مفاهيم ومدارك

العطاء | فاقد الشيء يعطيه!

الحرمان والعطاء، كلمتان مختلفتان إلا أنهما متشابهتان، فكل منهما مرآة للأخرى؛ لما تحتويه من مشاعر وأحاسيس معبرة.

قد يكون الحرمان هو طريقك إلى العطاء! 

فأن تعطي شيئًا كنت تتمنى الحصول عليه لأحد آخر، ورؤية السعادة على وجهه؛ هو أمر في غاية الجمال يبعث السعادة والطمأنينة في قلبك.

«فاقد الشيء يعطيه» 

هل سمعت هذه المقولة من قبل؟ قد تكون سمعتها في صغرك من جدتك أو والدتك، ولم يعترك الفضول لتعرف ما تعنيه.

مجرد كلمة عابرة سمعتها من الآخرين إلا أنها بقيت في ذهنك، واستوقفتك للتمعن في معانيها. كلمة صغيرة لكن تحمل في طياتها قصصًا وحكايات كثيرة.

أيها القارئ، دعني أعرض لك نماذج حقيقية لشخصيات كان هدفها إسعاد الآخرين من واقع تجربة عاشوها في حياتهم وأثرت فيهم.

  • مجدي يعقوب

«من رحم المِحنة تولد المنحة»… عبارة لخصت المأساة التي عاشها الدكتور مجدي يعقوب، من فقدانه لعمته التي كانت بحاجة شديدة إلى عملية جراحية في القلب إلى جراح قلب مشهور.

هذه الأزمة كانت بمثابة الحافز الذي جعله يتخصص في هذا المجال الطبي وينقذ حياة البشر الذين يموتون بسبب أمراض القلب.

  • لويس برايل: 

المكفوف الذي أضاء حياة المكفوفين، صاحب طريقة برايل في الكتابة. ابتكر هذه الطريقة لمساعدة الأشخاص المصابين بالعمى على القراءة كغيرهم من الأشخاص العاديين.

فقدانه البصر دفعه إلى ابتكار طريقة تنير أبصار ملايين المكفوفين. برايل ليست مجرد طريقة، بل نقلة حقيقية في حياة من فقدوا أبصارهم وهو أولهم.

هناك قصص كثيرة تحمل في جعبتها النشوة والسعادة عند العطاء للآخرين، ومن بين هذه القصص قصة غاندي وفردة الحذاء

في يوم مزدحم كان يسير (غاندي) مسرعًا للحاق بالقطار، وبسبب استعجاله وقعت فردة الحذاء الأولى على الرصيف، فما كان منه إلا أن رمى الفردة الثانية بجوار الأولى! 

تعجَّب أصدقاؤه من تصرفه كثيرًا، وسألوه: “لمَ فعلت ذلك؟!”، فكان رده حكيمًا: “أحببت للفقير الذي يجد الحذاء أن يجد فردتين فيستطيع الانتفاع بهما، فلو وجد فردة واحدة فلن تنفعه ولم تكن لتنفعني الفردة الأخرى.” 

أراد (غاندي) أن يُعلم أصدقاءه أنه إذا فاتنا شيء، فقد يذهب إلى غيرنا حاملًا معه السعادة. 

فكم هو جميل أن نحول المحن التي تعترض حياتنا إلى منح وعطايا تُدخل البهجة على قلوب الآخرين! 

«فاقد الشيء يعطيه» 

عبارة تجدها في سلوكات الناس من حولك، في أخلاقهم وتصرفاتهم؛ في ابتسامة طفل صغير لإنسان محتاج، في فرحة أطفال بملابس العيد الجديدة.

استوقفتني عبارات من كتاب يشرح معنى العطاء بكلمات بسيطة… 

يقول الكتاب إن العطاء قد يبلغ درجات النبل، بأن تعطي بسخاء؛ خوفًا من رؤية ما فقدته يتكرر عند شخص آخر.

ليس عجبًا أن يسعى مثقف لمحو الأمية، العجب أن يسعى إلى هذا أُميٌّ لا يريد للآخرين أن يشعروا بما شعر به!

ليس عجبًا أن يضع غني صدقة في يد فقير، العجب أن يضع فقير صدقة في يد فقير مثله؛ لأنه ذاق مُر الحاجة ويريد أن يخفف مرارتها عن غيره!

والآن نستطرد حديثنا عن مفهوم العطاء، وهل هو إيثار أم شفقة، وما تأثير العطاء في حياة الإنسان نفسيًّا وعصبيًّا. 

هل العطاء إيثار أم شفقة؟

يقول (ونستون تشرشل) عن العطاء: “نحن نعيش بما نأخذ، و نصنع حياة بما نعطي.” 

لا تنحصر نتائج العطاء على المحتاجين فقط، بل تشمل المعطائين أيضًا! 

فالعطاء هو السلوك المتميز والإيثار والشعور بالانتماء الإنساني والأخلاقي تجاه الآخرين، دون انتظار أي رد فعل في مقابله.

أكدت معظم الأبحاث أن العطاء هو أقوى وسيلة لإسعاد الذات، فكلما أسعدت شخصًا بتلبية احتياجاته؛
وجدت ذاتك وتمتعت بطعم الحياة وأهدافها.

كيف يؤثر العطاءُ نفسيًّا وعصبيًّا في حياة الإنسان؟

أثبتت أبحاث أجريت عام 2007 أن الأشخاص المعطائين تختلف وظائف أجزاء محددة في أدمغتهم،
ذلك أن الأشخاص الذين يجودون بعطائهم تتأصل لديهم هذه العادة في عقليتهم ونظرتهم إلى العالم والآخرين.

أما بالنسبة للتغيرات الهرمونية الدماغية في عملية العطاء، فقد وجد العالمان في علم الأعصاب (جيوردن جرامفان)
و(جورج مال) -عام 2006- أن العطاء يستحث جزأين مهمين من الدماغ في المركز العاطفي وهما الـ “ميزولمبيك”
و”سيبلونغيوال”.

يلعب هذان الجزءان دورًا مهمًّا في وظيفة التعزيز السلوكي؛ أي: 

إعادة السلوك نفسه وتكراره بعد الشعور بالفرح والنشوة، واستحثاث المنطقة الدماغية المسؤولة عن الانتماء الاجتماعي والعاطفي.

تؤثر كذلك عملية العطاء في الجسم والنفس؛ إذ إن عملية العطاء تحرر الإنسان من الضغوطات النفسية والجسدية. 

وأكدت الأبحاث ذلك من خلال النتائج التي توصلت إليها، ومنها:

1-   تنشيط جهاز المناعة الجسدية.

2-   التقليل من الشعور بالآلام الجسدية والنفسية.

3-   استحثاث العواطف الإيجابية التي تشعر الإنسان بالحيوية والطاقة والصحة الجسدية.

4-   التقليل من الاتجاهات السلبية كالنزعة العدوانية.

5-   تحسين الوضع الفسيولوجي للجسم، أي: تنظيم عمل أجهزة الجسم بشكل سليم بإزالة الضغوطات النفسية.

6-   زيادة إفرازات الهرمونات المخدرة الدماغية الطبيعية “الأندروفين“؛ مما يساعد على الشعور بالارتياح وتعزيز السلوك العطائي.

متى يشعرنا العطاءُ بالسعادة بعيدًا عن الشعور بالاستغلال؟

  •   اعثر على شغفك: يقول المهاتما غاندي: “أفضل طريقة لتجد نفسك هي أن تفقد نفسك في خدمة الآخرين.” 

فالمسألة لا تقتصر على مقدار ما نعطيه، بل على مقدار الحب الذي نضعه في العطاء.

سنجد أنه كلما ازداد مقدار عطائك للآخرين، ازداد إحساسك بالسعادة؛ لأن العطاء الحقيقي يملأ حياتك بالفرح ويغذي روحك.

  • أعطِ وقتك: غالبًا ما تكون هدية الوقت أكثر قيمة من هدية المال. 

لا نمتلك جميعًا نفس القدر من المال، لكننا نمتلك الوقت، ويمكن أن نعطي بعضًا من هذا الوقت لمساعدة الآخرين ودعمهم.

  •  ابحث عن طرق لدمج اهتماماتك ومهاراتك مع احتياجات الآخرين: يقول (Adam Grant) مؤلف كتاب
    ” Give & Take”، وفيه قسم الأشخاص إلى ثلاث فئات: المعطائين، والأخاذين، والذين يعاملون بالمثل.

وضح الكتاب اختلاف المشاعر التي تنتاب فئة المعطائين؛ فهم إما أن يكونوا في قمة السعادة نتيجة عطائهم المستمر
للآخرين، أو قد يشعرون بالاستغلال نتيجة طيبتهم الزائدة. ويتحدد ذلك من إدراك هؤلاء الأشخاص لثلاثة أمور،
وهي: لماذا ومتى ولمن يعطون.

  • قوة العطاء والبهجة في مساعدة الآخرين: يوفر العطاء فرصة النظر إلى ما وراء عالمنا ورؤية الصورة كاملة
    من خلال الخوض في عالم الآخرين، وحينها قد لا تبدو همومك وظروفك كبيرة مقارنة بحالات الأشخاص الآخرين.

          يقول المثل الصيني: «مثلما يعود النهر إلى البحر هكذا يعود عطاؤك إليك»… 

هذا هو العطاءُ الحقيقي الذي تجني منه فرحة أو ابتسامة أو دموع الفرح والامتنان ومكافآت العطاءِ التي لا تقدر بثمن.

نختم قولنا بأن العطاءَ هو مقدار ما تعطيه للآخرين بحب؛ لإدخال الفرح على أرواحهم ونفوسهم. ليس بالضرورة أن يكون العطاءُ بالمال، بل وقتك أيضًا الذي يجبر قلبًا أو يُفرج همًّا.

فالعطاء كالعطر يصيبك قبل الآخرين. إن إحدى الوسائل الكبرى لجلب السعادة أن تعطي شيئًا إلى غيرك دون انتظار ردود فعل. 

إنه العطاءُ الذاتي التلقائي الذي تستطيع من خلاله رؤية هذه السعادة في وجوه الآخرين الذين أعطيتهم،
من خلال ابتسامة طفل أو مساعدة شيخ كبير.

بقلم د/ آية هشام

المصدر
The Health Benefits of Giving
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق