ترياق الطفل

الطفل الذي تعرض للصدمة – كيف أنسى هذا اليوم؟!

“ما زلت أتذكر ذلك اليوم عندما اشتعلت النيران في بيتنا وكنت طفلًا ذا الثماني سنوات.

كانت النيران تلتهم ما حولها، وتمحو معها ذكرياتنا السعيدة في كل ركن من بيتنا.

لم أنسَ هذا اليوم أبدًا وأنا وحدي بالمنزل والرعب يتسلل بداخلي، لكن استطاع أبي إنقاذي دون أن يُصيبني مكروه.

على الرغم من نجاتي، إلا أني خرجت من هذه الحادثة شخصًا آخر؛ أصبحت الكوابيس المفزعة زائري اليومي، وتُصاحبني آلام مزمنة كالصداع وألم المعدة، فضلًا عن فقدان رغبتي في ممارسة هواياتي.

انخفض مستواي الدراسي، وأصبح مزاجي متقلبًا بشكل ملحوظ.”

تُظهر القصة معاناة طفل من اضطراب ما بعد الصدمة.

سنتناول عزيزي القارئ أهم المسببات المؤدية هذا الاضطراب، وأثر الصدمة النفسية في الطفل، والحلول الممكنة للتغلب على هذا الاضطراب منعًا لتفاقم المشكلة.

ما أبرز الحوادث المُسببة لاضطراب ما بعد الصدمة؟

كل حدث يشهده الطفل فيهدد حياته ويُعرضه للعنف ويُروعه يندرج تحت الأحداث الصادمة المؤدية إلى هذا الاضطراب، وتشمل:

  • حوادث شديدة الخطورة تهدد الحياة كالغرق أو الحريق. 
  • الحروب التهجير القسري.
  • الفقدان المفاجئ لشخص مُقرب.
  • العنف الأسري بكافة أشكاله.
  • الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات.
  • الاعتداءات الجسدية والجنسية على الطفل.

تأثير الصدمة النفسية على الأطفال سلوكيًا وشعوريًا

يشهد الطفل الذي تعرض للصدمة شعورًا قويًا بالخوف والضياع. وإذا تعرض لصور أو استمع لتجارب تشبه تجربته، يُصاب بالهلع وتخبط المشاعر.

تختلف استجابة الطفل الذي تعرض للصدمة وفقًا لنشأته وعمره ومدى تعرضه للصدمات؛ فمنهم من يتعافى تدريجيًا من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، ومنهم من تستمر هذه الأعراض معه وتؤثر سلبًا على عواطفه وقدراته العقلية وصحته.

إليك أهم الأعراض التي تظهر على الطفل الذي تعرض لصدمة وفقًا لعمره:

الطفل من سن سنتين إلى ٥ سنوات:

  • تشبث الطفل بأهله، ورفضه التعامل مع أي شخص آخر.
  • ظهور الخوف على تعبيرات وجهه.
  • الصراخ والبكاء باستمرار.
  • سلوكه تصرفات تَنُم عن اضطراب نفسي، مثل مص الإبهام والتبول اللا إرادي.

الطفل من سن ٦ سنوات إلى ١١ سنة:

  • الانعزال اجتماعيًا عن العائلة والأصدقاء، وفقدان الشغف نحو هواياته.
  • رؤية كوابيس مزعجة؛ ما يؤدي إلى  الأرق.
  • انخفاض مستوى الطفل الدراسي.
  • الشكوى من آلام جسدية كالصداع، وألم المعدة.
  • الشعور الدائم بالذنب.
  • الاكتئاب.
  • الشعور بالخوف غير المبرر تجاه مواقف طبيعية.

الطفل من سن ١٢ إلى ١٧ سنة:

  • كثرة تذكر الحادث، وتكرار الكوابيس.
  • حرصه على تجنب الحديث عما مر به.
  • الميل إلى إدمان الخمر، أو النيكوتين، أو الأدوية المخدرة.
  • التصرف بعدوانية وقلة تقدير لمن حوله.
  • الشعور بالوحدة.
  • مراودته الأفكار الانتحارية.

تأثير الصدمة النفسية في الدماغ

تأثير الصدمة النفسية على الدماغ

توصلت دراسات عدّة إلى العلاقة بين الصدمة النفسية والنمو العقلي للطفل الذي تعرض للصدمة حيث اُكتشف أن ارتفاع هرمون الكورتيزول يؤثر على مناطق عدة بالمخ ما يترتب عليه:

١. خلل في نشاط “منطقة بروكا” المسؤولة عن  إنتاج الكلام؛ مما يُفسر فقدان الطفل القدرة على شرح ما مر به بالتفصيل.

٢. صغر حجم “قرن آمون” المسؤول عن التعلم والذاكرة والانتباه؛ ما يفسر انخفاض المستوى الدراسي وانتباه الطفل.

٣. تغير في وظائف “اللوزة الدماغية” المسؤولة عن الاستجابة العاطفية؛ ما يُفسر ردود الفعل المُبالغ فيها للمؤثرات العصبية وفقدان القدرة على التحكم بالعواطف.

٤. خلل في المنطقة المتعلقة بالمكافأة “النواة المتكئة”؛ ما يُفسر فقدان الشغف نحو ما يحبه.

أثر الصدمة النفسية على الأطفال صحيًا

لا تسلم الصحة الجسدية للطفل من اضطراب ما بعد الصدمة؛ إذ يقلل هذا الاضطراب من كفاءة جهاز المناعة عن طريق ضمور الغدد الليمفاوية والطحال، وتحفيز هرمون التوتر المعروف بـ “الكورتيزول”.

المناعة هي درع الحماية للطفل، وبتدهورها يصبح الطفل الذي تعرض للصدمة أكثر عرضة للأمراض، وأهمها:

  • أمراض القلب.
  • داء السكري.
  • نوبة الربو.
  • أمراض المناعة الذاتية.
  • العدوى الفيروسية والبكتيرية.

دوركما كأب وأم فارق في حياة طفلكما

دور الأم والأب

إذا مر -عزيزي القارئ- طفلك بتجربة صادمة أثارت مخاوفه وقلقه، فبالتأكيد أنت مصدر الأمن له وأنت من يستطيع نزعه سريعًا من آثار ما مر به.

دعمك لطفلك وطمأنته بأن كل شيء على ما يرام وأنك بجانبه مهما حدث، يمده بقوة هائلة لمواجهة مخاوفه ويُعجل بمُعافاته.

إليك عزيزي القارئ نصائح مُقدمة من خبراء الصحة النفسية في كيفية التعامل مع طفلك الذي تعرض للصدمة:

١. امنح طفلك الشعور بالأمان:

ليس هناك أفضل من التواصل الجسدي بينك وبين طفلك؛ ليُشعره بالأمان والدفء بعد ما تعرض له من تجربة مؤلمة.

احضن طفلك، وقبله، وربِّت على كتفيه وأثنِ عليه بعبارات ترفع من معنوياته لكونه شجاعًا أو لأنه أحسن التصرف.

٢. حافظ على هدوئك قدر الإمكان:

طفلك كالإسفنج يمتص مشاعرك؛ فاحرص على تجنب التعبير عن مخاوفك أمامه، وانتبه لنبرة صوتك وتعبيرات وجهك في أثناء حديثك معه، فطفلك ذكي وسينتبه لما بداخلك.

٣. حافظ على روتين يومي لطفلك:

وضعُ جدولٍ ثابت بأنشطة طفلك من تحديد ساعات النوم والطعام وتحصيل الدروس والترفيه، يجعل حياته أكثر تنظيمًا ويبعث بداخله الأمان.

٤. أبعِد طفلك عن كل ما يُذكره بالحادث:

قد يفتح طفلك الذي تعرض للصدمة التلفاز فيرى مشهدًا يُشبه ما تعرض له، وقد يرى صورًا في الجرائد أو على الهاتف تُذكره بالحادث الأليم.

لتفادي هذا الأمر؛ راقب جيدًا كل ما يشاهده طفلك أو يسمعه -على الأقل في المدّة الأولى بعد الحادث.

٥. تفَهم احتياجات طفلك:

يختلف تأقلم الطفل الذي تعرض للصدمة حسب شخصيته؛ قد يميل طفل إلى قضاء وقت اللعب مع أصدقائه أو أطفال العائلة، بينما يميل آخر إلى قضاء الوقت بمفرده.

قد يُعبر بعض الأطفال عن حزنهم وغضبهم بالبكاء، و يكتفي آخرون بالصمت.

٦. كن مستمعًا جيدًا لطفلك:

إنصاتك لطفلك دون مقاطعته -مع الحفاظ على هدوئك- يُمكنك من فهم رؤية طفلك لما مر به، واكتشاف ما ضايقه أو آذاه من تلك التجربة.

أعطِ لطفلك انطباعًا أنه مهما عبر لك عن شعوره فإنك ستساعده؛ حتى يستفيض في حديثه معك.

٧. ساعد طفلك على الاسترخاء:

إذا وجدت طفلك متوترًا في أثناء حديثه معك، اطلب منه أن يشاركك تمرين التنفس بعمق، وستلاحظ أن قلقه سيقل تدريجيًا.

٨. اختَر المكان المناسب للحديث مع طفلك:

إذا أردت التحدث مع طفلك، اختَر مكانًا هادئًا ومفتوحًا ذا منظر مبهج كحديقة أو شاطئ؛ ليساعده على الاسترخاء والكلام.

كيفية علاج الطفل الذي تعرض للصدمة

إذا لم يتحسن طفلك خلال عدة أشهر بعد الحادث، ولم تُجدي النصائح السابقة معه، هنا يحتاج الطفل إلى التدخل العلاجي، ويشمل:

١. العلاج السلوكي المعرفي للصدمات:

يشمل مهارات تمكن طفلك من تجاوز الصدمة، ألا وهي: مهارات الاسترخاء، ومهارات التحكم في المشاعر، ومهارات حل المشاكل.

٢. العلاج الدوائي:

يلجأ الطبيب إلى العلاج الدوائي كحل أخير بجانب العلاج السلوكي، من أشهر الأدوية المستخدمة في علاج الطفل الذي تعرض للصدمة:

  • مثبطات امتصاص  السيروتونين -وخاصة السيتالوبرام.
  • منشطات الجهاز العصبي المركزي؛ لعلاج قلة الانتباه وضعف الذاكرة.
  • منبهات ألفا؛ لعلاج فرط الإثارة الحسية.
  • مجموعة البنزوديازبين؛ لعلاج القلق والتوتر.

في النهاية، أثر الصدمة النفسية في الأطفال شديد الخطورة، وانتباهك له في بداياته و ذكاؤك في احتواء طفلك وفهم ما يشعر به يُعجل من تجاوزه هذه الصدمة.

المصدر
Helping Children Cope After a Traumatic EventChildhood trauma and the brainHelping Children Cope with Traumatic Events
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق