تجارب نفسية

العلاج المتمركز حول العميل | النمو النفسي ومعرفة الذات

خلال العام الماضي، ومع انتشار وباء كوفيد-19 وما تبعه من أزمات صحية واقتصادية واجتماعية ونفسية، أعرب العديد من الأشخاص عن احتياجهم للمساعدة النفسية.

ولكن مما جعل الكثير يتردد في طلب تلك المساعدة من المختصين، أو حتى في التعبير عن معاناتهم الشخصية خلال هذا الوباء، هو الخوف من اتهامهم بتضخيم الأمور.

فكيف لي أن أشكو معاناتي الوحدة أو العزلة أو القلق أو الحرمان من بعض الأنشطة، بينما العالم كله يمر بأزمة طاحنة ارتفعت فيها أعداد المصابين لأرقام ضخمة، وفقد الكثيرون أحباءهم ووظائفهم!

في الحقيقة، مهما كان حجم معاناتك النفسية أو نوعها، فأنت بالحاجة إلى التعاطف والقبول والاحترام، وهذا تحديدًا ما يقدمه لك المعالج النفسي في العلاج المتمركز حول العميل.

وبدلًا من وصف الحلول لمشاكلك، فإنه يساعدك على تطوير هذه الحلول بنفسك، ومن خلال تجربتك الخاصة.

ما العلاجُ المتمركز حول العميل؟

العلاج المتمركز حول العميل (Client-Centered Therapy) -أو العلاج النفسي المتمركز حول الشخص (Person-Centered Psychotherapy)- هو أسلوب العلاج النفسي الذي أسسه عالِم النفس “كارل روجرز – Carl Rogers” عام 1951.

وينتمي هذا الأسلوب العلاجي إلى المدرسة الإنسانية في علم النفس، حيث يعتمد هذا الأسلوب على أن العميل أو الفرد هو مركز عملية الاستشارة النفسية، وليس المُعالج النفسي.

وهو بذلك يختلف كليًا عن بعض المدارس العلاجية الأخرى السائدة وقتها، والقائمة على النظريات التحليلية والسلوكية.

 حيث يُركز نهج (روجرز) على شعور وتفكير الشخص، وذلك عكس مدرسة العلاج السلوكي، والتي تركز على أفعال الشخص.

كما إنه يهتم بما يحكيه العميل عن نفسه، ولا يهتم بالرغبات والدوافع اللاواعية، وذلك على عكس مدرسة التحليل النفسي القائمة على تحليل اللاوعي. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

نظرية العلاجِ المتمركز حول العميل

ترفض نظرية العلاج المتمركز حول العميل فكرة أن تكون للمُعالج النفسي سلطة لتوجيه العميل، أو للحكم على تجربته، أو لتقديم الحلول.

بل يساعد المعالج العميل على التغيير بتقديم الدعم النفسي، حيث إن العميل هو الأقدر على إيجاد أفضل الحلول لنفسه،
وعلى إجراء التغييرات المناسبة لحياته.

يُقدم المعالج القبول والتعاطف الذي يحتاجه الفرد خلال رحلة النمو النفسي والتغيير الإيجابي، وقد يتعطل هذا النمو
بسبب التوتر العاطفي والضغط النفسي الذي يعانيه الشخص عند التعرض لانتقاد الآخرين له، أو عندما يُظهِرون رفضهم لخيارته وأفعاله. 

ويصف (روجرز) الأفراد القادرين على استثمار قدراتهم بأنهم: 

  • لديهم الرغبة في النمو المستمر.
  • لديهم استعداد داخلي لتقويم الذات.
  • منفتحين نحو محاولة استثمار قدراتهم للوصول للتغيير المرغوب. 

شروط العلاجِ المتمركز حول العميل 

يعتمد نجاح العلاج النفسي المتمركز حول الشخص على التزام المعالج النفسي بالشروط التالية

  1. الاحترام الإيجابي غير المشروط (Unconditional positive regard)

يجب ألا يصدر المعالج أحكامًا على العميل، وأن يتقبله ويهتم به. وعندما يتفهم المعالج أن العميل يبذل قُصَارَى جهده في حدود المعرفة المتاحة له، وضمن ظروفه ومهارته، حينها تنشأ الثقة، ويستطيع تشجيع العميل على اتخاذ ما يحتاجه من قرارات واختيارات.

  1. الفهم التعاطفي (Empathetic understanding)

من الضروري أن يفهم المعالج ويتقبل أفكار ومشاعر العميل، ومن أهم شروط العلاج المتمركز حول العميل أن يُظهر المعالج هذا التعاطف للعميل بوضوح. 

التفهم العاطفي
  1. التطابق أو المواءمة (Congruence)

يعني التطابق هنا أن يكون المعالج صادقًا مع العميل؛ تتطابق كلماته مع تعابير وجهه ولغة جسده، ويقدم المعالج ذاته الحقيقية بأمانة وشفافية، دون الشعور بالسلطة أو التفوق على العميل.

تقنيات العلاجِ المتمركز حول العميل

تُمكِّن تقنيات العلاج المتمركز حول العميل المعالج من ممارسة هذا الأسلوب العلاجي بكفاءة وفاعلية، ومن ذلك:

  • عدم التوجيه

حجر الأساس في العلاج المتمركز حول العميل هو السماح للعميل بقيادة جَلسة العلاج، حيث لا يخطط المعالج أنشطة الجَلسة ولا يقدم مشورة؛ بل يضمن للعميل الحرية في التعبير عن كل شيء.

  • الإنصات

يستمع المعالج للعميل بتفاعل، ويعيد تكرار ما شاركه العميل حول مشاعره؛ يمنح ذلك العميل فرصة لاستكشاف مشاعره بشكل أكبر عندما يعيد سماعها.

  • إعادة الصياغة

هنا يكرر المعالج ما قاله العميل باستخدام كلمات وصياغة المعالج، يساعد ذلك العميل على توضيح مشاعره وتسميتها، وعلى معرفة طبيعة مشاكله. 

إعادة الصياغة
  • التشجيع

يستخدم المعالج تعليقات مثل “استمر”، “ماذا بعد؟”، “ثم ماذا حدث؟”، أو حتى إيماءة الرأس لتشجيع العميل
على الاستمرار في الحكي، وهذا مهم بصفة خاصة مع العميل الخائف من الانفتاح، أو من كشف الضعف والاحتياج المستتر داخله.

  • الأسئلة المفتوحة

تشجع الأسئلة المفتوحة -مثل “وبما جعلك هذا تشعر؟”- العميل على التدفق في الحكي، والتصريح بالمزيد من مخاوفه وآلامه.

  • وضع الحدود

تُعَدُّ الحدود إجراءً هامًا لعلاقة المعالج والعميل، ولأي علاقة عمومًا، ويحتاج المعالج والعميل إلى وجود حدود صحية لتجنب أن تصبح العلاقة غير مناسبة أو غير فعالة، مثل استبعاد موضوعات معينة من النقاش أو وضع حدود عملية (مثل تحديد مدة الجَلسة ومواعيدها).

مراحل العلاجِ المتمركز حول العميل

وضع (كارل روجرز) نموذج مراحل العلاج المتمركز حول العميل، والذي يتكون من سبع مراحل للمساعدة على تقييم التقدم في العلاج.

ويقترح (روجرز) أن نمو العميل في رحلة تطوير الذات يمكن تحديده على النحو التالي: 

  1. المرحلةُ الأولى: يكون العميل دفاعيًا ومقاومًا للتغيير.
  1. المرحلةُ الثانية: يصبح العميل أقل تشددًا، ويقبل التحدث عن أحداث خارجية أو أشخاص آخرين.
  1. المرحلة الثالثة: يتحدث العميل عن نفسه ولكن كأنه شخص آخر، ويتجنب مناقشة الأحداث الحالية. 
  1. المرحلةُُ الرابعة: يطور العميل علاقته بالمعالج، ويبدأ في الحديث عن مشاعره العميقة.
  1. المـرحلة الخامسة: يبدأ العميل في التعبير عن مشاعره الحالية، كما يتقبل بشكل متزايد مسؤوليته عن أفعاله،
    وتتطور قدرته على اتخاذ قراراته.
  1. المرحلةُُ السادسة: يبدأُ العميل في تطوير سلوك احترام إيجابي غير مشروط للآخرين، وينمو نفسيًا نحو التطابق والمواءمة بين أفعاله وأفكاره، ودون الشعور بالتفوق على الآخرين. يمكن أن يتوقف العلاج عند هذه المرحلة.
  1. المرحلة السابعة: يصبح العميل فردًا عاملًا بكامل طاقته، قادرًا على تحقيق ذاته، وعلى إظهار التعاطف والاحترام للآخرين. ويمكنه أن يربط مواقف الحياة الحالية برحلة علاجه السابقة. 

انتقادات العلاجِ المتمركز حول العميل

انتقد بعض العلماء النفسيين منهج العلاج المتمركز حول العميل في كونه يحُدُّ من الدور الإرشادي للمعالج،
ويعتمد بشكل أساسي على تطور العميل النفسي ومعرفته لذاته.

ويرى هؤلاء أن الأفراد ليسوا جميعهم في مستوى واحد من حيث القدرة على تحمل المسؤولية وتطوير التفكير الذاتي،
كما أن بعض أنماط السلوك عند العميل لا يمكن تقبلها إذا كانت تمثل خطورة على أنفسهم أو على المجتمع. 

إيجابيات العلاجِ المتمركز حول العميل 

من إيجابيات العلاج المتمركز حول العميل مساعدة الفرد على: 

  • تعزيز الثقة بالنفس ورفع الوعي الذاتي.
  • التعبير عن الذات بشكل صحي.
  • تحقيق المواءمة والتطابق بين الذات المثالية والذات الحقيقية.
  • التغلب على الشعور بالذنب، وعلى الشعور بعدم الأمان.
  • تقبُّل الذات ثم تقبُّل الآخرين والتعاطف معهم واحترامهم.
إيجابيات العلاجِ المتمركز حول العميل

وفي النهاية، إن كنت تشعر بالاحتياج لتلقي مساعدة نفسية ذات طابع داعم ومتفهم لتجربتك الفريدة ومستوعب
لمنظورك الخاص، فابحث عن معالج أو مستشار نفسي متعاطف، ومطبق لأسلوب العلاج النفسي المتمركز حول العميل، حينها تستطيع أن تشعر بالراحة عند مناقشة أمورك الشخصية معه.

المصدر
Client-centered therapy Person-Centered TherapyIs Humanistic Therapy Right for You?Rogers' Seven Stages of Process
اظهر المزيد

Walaa Khalil

د. ولاء زين العابدين خليل صيدلانية وأخصائية إدارة صحية، خلال سنوات عملي في القطاع الطبي أدركت مدى أهمية دور التثقيف الصحي المجتمعي في رحلة علاج الأمراض والوقاية منها وتحسين نمط الحياة. أهدف إلى إثراء الثقافة الصحية العربية عن طريق تقديم محتوى طبي سهل الفهم يشمل أحدث المعلومات وأدقها، ويستند إلى المصادر الطبية الموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى