في الإنسان وصحته العقلية والجسدية عند التعرض المستمر لها. 

وشرحوا لنا أيضًا أن الضوضاء قد تصدر عن:

  • أعمال البناء.
  • أصوات محركات السيارات وأبواقها.
  • الازدحام المروري.
  • أصوات الطائرات.
  • الموسيقى الصاخبة والحفلات.

وغيرها من المصادر التي تكثر في المدن وخاصة الكبرى منها.»

هز والدي رأسه موافقًا، وقال: «نعم ياولدي، تلك ضريبة التطور التي يدفعها الإنسان من صحته! 

هل تدرك كيف يؤثر التلوث الضوضائي في صحتنا الجسدية والعقلية؟»

تأثير الضوضاء على الصحة والقدرة الذهنية والحالة النفسية

جلست منتبهًا إلى جواره؛ فلم أكن أعلم كيف يؤثر التلوث الضوضائي على صحتنا، بل ولم أكن أعلم أنه بهذه الخطورة!

فلما شعر والدي بانتباهي إلى حديثه، اعتدل شارحًا: «تؤثر الضوضاء على الإنسان من عدة اتجاهات، منها:

  • الصحة الجسدية

وذلك حسب شدة الضوضاء ومدة التعرض لها، فقد تسبب الضوضاء:

  • التأثير على طبلة الأذن ومن ثم فقدان السمع الكلي أو الجزئي -حسب شدة التعرض للضوضاء ومدته.
  • طنين الأذن، وهو سماع رنين مستمر في الأذن.
  • تشير الدراسات إلى أن التعرض المستمر للضوضاء يزيد نسبة الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم؛ 

ذلك لأن الضوضاء تزيد مستوى هرمونات التوتر (مثل الأدرينالين والكورتيزول).

  • في عام 2018، نشرت دراسة تربط بين حدوث تسمم الحمل (ارتفاع ضغط الدم لدى الحوامل متسببًا في حدوث الولادة المبكرة) والتعرض المستمر للتلوث الضوضائي.
  • القدرة الذهنية

سأعرض عليك حقيقة مدهشة: 

هل تعلم أن المخ يواصل تفقد الأصوات من حوله بحثًا عن مصادر الخطر حتى في أثناء النوم؟!

إن الضوضاء تقض مضجعك، وتؤثر في عمق نومك وجودته، وتتسبب في اضطرابات عديدة، مثل:

  • صعوبة البدء في النوم.
  • الاستيقاظ المبكر.
  • عدم قدرتك على البقاء نائمًا.

تخيل أن تقضي يومًا بلا نوم! 

كيف سيؤثر ذلك في مستوى تركيزك ومزاجك العام؟!

ضاعف هذا التأثير شهورًا أو سنوات متتابعة لتعرف كيف يؤثر التلوث الضوضائي على صحتنا الذهنية والعقلية!

  • الحالة النفسية

كما قلت لك: يظل المخ متيقظًا دومًا للأصوات من حوله، لكن ماذا يحدث لو تعرضت للضوضاء باستمرار؟!

يتسبب هذا في إصابتك بالتوتر والقلق، ستشعر أنك على صفيح ساخن دائمًا وستكون سريع الانفعال، وهذا سيشعرك باليأس والإحباط وربما الغضب.

علاقة الضوضاء والصحة النفسية علاقة مدمرة، فكلما زادت الضوضاء شعرت أن حالتك النفسية في تدهور مستمر!»

قاطعته قائلًا: «أبي، لم أكن أتخيل مدى تأثير الضوضاء على البالغين! فما تأثير الضوضاء على الصحة والقدرة الذهنية والحالة النفسية للأطفال إذًا؟!»

أجابني بحزن: «إنهم أكثر تأثرًا بتلك الضوضاء، سأوضح لك…

الضوضاء والأطفال

مع أن الكثير من الأمهات يعانين الضوضاء التي يسببها أبناؤهن في المنزل، فإن الضوضاء الخارجية التي يتعرض لها الأطفال في المدرسة أو الشارع قد تؤثر سلبًا فيهم.

نشرت دراسة عام 2014 عن علاقة التعرض للضوضاء المستمرة مدة ثماني ساعات يوميًا والإصابة بتغيرات دائمة في السمع لدى الأطفال، مظهرة عدم قدرتهم على سماع بعض الأصوات المنخفضة. 

ومن المرجح أن يمتد هذا التأثير إلى أي مرحلة عمرية من الطفولة وحتى المراهقة.

هل تستطيع -كبالغ- العمل في بيئة عمل بها الكثير من الضوضاء؟

تخيل معي طفلًا يُطلب منه التركيز في دراسته وتلقي المعلومات بعقل قد ازدحم بأصوات الضوضاء العالية؛ سواء في بيته أو منزله!

يتعرض الأطفال بسبب الضوضاء للكثير من صعوبات التعلم بسبب:

  • عدم قدرتهم على التركيز من جراء تشتت أذهانهم بين أصوات لا حصر لها.
  • صعوبات التحدث والتواصل.
  • ضعف السمع أو فقدانه لدى بعض الأطفال.
  • يؤثر في الأداء الإدراكي للأطفال.
  • تؤثر الضوضاء في سلوك الأطفال وخاصة في المناطق الفقيرة المزدحمة، يتمثل ذلك في سلوك عدواني يمارسه الأطفال ضد أقرانهم.

لهذا؛ توجد علاقة بين الضوضاء والصحة النفسية للأطفال، فكل تلك الصعوبات تؤثر في سلوك الطفل وتقلل ثقته بنفسه، وتضعف قدرته على إنشاء الروابط الاجتماعية والصداقات.»

أضرار التلوث الضوضائي

تساؤل طرأ ببالي فطرحته على والدي: «هل تؤثر الضوضاء على الإنسان فقط؟»

أجابني: «لقد أوضحت لك سلبيات الضوضاء وأثرها في الإنسان، ولكنه ليس الكائن الحي الوحيد في هذا العالم.

  • أضرار التلوث الضوضائي على الحياة البحرية

سفن تجوب البحار مطلقة أبواقها الصاخبة، وغواصات تستكشف قاع المحيطات بالسونار (الموجات الصوتية)، وحفارات ضخمة لاستخراج البترول من قاع المحيطات…

كل تلك الضوضاء تضر بالحياة البحرية، وأكثر الكائنات البحرية تضررًا الحيتان والدلافين، التي تستخدم حاسة سمعها لتحديد اتجاهها في المحيطات والحصول على الغذاء والتواصل مع بعضها.

يؤدي التلوث الضوضائي إلى اضطراب نظام الحياة البحرية، مؤثرًا في عاداتها الغذائية وطرائق تكاثرها وهجرتها، وقد يصل الأمر إلى نفوقها.

  • أضرار التلوث الضوضائي على الحياة البرية

لست وحدك المخلوق ذا الأذنين، فأغلب الكائنات الحية البرية لديها حاسة سمع قد تفوق ما لدى الإنسان، ومن ثم تتأثر تلك المخلوقات بالتلوث الضوضائي تأثرًا كبيرًا.»

سألته بحيرة: «إذًا يا أبي، هل يمكن حل مشكلة الضوضاء؟»

 حل مشكلة الضوضاء

أجاب أبي: «العديد من الباحثين أجروا دراسات من أجل حل مشكلة الضوضاء وأثرها على الإنسان، وخرجوا ببعض التوصيات للوقاية من مصادر الضوضاء، منها:

  • تقليل الضوضاء من الأجهزة المنزلية.

الأجهزة المنزلية مثل: مكيفات الهواء، والسخانات، وغيرها من الأجهزة التي تحدث ضجيجًا في أثناء الاستخدام؛ أغلقها بعض الوقت للاستمتاع بالهدوء التام.

  • خفض مستوى الأجهزة الصوتية.

مثل: التلفاز والراديو وأجهزة الألعاب الإلكترونية، يفضل استخدامها بمستوى منخفض من التردد من أجل الاستمتاع بها دون الشعور بالإزعاج.

  • استبدل أجهزتك القديمة.

مع مرور الوقت وكثرة الاستخدام تبدأ محركات تلك الأجهزة في إصدار أصوات ضوضاء عالية تؤثر فيك في أثناء استخدامها. 

حاول استبدال تلك الأجهزة عندما يتاح لك ذلك.

  • عوازل الصوت.

تمنع الأصوات العالية من دخول منزلك، وتستخدمها بعض الدول الصناعية كثيرة الضوضاء في أثناء إنشاء المباني لعزل الضوضاء عن قاطنيها.

تزويد منزلك بالستائر والسجاجيد قد يساعد على تخفيف الضوضاء أيضًا.

  • الوقت الهادئ.

أوضحنا علاقة الضوضاء والصحة النفسية؛ لذا حاول أن تجد لنفسك مكانًا هادئًا تتمتع فيه بممارسة الهوايات الهادئة كالقراءة أو التأمل أو الرسم. 

يسهم ذلك في تقليل مستوى التوتر لديك ويحسن حالتك النفسية.

  • استخدام واقي الأذن.

إذا كان لا مفر من التعرض للضوضاء، فإن استخدام واقي الأذن يجعل الأمر محتملًا ويقلل التأثير السيئ للضوضاء. 

من أمثلة واقيات الأذن: سدادات الأذن، وغطاء الأذن.

هذه الإجراءات إذا طبقها الناس في منازلهم فإنها ستسهم في فض الاشتباك بين الضوضاء والصحة النفسية للإنسان، من أجل الاستمتاع بصحة نفسية وعقلية وجسدية أفضل.»

لم أشعر وقتها بأهمية ما كان والدي يناقشه معي، أما الآن فإن علاقة الضوضاء والصحة النفسية أصبح موضوع مقالي الذي أعرضه عليكم، لعلي أفيدكم به، أفتح عيونكم على مصدر من مصادر التوتر في حياتكم قد تغفلون عنه… رغم وقوعكم تحت سلطانه!

المصدر
What are the health effects of noise pollution?Negative Impact of Noise and Noise Sensitivity on Mental Health in ChildhoodNoise Pollution Isn’t Just Annoying — It’s Bad for Your HealthWhat Is Noise Pollution?
اظهر المزيد

Shaymaa Ali

شيماء علي صيدلانية كاتبة محتوى طبي. لا يزال العلم يبهرني بالجديد يوما بعد يوم، أغوص في بحره باحثة عن كنوزه، لأعود بما ينير العقول. أسعى لترسيخ الثقافة العلمية والطبية في مجتمعنا العربي بلغتنا الأم. أمزج في مطبخي "مقالاتي😁" العلم بالأدب في خليط بطعم مميز جاهز لأجلك، فاستمتع به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى