ترياق الأدوية النفسية

العلاج النفسي بين القِدَم والحداثة

إن عالَم الطب النفسي عالَمٌ يلفه الغموض منذ قديم الزمن. حاول الإنسان فك طلاسمه لفهمه؛ فصار يتخيل الأساطير والقصص الْمَا ورائية تفسيرًا لِمَا يراه من تصرفات المريض النفسي التي لا يفهمها.

وكذلك سعى الإنسان إلى علاج المريض النفسي بطرق غريبة وبشعة أحيانًا، ولكنها كانت بلا جدوى.

مهد الله طريق العلم لكي يتعلم الإنسان العلاج النفسي المعتمِد على العلم والدليل، وتطورت طُرُق العلاج النفسي لتعالج المرضى بأساليب علمية ومقبولة.

ومن نِعَم الله أن ظهرت أساليب العلاج النفسي الحديثة، لتساعد الشخص ليمارس حياته بصورة طبيعية، ويعود شخصًا منتجًا ومندمجًا في المجتمع.

مَنْ الذي يحتاج إلى العلاج النفسي؟

يهدف العلاج النفسي إلى مساعدة المرضى الذين يعانون الأمراض النفسية، مثل:

  • التوتر والقلق العصبي.
  • الاكتئاب.
  • اضطراب ما بعد الصدمة.
  • الوسواس القهري.
  • إدمان المخدرات.
  • اضطرابات الهُوِيَّة الشخصية.
  • الفصام.

ينفِّذ طُرُقَ العلاج النفسي الأطباء والأخصائيون النفسيون بصورة أساسية، ولكن قد يشترك البعض الآخر أحيانًا، مثل: الطبيب العام، وممرضات الصحة العقلية. 

كيف نشأت أنواع العلاج النفسي؟ 

طور العلماء طُرُق العلاج النفسي عبر الزمن، وبنوا خبراتهم على التجربة والعلم ليصلوا إلي الطريقة المثلى لعلاج الأمراض العقلية والنفسية.

بدأ الأمر بمحاولة تفسير السبب وراء التصرفات الغريبة للبعض:

– هذه التي تبكي دون سبب ولفترات طويلة، وابتعدت عن البشر…

– هذا الذي تتغير تصرفاته، ليبدو أنه شخص آخر تمامًا بين الفينة والأخرى…

– هذه التي تتكلم مع أناسٍ وهميين، ويبدو أنها تستمع إليهم…

– هذا الذي يبدو عليه الرعب كأنما يرى شيطانًا أمامه…

– هذا الذي ينتفض جسده، أو يصرخ بقوة، أو يتحول من السعادة للصمت…

ظن الإنسان أن هذا لا بُدَّ أن يكون ناتجًا عن الأرواح الشريرة! نعم، أقنع نفسه بأن هذا الشخص يتحدث إلى الأرواح.

وأن صاحب التصرفات غير المفهومة لا بُدَّ أن تكون الأرواح قد تلبَّسته، وهي التي تفعل به الأفاعيل.

وإلا فما السبب في تعامله معهم بشكل مهذب تارة، ثم بشكل وحشي تارةً أخرى (وغيرها من السلوكيات الغريبة)؟! نعم، إنها الشياطين والأرواح الشريرة.

واستكان الإنسان لهذا التفسير لِردحٍ من الزمان.

الآن نحن نحمد الله على نعمة العلم والطب.

فقد تطور فهم الإنسان للأمراض النفسية والعقلية، واكتشف أن هناك تغيرات كيميائية وعضوية ملموسة في الجهاز العصبي، وأنها تختلف باختلاف المرض. 

ومن هنا، بدأ المفهوم الحديث للمرض ولتصرفات المريض النفسي، وبدأ العلم يحث الخُطَى نحو ابتكار العلاج النفسي المناسب لكل من هذه الأمراض.

الفائدة من تنوع طُرُق العلاج النفسي

كان المريض النفسي موصومًا في المجتمع وينفر منه الناس، ولكن اختلف الأمر مع ظهور أساليب العلاج النفسي الحديثة.

صرنا لا نستطيع تمييز ذلك المريض بشكل واضح خلال تعاملنا معه، وذلك لأنه يخضع لأكثر من نوع من العلاج النفسي.

يحيط العلاج بالإنسان من عدة جوانب ليشمل: تعديل أسلوب حياته، وإدخاله في علاج جماعي، وخضوعه لعلاج دوائي… إلخ.

وبهذا، صار المريض النفسي مُدعَّمًا من جميع الجهات؛ مما ساعده ليعيش طبيعيًا ويتخلص من وصمة المرض النفسي.

والآن، تعال معي أصحبك في رحلة بين أوراق الكتب، لتتعرف على تطور أنواع العلاج النفسي منذ الأزمنة القديمة حتى الآن.

رعب العلاج النفسي في العصور القديمة

من المؤكد أن طُرُق علاج المرضى النفسيين كانت رهيبة في الماضي، ولا أظنك تفاجأت بهذا بعدما عرفت فكرتهم عن سبب المرض؛ إذا كان المرض بسبب الأرواح الشريرة والشياطين، فقطعًا لن يكون العلاج أقل رعبًا!

رعب العلاج النفسي

زخرت القصص اليونانية والمصرية القديمة بوصفات، مثل:

  1. عمل ثقب في جمجمة المريض لتخرج منه الروح الشريرة… يا للهول!
  2. الضرب المبرح والتعذيب من أجل إيذاء الروح التي تتلبس الجسم وطردها.
  3. خلع أسنان المريض.
  4. السحر الأسود والدجل.
  5. استثارة التقيؤ والإسهال، وإسالة الدَّم من المريض من أجل إعادة التوازن للعناصر بجسمه. 
  6. الاستحمام في الجليد أو الماء المثلج.
  7. تقييد المريض أو تكبيله.
  8. حقن المريض بالأنسولين ليدخل في غيبوبة نقص سكر ويهدأ… غير معقول!
  9. إزالة الفص الأمامي من المخ جراحيًا.
  10. حبس المريض انفراديًا وعزله عن البشر.
  11. العلاج بالحمى (يُصيب المعالج مريضَه بمرض معدٍ لتقل حدة انفعاله وتختفي أعراضه النفسية  بسبب ارتفاع درجة الحرارة).

مثال: علاج مريض الزهري العصبي بإصابته بالملاريا. وهكذا، تختفي الأعراض الذهانية لأن الشخص سيكون في حالة إعياء شديد بسبب الحمى.

أراك اكتفيت من رعب العلاج النفسي في العصور القديمة! حسنًا، هدنة ثم ننتقل إلى العلم الحديث…

أساليب العلاج النفسي الحديثة

العلاج المعرفي السلوكي

هو أحد أشهر خطوط العلاج النفسي، ويستفيد منه مرضى القلق والاكتئاب، كما يمنع تكرار الإصابة بهما بإذن الله.

يعتمد العلاج المعرفي السلوكي على فكرة أن المشاعر هي نتاج للأفكار؛ فيحاول تغيير الفكرة التي تدور في عقل المريض.

مثال: الفكرة في رأسي تقول أنني سأتوتر في أثناء عرض مشروعي في الاجتماع اليوم، ولن يقتنع المدير بفكرتي؛ فيطغى عليً الآن شعورٌ بالقلق والكآبة.

يطلب المعالج النفسي من المريض وضع دليل على الفكرة السلبية وعلى ضدها، ومن ثَمَّ سيُكَوِّن نظرة متوازنة وحيادية للأمر.

العلاج المعرفي التحليلي

هو فن التعلم من التجارِب السابقة بالعودة إلى ذكرياتك الماضية، ودراسة كيفية تعاملك مع الصعوبات التي قابلتها سلفًا.

بهذه الطريقة، تستطيع أن تتعلم كيف تغير من رؤيتك للمواقف الحالية، وكيف تجد لها حلًا مناسبًا.   

العلاج بالقبول والالتزام

ويهدف إلى إقناع المريض بقَبُول الأفكار والمشاعر السلبية التي تخطر على ذهنه، وأن يتفهم أنها لا تحدد شخصيته. وهكذا، يقبل أنها أفكار عابرة فقط ولها علاج.

ويساعد هذا العلاج مرضَى: الفصام، والضغط العصبي، والتوتر، واضطرابات الهُوِيَّة.     

العلاج العائلي

يهدف إلى دمج جميع أفراد الأسرة في علاج المريض ليتحدثوا ويتعاونوا معه؛ مما يساعده في استعادة أفكاره واتزانه النفسي.

العلاج الجماعي

يهتم هذا النوع من العلاج النفسي بوضع المريض بين أفراد مجموعة -مِمَّن يعانون نفس حالته- في اجتماع واحد بقيادة المعالج النفسي.

يخرج المريض من الجِلسة شاعرًا بالثقة، وبأنه ليس الوحيد الذي يعاني، كذلك يستفيد من خبرات الآخرين في التعامل مع حالته.

العلاج الجماعي

العلاج بالتركيز والتأمل

يساعد العلاج بالتأمل والتركيز مرضَى الاكتئاب والقلق العصبي والتوتر على الشفاء.

يكون العلاج عن طريق تركيز الذهن على اللحظة الآنية، وعلى مشاعرك خلال الوقت الحالي فقط.

ويتدرب المريض على تجاهل التفكير السلبي في الأحداث المستقبلية، وتجنُّب توقع الأفكار والمشاعر السلبية.

العلاج النفسي الداعم

نكاد نكون جميعًا نحتاج لهذا العلاج النفسي بصورة يومية، حيث يعتمد على توجيه النصيحة والدعم النفسي للمريض.

العلاج النفسي الديناميكي

هو إبراز صراعات المريض الداخلية وأفكاره الدفينة على السطح، وتسليط الضوء عليها.

يساعد هذا المريضَ على فهم مشكلاته بصورة أفضل، وبذلك يتشجع للتعاون في حلها.

المقابلات التحفيزية

يستفيد الراغبون في الإقلاع عن الإدمان والتدخين من المقابلات التحفيزية، لأنها تكون جلسات نفسية تشجيعية لتثبيت الفكرة في الذهن.

العلاج الدوائي

وهو العلاج بالعقاقير الطبية، حيث يستفيد من الأدوية النفسية مرضى كثير من الحالات النفسية.

وبعد هذه الرحلة

كانت الأمراض النفسية -دائمًا- أمرًا غريبًا غير مفهوم لعدم وجود سبب ملموس، وأيضًا بسبب أعراضها الغامضة.

لذا، حاول البشر علاجها بطُرُق لا معقولة في الأزمنة الغابرة، ثم تطور العلم ليثبت أن المرض النفسي له سبب عضوي.

وجد العلم أسبابًا وراثية وجينية وكيميائية تقف وراء تصرفات المريض النفسي. وبدأ الإنسان في تطوير أساليب حديثة للعلاج النفسي، بناءً على هذه الرؤية العلمية الجديدة، مما أعاد للمرضَى القدرة على الاندماج بالمجتمع.

المصدر
Psychological treatmentsTypes of TherapyDifferent approaches to psychotherapyOdd and Outlandish Psychiatric Treatments Through History
اظهر المزيد

د. أسماء أبو بكر

طبيبة بشرية أتوق دائما لتعلم الجديد، ولنقل العلم مع تبسيطه للجميع. أحرص على الوصول للمعلومة من أدق المصادر، ومن ثم أصيغها للقارئ والمتعلم بأسلوب علمي مبسط. أمتلك موهبة السرد المنظم الشامل. صقل عملي في التدريس الجامعي هذه الموهبة، لأضع بين القارئ علما موثوقا فيه يسير الفهم. أكتب من أجل إتاحة المعلومة الطبية الموثقة للجميع. أكتب لأنني أهوى الشرح والتفسير. أكتب لأنني أشعر بالإنجاز والسعادة مع كل مقطع أنتهي منه. أكتب لنشر العلم ودحر الجهل. أكتب صدقة عن نفسي وعلمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق