مفاهيم ومدارك

العزلة الاجتماعية | الأسوار العالية!

أصبحت وحيدًا…

كنت صغيرًا عندما انفصل والداي، وتحطم بيتي الهانئ، وملاذي الآمن…

وفجأة، وجدت نفسي غارقًا في النزاعات التي اندلعت بين والديَّ للفوز بالوصاية عليَّ؛ نزاعات هدفها الانتقام من الطرف الآخر وليس الاهتمام بي!

وهنا، شعرت باليأس والإحباط، ووجدت نفسي وحيدًا رغم صغر سني، وصرت أفضل العزلة والابتعاد عن الآخرين خشية أن يأتي اليوم الذي يتركونني فيه.

ومرَّت السنوات، ولا زلت أعاني العزلة الاجتماعية، وأعجز عن التواصل مع الآخرين، وأشعر بالوحدة سواء كنت وحدي أو محاطًا بالآخرين.

كانت تلك العزلة اختياري في بادئ الأمر، ولكن الآن أشعر أنها باتت شيئًا مفروضًا عليَّ!

وما زاد الطين بلة هو إصابتي مؤخرًا بالقلق الاجتماعي، فهل سأقضي سنوات حياتي المقبلة وحيدًا ومعزولًا عن الآخرين؟ أم لم يفت الآوان لإنقاذي مما أعانيه؟!

سنتحدث في هذا المقال عن:

  • تعريف العزلة الاجتماعية.
  • فوائد العزلة الاجتماعية وتأثيرها في الصحة.
  • العزلة الاجتماعية عند الأطفال.
  • العزلة الاجتماعية عند الشباب.
  • علاج العزلة الاجتماعية.

تعريف العزلة الاجتماعية

تُعرَف العزلةُ الاجتماعية بأنها “غياب العلاقات الاجتماعية، مع عدم القدرة على التواصل مع الآخرين”.

وهي تختلف عن الشعور بالوحدة؛ فالعزلة الاجتماعية تشير إلى قلة -أو ندرة- الاتصالات الاجتماعية التي يتمتع بها المرء، وافتقاره إلى مهارات التواصل مع الآخرين، وتكوين صداقات جديدة.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

بينما الوحدة هي ذلك الشعور المؤلم الذي يغمر الإنسان الذي يبتعد عن الآخرين، وينعزل عنهم.

وليس بالضرورة أن تشعر بالوحدة بسبب العزلة الاجتماعية؛ فهناك كثيرون يشعرون بالوحدة رغم تواجدهم بين الآخرين.

قد يختار بعض الأشخاص العزلة والابتعاد عن الآخرين؛ فهم يفضلون قضاء الوقت بمفردهم. 

ولكن هناك مَنْ فُرِضت عليهم العزلة إثر وفاة أحد المقربين، أو الانتقال بعيدًا عن الأهل والأصدقاء، وهؤلاء الأشخاص هم أكثر عرضة للشعور بالوحدة والألم النفسي.

ليست العزلة الاجتماعية حالة مرضية بحد ذاتها، ولكنها قد تكون أحد الأعراض التي تشير إلى الإصابة بأحد الأمراض العقلية، مثل: الاكتئاب، أو القلق الاجتماعي، أو الرهاب.

أنواع العزلة

هناك نوعان من العزلة، ويصف كلاهما رغبة الإنسان في الانفراد بنفسه والابتعاد عن الآخرين، وهما:

العزلة الاجتماعية

وهنا، يفضل الإنسان عدم مغادرة المنزل، ويفقد متعته في الخروج أو التنزه، ويصبح التواصل مع الآخرين شيئًا مخيفًا عليه تجنبه.

تؤثر العزلة الاجتماعية في علاقاتك بالآخرين، وقد تدفعهم إلى الابتعاد عنك عندما ترفض الانضمام إليهم في تجمعاتهم وأنشطتهم.

العزلة العاطفية

تشير العزلة العاطفية إلى عدم الرغبة في تكوين صداقات جديدة، وتجنب التواصل الاجتماعي مع الآخرين.

يكبت الشخص الذي يعاني العزلة العاطفية مشاعره داخله، ولا يتخلى عن حذره، ولا يسمح للآخرين بالاقتراب منه أو التعرف إليه.

قد يرتبط هذا الشخص بعلاقة اجتماعية طويلة الأمد، مثل الزواج، ولكنه يعزل نفسه عاطفيًا عن شريك حياته؛ وهو ما يؤثر في طبيعة تلك العلاقة.

أسباب العزلة الاجتماعية

عادة ما تكون العزلة الاجتماعية عرضًا لإحدى المشكلات العقلية الأخرى، ولكن هناك بعض العوامل التي تسبب العزلة الاجتماعية، وهي:

  • الإعاقة الجسدية.
  • الشعور بالخجل من المظهر الخارجي.
  • بعض المشكلات الصحية، مثل: اضطرابات الأكل.
  • البطالة، والشعور بعدم تقدير الذات.
  • الفجيعة لوفاة أحد المقربين.
  • الانتقال بعيدًا عن الأهل والأصدقاء.
  • العنف المنزلي.
  • الظروف الاقتصادية.
  • انتشار الأوبئة.

قد تؤدي تلك الأسباب وغيرها إلى شعور الإنسان بالإحراج، فيعجز عن مواجهة الآخرين؛ وهو ما يؤدي في النهاية إلى اختياره العزلة الاجتماعية، وفرضها على نفسه.

أعراض العزلة الاجتماعية

هل تعاني العزلة الاجتماعية أم لا؟ إن لم تكن متأكدًا من الإجابة، فاسأل نفسك هل تعاني أيًّا من الأعراض الآتية عندما يتحتم عليك لقاء الآخرين؟

  • تجنب المواقف الاجتماعية والأنشطة التي لطالما استمتعت بها من قبل.
  • إلغاء الخطط الاجتماعية في اللحظات الأخيرة، والشعور بالارتياح لعدم الاضطرار إلى الخروج من المنزل.
  • الشعور بالرهبة والقلق في المناسبات الاجتماعية.
  • اختلاق الأعذار والحجج لإلغاء الخطط، بل وتجنب وضع تلك الخطط منذ البداية.
  • الإصابة ببعض الأعراض الجسدية عند مواجهة موقف اجتماعي، مثل: تسارع ضربات القلب، والدوار، وصعوبة التنفس، وفرط التعرق، والغثيان، وفقدان الشهية.
  • الإصابة بنوبات هلع متكررة -أو مواجهة صعوبة في النوم- عند التفكير في التواصل الاجتماعي مع الآخرين.

فوائد العزلة الاجتماعية

نحتاج إلى الانفراد بأنفسنا والاختلاء بها من وقت لآخر، كي نشحن طاقتنا ونشحذ هممنا من جديد؛ فنحن بحاجة إلى الاسترخاء والراحة من وقت لآخر.

يمنحك الانفراد بنفسك الوقت الذي تحتاجه لتصفية ذهنك من المشتتات، والتفكير بطريقة أكثر وضوحًا.

تساعدك العزلةُ الاجتماعية أحيانًا على التفكير بحرية أكثر دون مقاطعة الآخرين، والتعبير عن نفسك بشكل أفضل، وتمنحك أيضًا الوقت الذي تحتاجه لتضغط على زر الإبداع في دماغك؛ لتتدفق منه الأفكار الخلاقة.

يساعدك الانفراد بنفسك على تقييم علاقاتك بالآخرين، وتقديرك للعلاقات الاجتماعية القوية التي تحظى بها، وتمنحك الوقت الذي تحتاجه للتفكير في تقوية الروابط التي تجمع بينك وبينهم.

تأثير العزلة الاجتماعية في الصحة

تسبب العزلةُ الاجتماعية الكثير من التأثيرات السلبية في الصحة، وتشمل تلك المخاطر الإصابة بـ:

  • الاكتئاب.
  • ارتفاع ضغط الدم.
  • أمراض القلب.
  • السمنة والبدانة.
  • ضعف جهاز المناعة.
  • القلق والتوتر.
  • التدهور المعرفي.
  • ألزهايمر.
  • الوفاة.

الأشخاص الذين يتعرضون إلى العزلةِ الاجتماعية بشكل مفاجئ -إثر وفاة أحد المقربين، أو التقاعد، أو الابتعاد عن الأهل والأصدقاء- أكثر عرضة للإصابة بتلك الآثار الصحية.

العزلة الاجتماعية عند الأطفال

رجَّحت إحدى الدراسات الحديثة أن العزلةَ الاجتماعية عند الأطفال تسبب ضررًا في جزء الدماغ الذي ينظم السلوك الاجتماعي في مرحلة البلوغ.

وفي حين أن العزلةَ الاجتماعية قصيرة المدى ذات تأثير ضئيل في صحة الأطفال النفسية، فإن العزلة طويلة المدى قد تسبب الكثير من المخاطر.

تُعَدُّ التنشئة الاجتماعية جزءًا حيويًا من نمو الطفل، لمساعدته على التواصل مع الآخرين، والتمتع بالمهارات الاجتماعية التي يحتاجها لبناء علاقات مع مَنْ حوله.

وقد عانى الكثير من الأطفال مؤخرًا العزلة َالاجتماعية، إثر الإجراءات الاحتياطية التي اتخذها الكثير من الآباء بسبب تفشي وباء كوفيد-19.

لذا، ينبغي التواصل المستمر مع الأطفال، ومناقشتهم حول مشاعرهم وأفكارهم، لمساعدتهم على التأقلم.

العزلة الاجتماعية عند الشباب

يميل الكثير من الشباب في مرحلة المراهقة إلى العزلةِ الاجتماعية والابتعاد عن الآخرين.

وعادة ما يكون المراهقون أكثر حساسية للتحديات الاجتماعية. لذا، يجب تنمية شعورهم بالانتماء لعائلاتهم، أو للمدرسة، أو غيرها من الكيانات الهادفة.

تؤثر العزلة الاجتماعية عند الشباب سلبًا في صحتهم العقلية والبدنية وتفوقهم الأكاديمي، وتشمل الآثار السلبية للعزلة الاجتماعية:

وتزداد حدة تلك الآثار السلبية في المراهقين الذين يتعرضون إلى التنمر جرَّاء اختلافهم عن الآخرين بسبب: المظهر الخارجي، أو الإعاقة الجسدية، أو العرق واللون في بعض المجتمعات، أو المعتقدات الدينية.

ولذلك، يجب التدخل في مرحلة المراهقة لتقليل العزلةِ الاجتماعية وإنهائها، قبل أن تتجلى في سلوكات أكثر خطورة، مثل: إيذاء النفس أو العنف المجتمعي.

علاج العزلة الاجتماعية

إن كنت تعاني العزلةَ الاجتماعية، فلا تتجاهل ما تشعر به، ولا تتردد في استشارة الطبيب، كي يساعدك على التعافي والاستمتاع بحياتك من جديد.

هناك العديد من الخيارات الفعالة لعلاج العزلةِ الاجتماعية، ولكن سنذكر منها الأكثر فاعلية:

العلاج السلوكي المعرفي

يساعد العلاج السلوكي المعرفي المريض على فهم مشاعره وأفكاره السلبية، ويساعده على استبدالها بأخرى إيجابية، ويساعده أيضًا على اكتشاف المخاوف التي يشعر بها، ويتعلم كيفية التعامل معها.

ويوفر العلاج السلوكي المعرفي للمريض أدوات عملية تُمكِّنه من التعامل مع العزلةِ الاجتماعية التي يشعر بها.

العلاج بالتعرض

يُعَدُّ هذا النوع من العلاج فعالًا لعلاج العزلةِ الاجتماعية. وهنا، يتعرض المريض -تدريجيًا وبشكل متكرر- لما يسبب له القلق والتوتر.

ومع التعرض المستمر لمسببات القلق، فإنها تفقد قوتها؛ وهو ما يساعد المريض على مواجهة مخاوفه مستقبلًا.

كلما تجنب المريض المناسبات الاجتماعية، زاد شعوره بالوحدة. لذا، قد تساعد تقنيات العلاج بالتعرض المريض -جنبًا إلى جنب مع العلاج السلوكي المعرفي- على عيش حياة خالية من العزلةِ الاجتماعية.

قد تصبح العزلةُ الاجتماعية عائقًا يمنعك عن عيش حياتك والاستمتاع بها، بل قد تصيبك بالكثير من المشكلات الصحية التي تهدد حياتك.

لذا، إن كنت تعاني العزلة َالاجتماعية، فلا تستسلم لتلك الأسوار العالية التي تبنيها من حولك لتبقيك بعيدًا عن الآخرين؛ فالحياة دون الأهل والأصدقاء فارغة وخاوية لا معنى لها ولا هدف!

تمنحك تلك العلاقات القوية القدرة على مواجهة الصعوبات والضغوطات، لذلك لا تتردد في استشارة الطبيب.

المصدر
Being Alone: The Pros and Cons of Time AloneWhat is Social Isolation?Impact of Isolation on Childhood DevelopmentSocial isolation, loneliness in older people pose health risks
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى