ترياق الحياة الصحية

الطريقة الصحية للتعامل مع الأزمات والمخاوف وبواعث القلق

“لم أعد أحتمل، أنا على حافة الانهيار، أكاد أجن من هول ما رأيت..” 

أتاني صوت صديقتي اليائس متمتمًا بهذه الكلمات عبر الهاتف، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تقص علي فيها بعضًا مما رأت.

تعمل صديقتي بإحدى المستشفيات حيث يُعالج مرضى الكورونا؛ تراهم يتجمهرون أمام باب المستشفى طلبًا للعلاج، ويتساقط بعضهم من شدة الإعياء. 

لم يكن أي منا جاهزًا لاستقبال تحدٍ بهذا الحجم؛ باغتنا واستنزف البقية الباقية من طاقتنا، وأذاقنا مرارة الفقد، وجرّعنا من الخوف والذعر كؤوسًا.

وليته يخبرنا متى الخلاص، ومتى يظهر الضوء في آخر النفق معلنًا نهاية العذاب، ولكن لا أحد يملك الجواب!

إذًا، فلنتحدث اليوم عن الطريقة الصحية للتعامل مع الأزمات والمخاوف وبواعث القلق ؛ ما هي الأزمات النفسية وكيف تتصرف إذا نزلت بك نازلة وعجزت عن الفرار؟

ما هي الأزمات النفسية؟

لنتوصلَ إلى الطريقة الصحية للتعامل مع الأزمات والمخاوف وبواعث القلق ، لابد لنا أن نفهمَ ما هي الأزمة النفسية، وكيف تنشأ.

هناك العديد من النظريات التي تحاول وضعَ تعريف محدد للأزمات النفسية وشرح أسبابها.

المفهوم الأول

من النظريات ما يُعرِّف الأزمة بأنها مشكلة عويصة تواجه الفرد فجأة، ويجد نفسه عاجزًا عن حلها بما أوتي من مهارات ومعلومات، مما يورثه شعورًا باليأس.

وترى هذه النظرية أن الفرق بين الأزمة والضغط النفسي يكمن في كون الأزمة طويلةَ المدى لا يستطيع الفرد منها خلاصًا، ولا يملك سبل مواجهتها بعد. 

ونتيجة لذلك، تضع الأزمة الفرد أمام تحدٍ غيرِ معهود، فإما أن يتعلمَ طرقًا جديدة لمواجهتها فينجحُ في تخطيها، أو أن يجرفَه تيارُ إحساسه بالعجز وقد يصاب باضطراب نفسي.

المفهوم الثاني

إن الأزمة هي اختلال التوازن بين المشكلة وقدرة الفرد على حلها؛ إذ يفوق حجم المشكلة الموارد المتاحة لمواجهتها، فيقع فريسة للهم والحزن والتوتر والارتباك والقلق.

وتتطلب الأزمات -عادة- اتخاذ بعض القرارات المهمة أو الحاسمة، إلا أن الفرد لا يستطيع التفكير بصورة منمقة، ولا يمكنه التنبؤ بعواقب قراراته.

المفهوم الثالث

هل ترتبط الأزمات النفسية بالكوارث الجماعية -كالأوبئة والحروب- فحسب؟ الإجابة: لا.

يمكن أن يختلفَ شكل الأزمة من شخص لآخر؛ إذ يتوقف الأمر على تصور الشخص نفسِه عن المشكلة وعن قدرته على حلها، ويتوقف كذلك على قدرته على التكيُّف مع الأحداث الصادمة أو المفاجئة.

أي إن فقدان شخص عزيز، أو التعرض لحادث أليم، أو حتى الفصل من العمل، قد يُمثِّل أزمة نفسية لبعض الأشخاص، ويعجز عن التكيف بطريقة سليمة.

ما هي أنواع الأزمات النفسية؟

تشرح بعض النظريات أنواعًا مختلفة من الأزمات النفسية، منها على سبيل المثال ما يلي:

أزماتُ النمو النفسي والاجتماعي

تفترض هذه النظرية أن حياة الإنسان ما هي إلا مجموعة متعاقبة من المراحل الانتقالية والأزمات، ويعتمد نمو الإنسان النفسي والاجتماعي على نجاحه في تخطي هذه المراحل والأزمات بنجاح.

وقد تمثلُ الأمورُ الحياتية العادية، مثل: الزواج والإنجاب والتخرج والبحث عن وظيفة، مجموعة من الأزمات المتوقعة، فيحاول المرء اكتساب مهارات ومعلومات جديدة ليتمكن من تخطي هذه التحديات.

وقد ينشأ المرء في بيئة لا توفر الاحتياجاتِ اللازمةَ لنموه النفسي، فيعجز عن التكيف مع الأزمات وتظهر لديه بعض الاضطرابات النفسية.

أزمات ظرفية

تعد الأزمات الظرفية من أكثرِ أنواع الأزمات النفسية شيوعًا، وقد تتطلب استشارة نفسية ليتمكنَ المرء من تخطي الضرر الذي تحدثه، ومواصلة حياته بصورة طبيعية.

تشمل هذه الأزمات الكوارث الطبيعية كالأوبئةِ، والحروب، والاعتداء الجنسي، وحوادث المرور، وفقدان شخص عزيز.

أزمات وجودية

ربما سمعتَ قبلًا أن أحدهم يمر بأزمة منتصف العمر، وربما أخبرك أحدهم قبلًا إنه لا يجد معنى لحياته.

تعد تلك واحدةً من الأزمات الوجودية التي تنشأ عندما يلتفت المرء وراءه ليتحسر على ما فاته، وعلى ما ضاع من عمره دون أن يحققَ ما كان يرجوه ويطمحُ إليه.

وقد يجد البعض صعوبة في تخطي هذه الأزمة، فيزهد عن الحياة ذاتها، وقد يقدم على الانتحار.

الطريقة الصحية للتعامل مع الأزمات والمخاوف وبواعث القلق

العلامات التي تشير إلى مرور الفرد بأزمة نفسية

يعد التغير المفاجئ في تصرفات الشخص دليلًا واضحًا على وجود مشكلة ما، فعلى سبيل المثال:

  • إهمال الشخص لمظهره ونظافته الشخصية فجأة.
  • اضطرابُ مواعيد نومه؛ فقد يصيبه الأرق، أو يعاني كثرة النوم.
  • خسارة أو زيادة مفاجئة في وزنه.
  • تدني مستواه الدراسي أو المهني على غير المعتاد.
  • تقلبٌ حادٌ في حالته المزاجية كالحزن وسرعة الغضب.
  • الانسحابُ من الحياة الاجتماعية والميل إلى العزلة.

كيف تتكيَّف مع الأزمات النفسية والضغوطات؟

  1. لا تحمّل نفسك فوق طاقتها: ليس مطلوبًا منك أن تحمل عبء العالم على كتفيك، وأخبر نفسك بأن كل مُرٍّ سيمُرّ.
  2. لا تقبل مسئوليات إضافية:

أنت في حاجة للراحة، فلا بأس إن قررت أن يكون إنجازك الوحيد اليوم هو بقاؤك على قيد الحياة.

  1. كن على دراية بمشاعرك:

 من الطبيعي أن يتملكك الغضب إن خسرت عملك، أو مررت بإحدى الأزمات المالية، ولكن أخبر نفسك أن الأمر  ليس بالسوء الذي يبدو عليه، وأنك ستجد حلًا عما قريب.

  1. افتح قلبك:

 تحدث مع شخص تثق به -كفرد من عائلتك أو صديق مقرب- عما تقاسيه، لعله يستطيع مداواة قلبك بكلماته والتخفيف عنك.

  1. حاول الاسترخاء: 

استعن ببعض تمرينات التنفس العميق، أو بحمام دافئ مريح، أو ببعض جلسات التأمل، لتهدئَ أعصابَك.

  1. حافظ على نمط حياة صحي:

 تناول طعامًا صحيًا، ونل قسطًا كافيًا من النوم، ومارس رياضة خفيفة.

  1. التزم بالتعليمات والإرشادات:

 تتولى المنظمات العالمية والمحلية مهمة إصدار إرشادات من شأنها الحفاظ على سلامتك من الأوبئة.

  1. عبر عن مشاعرك:

 يمكن لهواية مفيدة -كالرسم والكتابة- أن تساعدك على ترتيب أفكارك وفهم مشاعرك.

  1. هوِّن على نفسك:

 إذا مررت بصدمة قاسية -كالاغتصاب- لا تستسلم للإحساس بالذنب، فلم تكن تلك غلطتك، ولست مُلامًا على ذنب غيرك.

  1. تحدث مع معالج نفسي:

 إذا لم تتمكن من مواجهة هذه التحديات بمفردك، فيمكنك الحصول على استشارة نفسية.

كيف تساعد شخصًا يمر بأزمة نفسية؟

  1. أنصِت إليه:

 دعه يخبرك عما يعانيه، وامنحه مساحة آمنة للتعبير عن شعوره دون أن تصدر أحكامًا قاسية عليه أو تنتقص منه.

  1. واسِه وارفع من روحه المعنوية:

 ربما لا تملكُ حلًا مباشرًا لمشكلته، ولكن يمكنك التخفيفُ عنه بكلمات بسيطة مشجعة.

  1. قدم له يد العون: 

إن عجز عن تأدية بعض مهامه المطلوبة، حاول مساعدته وتخفيف العبء عنه قدر استطاعتك.

  1. شجعه على طلب المساعدة:

 إذا ظهرت لديه ميول انتحارية أو تعمَّد إيذاء نفسه، فيجب أن تشجعه على استشارة طبيب نفسي متخصص فورًا.

مراحل إدارة الأزمات النفسية

وفقًا لنظرية التدخل في الأزمات، تمر خطة العلاج بالمراحل التالية:

  1. التقييمِ النفسي والاجتماعي:

 يتعرف المعالج المختص على الضغوطات والمخاطرِ التي يواجهها الفرد، وحالته الصحية، ويقيّم أيَّ ميول انتحارية.

  1. مدَّ جسورَ  الثقة مع المريض:

 يشجع المعالج مريضه على التحدث عن مخاوفه، دون أن يقلل من شأنه أو يحكم عليه.

  1. تحديدِ الأسباب المؤدية لظهور الأزمة:

 يبحث المعالج المختص عن جذور المشكلة، ولا يكتفي بالقشة التي قصمت ظهر البعير.

  1. تقييمِ ردود الأفعال تجاه المشاعر والانفعالات:

 قد يسأل المعالج بعض الأسئلة التي من شأنها مساعدته على فهم ردود أفعالك.

  1. البحثِ عن الحلول البديلة:

 يساعدك المعالج المختص -في جلسات من العصف الذهني- على التفكير في حلول وأساليب محتملة لتخطي الأزمة.

  1. تنفيذِ الخطة العلاجية المتفق عليها:

 قد يتفق المعالج المختص معك على طرق لتقليل العزلة -كأن تتواصل مع أسرتك- ويتابع تطورك خلال مدة زمنية معينة.

وأخيرًا، يا صديقي العزيز، بعد أن عرفت الطريقة الصحية للتعامل مع الأزمات والمخاوف وبواعث القلق ، اسمح لي أن أختم مقالنا اليوم بأبيات للإمام الشافعي، علّها تطمئنُ قلبَك: 

ولرب نازلة يضيق بها الفتى … ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها … فُرِجَت وكنت أظنها لا تُفرَج

المصدر
Psychological crisis: types and causesTips on how to cope with a crisis or trauma How to get out of crisisCrisis theory: A definitional studyThe concept of crisisCoping during a crisisErik Erikson’s stages of psychological developmentThe Seven-stage crisis intervention model
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق