ترياق الحياة الصحية

العلاج النفسي الإنساني | أنت الحل!

إذا كنت من المهتمين بمجال الصحة النفسية -وتحديدًا العلاج النفسي- فلعلك لاحظت وجود عشرات الأنواع من الأساليب والتقنيات المتبعة من قبل أطباء النفس، والتي تهدف جميعها إلى علاج المرض النفسي والتغلب عليه. 

ويفاضل الأطباء بين هذه الأنواع استنادًا إلى عدة عوامل، منها: حالة المريض ومشكلته والظروف المحيطة به، وإيمان الطبيب نفسه بفعالية أسلوب معين عن الآخر. 

في هذا المقال، سنتحدث عن أحد أساليب العلاج النفسي الشهيرة المعروف باسم “العلاج النفسي الإنساني”، والذي يؤمن به العديد من الأطباء ويعدونه الأسلوب الأمثل في التعامل مع المرض النفسي. 

لذا، هيا بنا لنتعرف سويًا على هذا العلاج النفسي وكيفية عمله ومدى كفاءته. 

أولًا… 

ما هو العلاج النفسي الإنساني؟ 

هو إحدى تقنيات العلاج النفسي التي تركز بشكل أساسي على طبيعة كل فرد واختلافه عن الآخرين. 

فكل شخص متفرد بذاته ومختلف عن غيره في نظرته للحياة، وفي تأثير هذه النظرة على اختياراته وأفعاله المختلفة. 

ليس هذا فحسب، بل تؤمن نظرية “العلاج النفسي الإنساني – Humanistic Therapy” أيضًا بأن كل البشر يحملون قلوبًا طيبة، وقادرون على اتخاذ القرارات الصحيحة النافعة لهم في حياتهم.

لذا -طبقًا لهذه التقنية العلاجية- فإن الرغبة في العلاج والتغلب على المشكلة النفسية التي يواجهها أي إنسان يجب أن تنبع من داخله، وإلا لن تنفع معه أي وسيلة علاج أخرى. 

متى تستخدم تقنية العلاج النفسي الإنساني؟

يستخدم علم النفس الإنساني في علاج العديد من الأمراض النفسية، مثل:

  • الاكتئاب
  • القلق.
  • اضطرابات الهلع.
  • اضطرابات الشخصية.
  • الإدمان.
  • مشاكل العلاقات؛ بما فيها العلاقة بين شريكي الحياة، وبين أفراد العائلة الواحدة. 

كما يساعد العلاج الإنساني الأشخاص الذين:

  • لديهم ضعف ثقة بالنفس. 
  • لديهم مشاكل في فهم أنفسهم.
  • لا يستطيعون اكتشاف أهدافهم في الحياة. 
  • يفتقرون إلى الجهد الكافي لبلوغ تلك الأهداف. 
  • يبحثون عن معنى لحياتهم. 

يستطيع علم النفس الإنساني مساعدة كل هؤلاء في استكشاف أنفسهم وبلوغ غاياتهم. 

آلية عمل العلاج النفسي الإنساني

آلية عمل العلاج النفسي الإنساني

قبل أن نتطرق إلى طريقة عمل العلاج النفسي الإنساني “Human Psychotherapy”، يجب أولًا أن نلقي نظرة على ظروف وتداعيات نشأته.

في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، لاحظ بعض علماء النفس وجود الكثير من المشاكل والسلبيات في مدرستَي “العلاج السلوكي” و”التحليل النفسي”، حيث تركز هاتان المدرستان بشكل أساسي في تحليلهما لسلوك الإنسان وأفعاله على:

  • تأثير البيئة المحيطة.
  • التجارب والخبرات التي عايشها الشخص في حياته. 
  • وجود أمراض عضوية. 

لذا، اختار هؤلاء أن ينتهجوا نهجًا علاجيًا جديدًا، يعتمد على رؤية الجانب الإيجابي من النفس البشرية واستغلاله. 

في هذا الوقت، ظهرت نظريتان كانتا بمثابة حجر الأساس الذي بنيت عليه تقنية العلاج النفسي الإنساني.

  • النظرية الأولى: هي التسلسل الهرمي لاحتياجات الإنسان ودوافعه؛ التي طورها عالم النفس “أبراهام ماسلو – Abraham Maslow”. 
  • النظرية الثانية: وهي نظرية العلاج المتمركز حول الشخص، وقد وضع نهجها العالم “كارل روجرز – Carl Rogers“.

لذا، بناء على ما سبق، فإن العلاج النفسي الإنساني يهدف إلى فهم أفضل لنظرة كل شخص إلى عالمه الخاص، ومساعدته على تقبل ذاته. 

كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟ 

يتحقق ذلك عن طريق النظر بإيجابية إلى النفس؛ ليس فقط من الشخص إلى نفسه، بل أيضًا من الآخرين إليه. 

إذا شعر الإنسان أنه يستمد أهميته فقط من نظرة الآخرين إليه، فهذا قد يوقعه في فخ السعي وراء الكمالية، والشعور الدائم بأنه لم يفعل القدر الكافي الذي به يستحق التقدير والاحترام ممن حوله. 

سينتج عن هذا شعور الإنسان بعدم القيمة، مما سيؤثر بدوره في نظرته لنفسه ونظرته للعالم من حوله. 

ومن هنا، جاء علم النفس الإنساني ليؤكد على أن نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى عالمه هي المؤثر الرئيسي في أفعاله وتصرفاته وسلوكه. 

لذلك، كان الهدف الأساسي للعلاج الإنساني هو تعليم الشخص كيف يتقبل ذاته، ويتغلب على انتقادات الآخرين ورفضهم له، عن طريق توفير مساحة آمنة له تساعده على العمل على تطوير ذاته والعناية بها. 

ما الفرق بين العلاج الإنساني وأساليب العلاج النفسي الأخرى؟ 

يعد العلاج النفسي الإنساني من أساليب العلاج النفسي الحديثة التي تختلف عن الأساليب التقليدية، مثل: التحليل النفسي، والعلاج السلوكي. 

فهو يركز بالأساس على الحياة اليومية الحالية لكل شخص، بدلًا من التركيز على الأحداث الماضية وربطها بسلوكه
الحالي؛ كما تفعل تقنيات العلاج النفسي الأخرى. 

ويعتمد العلاج الإنساني على مساعدة الفرد ككل على تنمية ذاته وتخطي أزماته، بدلًا من التركيز على تشخيص
مرض معين والعمل على علاجه. 

يحدث هذا غالبًا عن طريق الاستماع الجيد، حيث يساعد المعالج المريض على فهم ذاته، وكيفية التعبير الأمثل عنها
وعن آلامها واحتياجاتها. 

باختصار، فإن العلاج النفسي الإنساني يقوم على فكرة أن كل شخص خبير في مشاكله الخاصة، وهو الوحيد القادر على إيجاد الحلول لها، وانتشال نفسه من معاناتها. 

أمثلة على العلاج النفسي الإنساني

توجد ثلاثة أنواع شائعة للعلاج الإنساني: 

1- العلاج الجشطالتي (Gestalt Therapy)

ويعني العلاج الكلي، وفيه يساعد المعالج النفسي المريض على التحدث والتعبير عما يشعر به الآن، وعن الأفكار التي
يعتقد أن الآخرين يحملونها تجاهه، وبالتالي يساعده ذلك على استكشاف المشاعر السلبية التي تسبب له الإزعاج
والتوتر، والتي غالبًا ما تكون السبب في المشكلة النفسية التي يمر بها. 

يحدث ذلك عن طريق عدة تقنيات، منها على سبيل المثال: تقنية لعب الأدوار، ويتخيل فيها المريض الشخص الذي
يواجه مشاكلًا معه جالسًا أمامه، ويجري معه حوارًا، فيساعده ذلك على ترجمة وفهم المشاعر التي يشعر بها.

2- العلاج المتمركز حول العميل 

ويسمى أيضًا بـ “العلاج الروجيري – Rogerian Therapy” نسبة إلى العالم “كارل روجرز” مؤسس هذه النظرية. 

وتقوم هذه الطريقة العلاجية على فكرة أن استمرار تلقي النقد من الآخرين يشوه صورة الإنسان عن نفسه،
ويمنعه من التقدم والإنجاز في حياته. 

لذا، يعمل المعالج النفسي على إشعار المريض أنه مقبول رغم كل شيء، وأنه على الرغم من عدم رضاه عن بعض سلوكاته وتصرفاته، فهذا لا يمنعه من قبوله كشخص، بل سيستمع إليه ويساعده على تخطي أزمته وتقويم سلوكه دون الحكم عليه. 

3- العلاج الوجودي

ويهدف هذا النوع من العلاج إلى مساعدة الشخص في فهم الغاية من وجوده، وإدراك تأثيره وبصمته الفريدة في هذه الحياة. 

فيستنبط المعنى وراء كل ما يحدث له، ويشعر بمسؤوليته تجاه أفعاله واختياراته، ويدرك قدرته على تغيير واقعه إلى الأفضل. 

شأنه شأن جميع أساليب العلاج النفسي الإنساني، فإن العلاج الوجودي يؤمن أن التركيز على المشاكل والمشاعر
الحالية التي يشعر بها المريض هي الطريقة المثلى لتخطي مرضه النفسي، بدلًا من التنقيب في أحداث الماضي. 

هل يناسب العلاج النفسي الإنساني جميع الأشخاص؟ 

يرى بعض المختصين أن هذا النوع من تقنيات العلاج النفسي قد يكون مناسبًا أكثر لهؤلاء الذين يبحثون عن معنى لحياتهم، ويتوقون إلى إيجاد من يساعدهم في ترتيب أولوياتهم وأفكارهم، أو تعديل بعض سلوكاتهم. 

لكن من يعاني من مرض نفسي كـ “اضطرابات الهلع” أو “القلق“، فربما هو بحاجة إلى جلسات علاج نفسي تعتمد
على الطرق التقليدية، مثل: العلاج السلوكي المعرفي والعلاج الدوائي. 

على كل حال، فإن جميع أساليب العلاج النفسي تنطوي في إحدى جوانبها على مبادئ وأساسيات العلاج النفسي
الإنساني، مثل: التقبل غير المشروط للمريض، والاستماع الجيد إليه دون الحكم عليه.

المصدر
Is Humanistic Therapy Right for You?Humanistic TherapyHumanistic ApproachHumanistic therapies
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق