ترياق الحياة الصحية

العلاج الجدلي السلوكي | غَيِّر نفسك!

في أول جلسة له مع المعالج النفسي الذي نصحه به صديقه، ابتدأ (أحمد) كلامه قائلًا:

“أعاني كثيرًا التوتر والقلق، وأشعر أني مضغوط دائمًا! لقد سبب لي ذلك الكثير من المشكلات، فصرت أكثر عصبية، وتتهمني زوجتي بأني متقلب المزاج. نصحني أحد أصدقائي برؤيتك، لذا أنا هنا الآن”.

طمأن المعالج (أحمد)، وأخبره أنه ربما يحتاج إلى العلاج الجدلي السلوكي، وكل شيء سيكون على ما يُرام. 

كانت هذه أول مرة يسمع فيها عن هذا النوع من العلاج. لذا، جاء ليسألنا، فأخبرناه عبر سطور هذا المقال…

ما هو العلاج الجدلي السلوكي؟ 

لمعرفة ما هو العلاج الجدلي السلوكي، دعونا نتعرف أولًا إلى سبب نشأته. 

ابتُكِر العلاج الجدلي السلوكي في أواخر الثمانينات بواسطة عالمة النفس (مارشا إم لينهان) من أجل علاج اضطراب الشخصية الحدية.

رأت (مارشا) أن الأساليب التقليدية للعلاج المعرفي السلوكي لا تكفي وحدها لعلاج هذا الاضطراب، فأضافت إلى تلك الأساليب التقليدية أساليب أخرى جديدة ابتكرتها هي وفريقها، وكان نتيجة ذلك ظهور العلاج الجدلي السلوكي. 

ثم -بعد ذلك- استُخدِم  في علاج العديد من الأمراض النفسية الأخرى. لذلك، يمكننا القول أن العلاج الجدلي نوع من العلاج المعرفي السلوكي، يهدف إلى تعليم الناس:

  • كيف يعيشون حياتهم بطريقة سليمة. 
  • استخدام طُرُق صحية للتعامل مع التوتر والتغلب عليه. 
  • التحكم في مشاعرهم وتنظيمها. 
  • تحسين علاقاتهم مع الآخرين. 

إذن، العلاج الجدلي السلوكي مثله مثل العلاج المعرفي السلوكي؛ يهدف كلاهما إلى تحديد الأنماط السلبية من التفكير والسلوك، واستبدالها بأخرى إيجابية وصحية.

ما الذي يميز العلاج الجدلي السلوكي؟ 

يُطلِق بعض الناس على هذا النوع من العلاج “علاج القبول والالتزام”، لأنه يقوم على محورين متناقضين هما القبول والتغيير، وقد جاء مصطلح “جدلي” ليعبر عن هذا التناقض. 

وجد الأطباء أن هذه الطريقة تحقق نتائج أفضل مع بعض المرضى.

إذن، فإن علاج القبول والالتزام يعني -أولًا- تقبُّل المريض لنفسه، وكذلك تقبُّل الطبيب له وعدم الحكم عليه سلبًا بسبب تجربته، ثم الالتزام بالتغيير، والعمل بجهد على استبدال السلوك السلبي بآخر إيجابي. 

ما الحالات التي يعالجها العلاج الجدلي السلوكي؟

يستخدَم العلاج الجدلي السلوكي بالأساس لعلاج المرضى ذوي الحالات الصعبة، وفي الغالب يُشخَّص هؤلاء بأكثر من مشكلة نفسية في نفس الوقت. 

وكما ذكرنا سابقًا، فقد استُخدِم هذا النوع في بداية ظهوره لعلاج اضطراب الشخصية الحدية، والذي يعاني فيه المريض تقلبات حادة في المزاج، ونوبات من الغضب والعنف، مما يؤثر سلبًا في حياته الشخصية والمهنية.

يساعد العلاج الجدلي السلوكي أيضًا على التغلب على الميول والأفكار الانتحارية

حديثًا، برز دور هذا العلاج في التغلب على:

كذلك، تجرَى الآن العديد من الأبحاث لدراسة إمكانية استخدام العلاج الجدلي السلوكي في علاج بعض الاضطرابات النفسية الأخرى، مثل:

مفاهيم العلاج الجدلي السلوكي

مفاهيم العلاج الجدلي (أو استراتيجياته) هي الوسائل العلاجية التي يخضع لها المرضى من أجل تغيير معتقداتهم وسلوكاتهم السيئة. 

هناك أربع استراتيجيات للعلاج الجدلي السلوكي

1- التفكير العقلاني

تعَدُّ تنمية مهارات التفكير العقلاني أهم مفهوم من مفاهيم العلاج الجدلي.

من خلال هذه الاستراتيجية، يحاول المعالج تحويل فكر المريض إلى التركيز على الحاضر وعيش اللحظة، فيساعده ذلك على فهم ما يحدث داخله من مشاعر وأحاسيس، وتوجيهها بطريقة صحيحة، فتخرج سلوكاته منضبطة وغير مبالَغ فيها. 

عندما يكون المريض في خضم موقف عاطفي مؤلم له، فإن مهارات التفكير العقلاني تساعده على إبطاء فكره، والتركيز على استدعاء مهارات التعامل المناسبة للموقف.

وكذلك تساعد هذه الاستراتيجية المريض على البقاء هادئًا، وتجنِّبه الانخراط في المواقف السلبية التي تسبب له نوعًا من الاندفاع العاطفي. 

2- تحمل المِحَن والكروب

تساعد هذه المهارة المرضى على تعزيز الشعور بالرضا وتقبُّل المواقف المؤلمة، حتى يمكن بعد ذلك التعامل معها بعقلانية.

تقوم هذه الاستراتيجية على أربعة محاور: 

  • صرف الانتباه.
  • محاولة تحسين اللحظة.
  • تهدئة النفس.
  • التفكير في إيجابيات وسلبيات الانغماس في الغضب أو الحزن. 

تساعد هذه المهارة المرضى -على المدى البعيد- على التحكم في انفعالاتهم وغضبهم وردود أفعالهم الحادة. 

على سبيل المثال: إذا شعر المريض بالغضب والانفعال في خضم موقف ما، يخبره المعالج أن يحاول صرف انتباهه عن طريق تغيير موضعه:

  • إذا كان جالسًا، يقف. 
  • إذا كان داخل بناية، يخرج ويتمشى قليلًا في الخارج. 
  • تجربة الجري، أو صعود وهبوط درجات السلم.

سيساعده ذلك على إفراغ الشحنات الغاضبة، ومن ثَمَّ، تجنُّب الانفعال. 

3- التواصل الفعال مع الآخرين

تساعد هذه الاستراتيجية المرضى على تحسين علاقاتهم بمَنْ حولهم، وذلك عن طريق تعليمهم مهارات الاستماع والتواصل الفعال، واحترام الذات، وكذلك احترام حقوق الآخرين. 

على سبيل المثال، يعطي المعالج النفسي هذه النصائح للمريض لتطبيقها عند التعامل مع الآخرين:

  • لا تهاجِم أحدًا، أو تهدِّده، أو تحكم عليه. 
  • أظهِر الاهتمام لما يقوله الآخرون، ولا تقاطِعهم في أثناء الحديث. 
  • ضَع نفسك مكان الآخر، وحاوِل أن تشعر بما يشعر به.
  • حاوِل أن تكون هينًا لينًا، واجعل التعامل معك سهلًا وبسيطًا. 

4- تنظيم المشاعر

في هذه الاستراتيجية، سيتعلم المريض تسمية مشاعره وأحاسيسه، وكيفية وصفها بدقة، ومن ثَمَّ، سيكون سهلًا عليه التعامل معها. 

إذا فعل المريض ذلك، يمكنه التخلص من الضعف النفسي الذي تفرضه عليه مشاعره السلبية، وسيستطيع أيضًا التحكم في انفعالاته في أثناء الغضب.

محاور العلاج الجدلي السلوكي

من أجل التدريب على مهارات العلاج الجدلي السلوكي، هناك ثلاثة محاور أساسية تقوم عليها خطة العلاج:

1- الجلسات الفردية الأسبوعية 

وفيها يجتمع المعالج بالمريض منفردًا في جلسة أسبوعية، يناقشا فيها سويًا المشكلات والمواقف المزعجة التي تعرَّض لها المريض خلال الأسبوع السابق، ثم يدربه المعالج على مهارات حل هذه المشكلات والتعامل معها. 

يجعل المعالج أولويته القصوى للمواقف أو الأفكار التي تمثل مصدر أذى مباشر للمريض، مثل الميول الانتحارية، أو أفكار إيذاء النفس. يلي ذلك -في الأهمية- الأشياء التي تؤثر في مجرى العلاج وكفاءته.

2- الجلسات الجماعية الأسبوعية

تستمر كل جلسة ما بين ساعة إلى ساعتين، يلتقي فيها المريض بمجموعة من الأشخاص، ويتعلم خلال تلك الجلسات مهارات التواصل الفعال مع الآخرين، ومهارات التفكير العقلاني، وتحمُّل الحزن، وتقبُّل الذات واحترامها.

يكون الهدف من هذه الجلسات الجماعية التدريب على مهارات العلاج الجدلي السلوكي بطريقة عملية، من خلال تمثيل المواقف وملاحظتها من قبل المعالج. 

3- التوجيه عن طريق الهاتف

حيث يتواصل المريض هاتفيًا مع معالجه بين الجلسات عند مواجهته موقفًا صعبًا، حتى يأخذ رأي المعالج ويستمع إلى نصائحه في كيفية التعامل مع هذا الموقف. 

في الختام نقول: إن العلاج الجدلي السلوكي هو نوع من العلاج الشامل المتكامل، الذي تقوم فكرته الأساسية على الثقة والترابط بين المريض ومعالجه، وشعوره أنهما يشكِّلان سويًا فريقًا واحدًا.

سيساعد ذلك المريض على أن يكون أكثر تقبُّلًا للعلاج، وأكثر التزامًا بالتغيير إلى الأفضل. 

المصدر
Overview of Dialectical Behavior Therapy (DBT) Dialectical Behavioral TherapyAn Overview of Dialectical Behavior Therapy
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق