ترياق الأدوية النفسيةترياق الروح
أخر الأخبار

كل ما تود معرفته عن العلاج المعرفي السلوكي

قرأت يومًا بيت شعر يقول: “مرآتك العقل كل وقت.. تريك من نفسك الخفايا”. 

فعقلك هو سلاحك لفهم نفسك وفك طلاسمها، وهو مُعينك على مواجهة الحياة وكسب تحدياتها. وقد تسمع أحدهم يقول: لا أصدق إلا ما أراه بعيني، وأفهمه بعقلي. ولكن ماذا لو أصبح ذلك العقل مخادعًا؟ 

في بعض الاضطرابات النفسية، كالاكتئاب والرهاب، يصيب الخلل نمط تفكيرك؛ فينقلب العقل من مُعين حكيم لعبءٍ أليم، يحبس صاحبه في سجن أفكار مخيفة لا يستطيع منها فرارًا. فما العمل؟

هنا يأتي دور العلاج المعرفي السلوكي، أو العلاج بالكلام، فما أهميته وما خطواته ومن يحتاج إليه؟ نجيب على أسئلتك كلها في هذا المقال.

ما هو العلاج المعرفي السلوكي؟

هو أحد أنواع العلاج النفسي، يهدف إلى تحديد أنماط التفكير الخاطئة لديك، ويعمل على اقتلاع المشاعر السلبية أو السلوكيات غير العقلانية التي قد يقوم بها الفرد نتيجة لاضطراب نفسي.

ويتكون العلاج المعرفي السلوكي من مجموعة جلسات. يساعدك معالجك النفسي على تخطي مخاوفك، وتحليل المواقف بشكل عقلاني، وفهم ما يدور من حولك بشكل صحيح.

لا يقتصر العلاج المعرفي السلوكي على علاج الاضطرابات النفسية، بل يمكن الاستعانة به في مواجهة التوتر العصبي.

من يحتاج العلاج المعرفي السلوكي؟

يتعامل العلاج السلوكي المعرفي، بجانب العلاج الدوائي، مع مجموعة واسعة من الاضطرابات النفسية، منها على سبيل المثال:

  • الاكتئاب.
  • اضطرابات القلق: مثل اضطراب القلق المعمم، واضطراب القلق الاجتماعي والرهاب بأنواعه.
  • الاضطراب ثنائي القطب.
  • اضطراب الشخصية الحدية.
  • اضطراب ما بعد الصدمة.
  • اضطراب الوسواس القهري.
  • اضطرابات الأكل: مثل الشره المرضي، وفقدان الشهية العصبي.
  • اضطرابات النوم: مثل الأرق.
  • الاضطرابات المتعلقة بالإدمان.

ويمكن أن يصبح العلاج المعرفي السلوكي مفيدًا في التعامل، من الناحية النفسية، مع بعض الأمراض العضوية المزمنة مثل الألم العضلي الليفي، والسرطان.

ما فكرة العلاج المعرفي السلوكي؟

يعتمد العلاج المعرفي السلوكي على ثلاثة أضلاع: المشاعر، والأفكار، والسلوك. ويؤثر كل ضلع على بقية الأضلاع، فمثلًا دعنا نتخيل الموقف التالي:

إذا أرسلت رسالة نصية إلى صديق عزيز، ولكنه لم يرد على رسالتك لعدة أيام، قد تراودك “أفكار” مثل “لا أحد يحبني، الجميع يتجاهلني، ربما قلتُ شيئًا سيئًا، ولا أحد يفهمني بشكل صحيح”. وتجعلك هذه الأفكار “تشعر” بالانزعاج والحزن وربما الغضب، وقد يترتب على ذلك “سلوك” فتتجنب ذلك الصديق إلى الأبد.

إذا حللنا هذا الموقف بهدوء، قد ترى أن هناك أبعادًا أخرى لم تنتبه إليها؛ فيمكن أن يكون صديقك مشغولًا، أو مرهقًا، أو ربما أصابه مكروه فلم يتمكن من الرد. 

إذًا، يمكن القول أن وجود فكرة خاطئة عن نفسك أو من حولك، أدى إلى شعور سلبي غير صحيح، فأثر على سلوكك تجاه صديقك. 

إن إدراكك لهذا الأمر، وتعديل فكرتك السلبية وتصرفاتك، يساعد بشكل مباشر في تحسين هذا الشعور. وذلك هو صميم العلاج. 

إن هذا المثال ما هو إلا توضيح مبسط لفكرة العلاج المعرفي السلوكي. ويُعِدَ معالجك النفسي خطة محكمة للتعامل مع المشاكل النفسية الأكثر تعقيدًا.

خطوات العلاج المعرفي السلوكي

أنت الآن تستعد لبدء العلاج. سيرشدك معالجك النفسي في رحلتك بمجموعة من الخطوات، مثل: 

توضيح أهمية العلاج المعرفي السلوكي 

تبدأ الجلسة الأولى عادة بنقاش بينك وبين معالجك، يوضح لك أسلوبه في العلاج ويشرح لك الهدف من الجلسات، ويقرر إذا كان العلاج المعرفي السلوكي مناسبًا لك.

تحديد عدد جلسات العلاج المعرفي السلوكي

يتراوح عدد الجلسات من 5 إلى 20 جلسة وفقًا لحالتك النفسية، واستجابتك للعلاج. ويحدد معالجك مدة كل جلسة.

تحديد الأهداف وخطة العلاج المعرفي السلوكي

تحدد مع معالجك النفسي المشكلات الأساسية التي تواجهك، مثل الرهاب الاجتماعي، أو فقدان شخص عزيز. ويقرر معالجك الأهداف التي تود الوصول إليها بالعلاج. 

تفتيت المشكلة

يساعدك معالجك في تفكيك المشكلة إلى أجزاء صغيرة لتتمكن من فهمها بشكل أفضل. وقد يسألك عن رأيك وتفسيرك للمشكلة.

تحديد أنماط التفكير الخاطئة

في هذه الخطوة، تركز على الأفكار غير المنطقية المتحكمة في تصرفاتك، وتصبح أكثر إدراكًا لأسباب المشكلة.

تعديل الأفكار والسلوكيات 

يساعدك معالجك على تعديل أفكارك وتدريبك على اتخاذ قرارات أكثر عقلانية تجاه المشكلة، باستخدام استراتيجيات عديدة، مثل قراءة أجزاء معينة، أو تمثيل مواقف تخيلية.

العلاج بالتعرض

وقد يتضمن العلاج المعرفي السلوكي التعرض المنظم لبعض المواقف التي تثير خوفك ورهبتك، ويستخدم عادة في علاج بعض اضطرابات القلق. 

يبدأ معالجك تدريجيًا في محاكاة تلك المخاوف في بيئة آمنة. ويشجعك على مواجهة تلك المخاوف. 

يمكن لجلسات العلاج بالتعرض أن تصبح أطول من الجلسات المعتادة؛ إذ يقوم معالجك بزيادة مدة تعرضك لتلك المخاوف تدريجيًا حتى تتمكن من التعامل معها بشكل صحيح.

ما مميزات العلاج المعرفي السلوكي؟

للعلاج المعرفي السلوكي مميزات عديدة تجعله خيارًا مناسبًا مقارنة بالأنواع الأخرى من العلاج النفسي، مثل:

  • امتداده لفترة زمنية قصيرة: يصبح عدد الجلسات محددًا، مما يضمن استمرارية المريض دون أن يصيبه الملل أو اليأس.
  • سيره وفق خطة محكمة: على عكس الطرق الأخرى للعلاج التي يتحدث فيها المريض دون منهج معين، يتميز العلاج المعرفي السلوكي بمنهج يحدده المعالج مع المريض، وينفذ هذا المنهج باستخدام أنشطة وواجبات يشارك فيها المريض مشاركة فعالة.
  • إمكانية استخدامه للحالات التي لا تستجيب للعلاج الدوائي وحده.
  • إمكانية أن تكون الجلسات فردية أو في مجموعات: يشعر البعض بالراحة في مشاركة الأفكار مع مجموعة تعرضت لنفس المشاكل.
  • استمرار الدروس المستفادة حتى بعد انتهاء العلاج: إذ يمكن للمريض تطبيق ما تعلمه من أنماط تفكير وسلوكيات جديدة على كل جوانب حياته.

عيوب العلاج المعرفي السلوكي

توجد بعض التحديات التي قد تؤثر على استفادتك من العلاج المعرفي السلوكي، ومن ضمنها ما يلي: 

  • يتطلب مشاركة فعالة: لا يمكن لمعالجك النفسي، مهما بلغت خبرته، ومهما كانت أدواته، أن يساعدك على مواجهة مشاكلك دون مشاركتك واستعدادك الشخصي للتغير والعلاج. 
  • لا يناسب بعض الأشخاص: قد يحتاج الأشخاص الذين يعانون من صعوبات في التعلم أو أمراض نفسية معقدة إلى طرق علاج نفسية أخرى أو تدخل دوائي. 
  • قد يشعرك بعدم الارتياح: قد تصبح بعض الجلسات موتِّرة لك، إذ تتطلب مواجهة مباشرة مع ما يخيفك أو مع ذكريات أليمة لا تود التعامل معها. 
  • لا يتعامل مع المشاكل الخارجية: يرى البعض أن العلاج المعرفي السلوكي يركز بشكل أساسي على تغيير نمط تفكير الفرد ومشاكله الحالية. ولكنه لا يغير من الأسباب الخارجية المؤدية إلى الخلل في التفكير من الأساس.

كيف تستفيد من العلاج المعرفي السلوكي؟

إليك بعض النصائح لتستفيد من خطة علاجك النفسي: 

  • كن مشاركًا فعالًا: حدد أهدافك بوضوح وعبر عن أفكارك بصدق، سيجعل ذلك خطة علاجك ملائمة لك.
  • سجل يومياتك: حدد المواقف التي تمكنت من التعامل معها، والمشاعر السلبية التي واجهتك، وناقش ما توصلت إليه مع معالجك النفسي.
  • التزم بالمهام والواجبات الموكلة إليك.
  • انتظم في جلساتك.
  • لا تتعجل النتائج: قد يتطلب الأمر جلسات عديدة قبل أن تشعر بالتحسن.

وأخيرًا، عزيزي القارئ، مهما بدت الأمور محيرة، ومهما كانت المصاعب التي تواجهها عسيرة، لا تيأس؛ هناك دائمًا حل!

اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق