مفاهيم ومدارك

العقل الباطن | رحلة إلى الأعماق!

قديمًا أصبت بوعكة صحية شديدة لذا تناولت دواءً قالت عنه صديقة لي أنه ساحر وسيقضي على أوجاعي، لأنه أفادها عندما كانت مصابة بنفس مرضي، بالفعل عندما كنت أتناوله كانت أوجاعي تختفي، تعافيت وفي أحد الأيام سألت الصيدلي عن هذا الدواء الخارق فأخبرني أنه مجرد فيتامين وليس له علاقة بتخفيف الآلام! 

أيضًا كنت أصاب كثيرًا بالتهاب الحلق، لكن عندما أتناول الليمون بالماء المغلي أشعر أن الالتهاب فر هاربًا،
مؤخرًا قرأت بحثًا يفيد أن فيتامين سي الذي في الليمون يتكسر ويفقد فعاليته في درجات الحرارة المرتفعة! 

أشياء كثيرة منها وصفات جدتي التي لا علاقة لها بالعلم ومع ذلك كانت تجدي نفعًا، سألت نفسي يا ترى ما هو
السبب؟ بحثتُ كثيرًا خلف هذا الموضوع لأجد إجابةً واحدةً وهي قوة العقلِ الباطن، ذلك العقل المسؤول عن الكثير من سلوكيتنا التي لا نعلم سببًا لها، لماذا نتصرف بهذا الشكل؟ كثير من عاداتنا اليومية التي نفعلها بصورة تلقائية يقف وراءها هذا الجندي الخفي الذي يسمى العقلُ الباطن، ولليوم مازال العلماء يبحثون في أسرار العقلِ الباطن ذاك المحرك الخفي لأفعالنا، وفي هذا المقال سنغوص سويًا في رحلةٍ داخل أعماقنا لنكتشف مدى تأثير العقلِ الباطن على حياتنا، وكيفية برمجة العقلِ الباطن والسر الكامن وراء العقلِ الباطن والأحلام.

العقل الباطن

هو ليس جزءًا منفصلًا عن عقلك الواعي؛ فالعقل خلقه الله واحدًا، لكنه يعمل وظيفتين متباينتين. وللتفرقة بينهما، جاءت التسميتان: عقلٌ واعٍ، وآخر لا واعٍ أو باطن.

وتكمن وظيفة العقل الباطن في أنه يخزن تلك المعلومات التي لا يخزنها العقل الواعي، ثم يخرِجها على هيئة سلوكيات؛ فهو المحفز الذي يدفعنا لعمل هذه السلوكيات.

وهو لا ينتقي المعلومات التي يخزنها؛ فهو لا يميز بين السلبي والإيجابي. لذا، توجد لدينا سلوكيات إيجابية وأخرى سلبية. وبالسيطرة على برمجة العقل الباطن، يمكن التحكم في سلوكياتنا.

تأثير العقل الباطن على حياتنا

عقلك الباطن هو ذلك العقل الذي لا يتوقف حتى في أثناء نومك. نعم، إنه مستودع مهاراتك الكامنة، وهو الذي يساعدك على أن تحقق أهدافك، شرط أن تكون أهدافك واضحة ومحددة.

وهو الذي يخزن كافة ذكرياتك التي ربما لا تعرف عنها شيئًا، وهو الذي يعرف هل عشتَ طفولة سعيدة أم بائسة،
وهو المسؤول عن تفاصيل أحلامك.

كما أنه يستدعي تلك الذكريات لتُكوِِّن معتقداتك وعاداتك وسلوكك وشخصيتك وغرائزك، وهو الذي يواجه المشاكل ويحلها بشكل آلي، وينقذك في المواقف المفاجئة، فتجد نفسك تتصرف بطريقة تلقائية.

التواصل بين العقل الباطن والعقل الواعي

يتمتع الأشخاص الناجحون في حياتهم -والذين يحققون أهدافهم بسلاسة- بقوة تواصل وانسجام بين العقل الباطن والعقل الواعي؛ فعندما يحدث تعارض بينهما، ينشأ صراع داخلي ينتج عنه فشل في تحقيق الأهداف.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

فمثلًا: عندما تريد فعل شيءٍ ما لكن عقلك الباطن يرفض هذا الشيء، فغالبًا سوف ينتصر عقلك الباطن على عقلك الواعي، لأن العقل الباطن يخزن معلومات وذكريات أكثر من العقل الواعي.

لذا، فإن تحقيق الانسجام بين العقل الباطن والواعي هو السبيل الوحيد كي تحقق أهدافك، وهذا لن يحدث إلا عن طريق برمجة العقل الباطن.

برمجة العقل الباطن 

تكمن أهميتها في أنها تمكِّنك من التحكم في سلوكياتك، ومن خلالها تستطيع نزع كل الأفكار السلبية، واستبدالها بأخرى إيجابية.

من المؤكد أنه لا أحد يستطيع السيطرة الكاملة على عقلك الباطن، لكن هناك تمارين بسيطة تساعدك على برمجته، ومنها:

  • التكرار

يحدث كثيرًا أن نجد أنفسنا نكرر أغنية معينة بدون وعي! نعم؛ لقد حفِرَت هذه الأغنية في عقلنا الباطن لأنها تتكرر على مسامعنا كثيرًا، وهذا هو سحر التكرار.

العقل الباطن والتكرار

التكرار أقرب طريق لعقلك الباطن، وأحد سبُل التواصل معه، كما أنه سِرُّ ترسيخ الأفكار والمعلومات والمهارات فيه.

لذا، بدا واضحًا لماذا تكرر الحملات الإعلانية رسائلها اللفظية والبصرية كل يوم في إعلاناتها؛ كل هذا من أجل
السيطرة على عقلك الباطن! لقد أدركت العلاقة بين العقل الباطن والتكرار.

  • التخيل

من الجدير بالذكر أن العقلَ الباطن لا يفرق بين الواقع والخيال، نعم؛ فرُغم القدرات اللامتناهية لعقلك الباطن،
فهو لا يميز بين الواقع الذي تراه بعينك المجردة، وبين الصور التي في مخيلتك وأحلامك!

لذا، مع ممارسة التخيل مرات عديدة، يبدأ عقلك الباطن بتغيير واقعك الحالي بالذي في مخيلتك.

  • افهم مشاعرك عن طريق كتابتها

اكتب لماذا أنت حزين، وما الذي يسعدك، ولماذا أنت محبَط، وما الذي يبعث الأمل في روحك.

محاولة فهم مشاعرك (وما الذي يسبب لك الفرح والتركيز عليه، وما الذي يسبب لك الحزن والابتعاد عن التفكير فيه)
من وسائل برمجة عقلك الباطن.

  • الحديث الإيجابي مع النفس

لاحظ الفرق بين الجملتين التاليتين: “سوف أذهب اليوم إلى العمل لأني موظف مهم في الشركة”، “سوف أذهب اليوم إلى العمل رغم أن حضوري مثل عدم حضوري”.

الحديث الإيجابي مع النفس هو أكثر ما يساعدك على زراعة الأفكار الإيجابية، وتبديد الأفكار السلبية.

  • تجنُّب التشتت وتسليط الضوء على هدف معين

للنجاح في برمجة العقل الباطن على فكرة معينة، ينبغي أن تركز على هذه الفكرة فترة معينة، مع عدم التشتت بأكثر من فكرة.

إذًا، نستخلص مما سبق أن برمجة العقل الباطن لها ثلاثة محاور أساسية، وهي: المشاعر، والخيال، والتركيز.

كيف أخاطب العقلَ الباطن

لأن العقل الباطن يتحكم في مشاعر الإنسان وسلوكه، كان ينبغي عليَّ أن أتعلم كيف أخاطب العقل الباطن.

لستُ وحدي؛ فشركات الإعلانات أدركت أهمية ذلك أيضًا، وبدأت تصب اهتمامها على توجيه رسائل تخاطب العقلَ
الباطن من خلال حملاتها الإعلانية، وترسِّخها عن طريق التكرار، وتربطها بمشاعرك، مثل مشاعر الحزن، والفرح، والجوع، والعطش.

فعندما تكون جائعًا، يتجه عقلك لا شعوريًا إلى التفكير في منتج معين. وعندما يتملكك العطش، لا يتجه عقلك إلى الماء؛ بل يتجه للتفكير في مشروب معين، لقد نجحوا في اختراق عقلك الباطن! 

أنت أيضًا يمكنك مخاطبة عقلك الباطن والاستفادة القصوى من قدراته، عن طريق برمجة عقلك على الأفكار الإيجابية، ونبذ الأفكار السلبية.

يمكنك فعل ذلك بسهولة من خلال تكرار العبارات الإيجابية، مثل: “أنا أستطيع”، “أنا مهم”، “أنا سعيد”. وحاول أن تفكر قبل النوم بكل ما يجعلك سعيدًا، تذكَّر دائمًا أنك تنام ويبقى عقلك الباطن يقظًا.

العقلُ الباطن والأحلام

ليست كل الأحلام، بل بعضها هي المتصلة مباشرةً بعقلك الباطن؛ فعندما يتكرر الحلم أكثر من مرة، فلا بدَّ أن هناك سِرًّا وراء تكرار هذه الأحلام، فلماذا تتكرر الأحلام؟

أنت تحلم دائمًا بالسقوط من الأماكن المرتفعة لأنك تخشاها. كذلك الحشرات، أنت تحلم بها كثيرًا لأن عقلك الباطن يعلم أنك تخاف منها، وهو يعمل جيدًا في أثناء نومك.

لذا، يمكننا القول أن العقلَ الباطن والأحلام على علاقة وثيقة، إذ إن العقلَ الباطن يخرِج ما يخزنه من مخاوف ورغبات مكبوتة على هيئة أحلام أحيانًا.

ما خفي كان أعظم!

شبه فرويد العقل البشري بجبل الجليد وسط المحيط، الجزء الصغير الظاهر هو عقلك الواعي، أما الجزء الأعظم
-ما خفي تحت الماء- فهو العقلُ الباطن، والذي من خلاله نفهم سلوكيات الإنسان، السوية منها والشاذة، ولا زال هناك المزيد من الأسرار، وما زال العلماء يبحثون.

المصدر
Activating the Power of the Subconscious Mind9 things you may not have known about your subconscious mindWhat Is The Subconscious Mind?
اظهر المزيد

Marwa Gamal

د مروة جمال صيدلانية حاصلة على البورد الأمريكي في الصيدلة العلاجية، أعمل في مستشفى سرطان الثدي التابعة للمعهد القومي للأورام، جئت في ظل مجتمعٍ لا يهتم بالصحة النفسية، لذا تأجج داخلي الشغف بمعرفة كل ما يتعلق بالنفس البشرية أسرارها وأسقامها وأوجاعها والتخفيف عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى