ترياق الحياة الصحية

العلاج الوجودي | ما لم تسمع به من قبل!

هل سمعت من قبل عن مفهوم العلاج الوجودي والنظريات المتبعة به؟

هل سمعت عن إنسان أصيب باكتئاب شديد، ثم شُفي منه باستخدام فلسفات ونظريات العلاج الوجودي؟

قبل ذلك، هل قرأت من قبل عن علم النفس الوجودي وتاريخ تأسيسه؟

مرحبًا بك -عزيزي القارئ- مرة أخرى، والحديث اليوم يدور عن العلاج الوجودي ونظرياته وفنياته بشكل مفصل.

احزم الأمتعة جيدًا، رحلتنا أوشكت على الانطلاق.

علم النفس الوجودي

علم النفس الوجودي هو فرع من علم النفس يركز بشكل أساسي على كيفية تعامل الناس مع المفاهيم الأساسية للوجود البشري.

وترجع جذور علم النفس الوجودي إلى علم الفلسفة، إذ يحاول علماء الفلسفة دائمًا فهم ماهية وجود الناس في هذا الكون.

ويمكن ربط العلمين مع بعضهم البعض تحت مسمى علم الفلسفة الوجودية كما أشار العديد من العلماء، مثل: كيركيغارد، ونيتشه.

إضافة إلى ذلك، فقد كتب العديد من الفلاسفة الوجوديين عن القلق المتأصل في الوجود البشري كأحد أهم المواضيع في علم النفس الوجودي، وحاجة الناس إلى وجود معنى لكل شيء، واتخاذ قراراتهم الخاصة وفقًا لرغباتهم الحقيقية، والتي تشعرهم بوجودهم المستمر في هذا العالم.

وقد تأثر علم النفس الوجودي على مر التاريخ بالتعبيرات الفنية للارتباك الذي يحدث للناس في مواجهتهم مع السخافة واللامعنى، وقد تحدث العديد من العلماء الوجوديين، مثل: سارتر، وبوفوار عن هذا التأثر الجلي.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

واُستخدم هذا العلم في اكتشاف نوع جديد من العلاج سُمي بالعلاج الوجودي.

العلاج النفسي الوجودي

تعدى مفهوم علم النفس الوجودي من مجرد مصطلحات علمية إلى استخدامه في تقنية علاج مستحدثة تُسمى العلاج الوجودي، فما هو؟

يمتاز العلاج الوجودي بتركيزه على حالة الإنسان بشكل شامل، إذ يستخدم نهجًا إيجابيًا يثني ويمدح القدرات البشرية؛ وبذلك يعتمد على الطاقات البشرية الكامنة في تجاوز حالة الشخص النفسية، ولكن في نفس الوقت يأخذ بعين الاعتبار حدود طاقات الإنسان وقيودها.

وينبغي التنويه أن العلاج النفسي الوجودي يتشابه في العديد من النقاط مع علم النفس الإنساني، والعلاج النفسي التجريبي، والعلاج النفسي العميق، والتحليل النفسي العلائقي.

يمكن للأشخاص الذين يعالجون حاليًا وعلى استعداد لاستكشاف أسباب صراعاتهم النفسية الداخلية والقرارات المؤدية إلى وضعهم الحالي، الاستفادة بشكل كبير من العلاج النفسي الوجودي، ولكن السؤال الأهم: من هم؟ وكيف يمكنهم الاستفادة؟

هناك العديد من مشكلات الصحة السلوكية والعقلية التي يمكن علاجها بنجاح باستخدام العلاج الوجودي، مثل: الاكتئاب، والقلق، والضغط النفسي ما بعد الصدمة الناتج عن التعرض للمعارك العسكرية، أو الاغتصاب، أو الاعتداء الجنسي على الأطفال، أو العنف الأسري، أو غير ذلك من الأحداث المهددة لحياة الشخص.

يمكن لهؤلاء الأشخاص الاستجابة للعلاج عبر إيجاد معنى وهدف في حياتهم، إذ غالبًا ما يتدربون على زيادة الوعي الذاتي وفهم الذات واحترامها والتحفيز الذاتي…

ولكن ما الآلية المتبعة لتحقيق هذه الأهداف؟

لا يركز الأطباء الذين يمارسون العلاج النفسي الوجودي على ماضي الشخص بشكل خاص، بل يستكشفون مع المريض أسباب الوصول إلى هذه المرحلة من خلال الاسترجاع، أي فهم الآثار المترتبة على الاختيارات السابقة والمعتقدات التي أدت إلى حدوثها، ومن ثَم الانتقال إلى الهدف المتمثل في إيجاد الذات وفهمها بشكل أوضح.

في العلاج الوجودي، لا يركز الأطباء على ماضي المريض، بل يستخدمونه أداةً لتعزيز الحرية من المرض والتعافي منه. 

بالنهاية، يصبح الشخص الخاضع للعلاج قادرًا على تحرير نفسه من القيود التي كانت تمنعه من الوجود الكامل باستمرار.

وحينما يحدث ذلك، فإنهم يحققون القدرة على أن يصبحوا أحرارًا حقًا، ثم المضي قدمًا في سفر الحياة.

نظرية العلاج الوجودي

نظرية العلاج الوجودي هي فلسفة امتدت منذ قرون، واحتضنت منذ نشأتها الحرية الشخصية والاختيار زاعمةً أن البشر يختارون وجودهم ومعناهم.

يعتقد أن الفيلسوف الأوروبي (سورين كيركيغارد) من أوائل فلاسفة النظرية الوجودية، وتبعه (فريدريك نيتشه) و(جان بول سارتر) الذين طوروا الأفكار بشكل أكبر.

اعتقد هؤلاء الفلاسفة أن الوعي الذاتي واحترام الذات وفهمها هو الطريقة الوحيدة لمعرفة هويتك الشخصية وتمييزها، وكانوا يعتقدون أن التطور الشخصي مهم لأن الحياة والأشياء تتغير باستمرار. 

وسُنّ مبدأ ثابت وحيد، وهو مسؤولية الشخص في أن يقرر في أي لحظة ما يريد أن يكون وكيف يريد أن يكون.

وتبنت نظرية العلاج الوجودي عبر التاريخ مبادئ عدة، من أهمها:

  • توجد لدى الإنسان طاقات كامنة تمكنه من الوعي الذاتي وتحمل المسؤولية والحصول على الحرية.
  • إنشاء هوية شخصية وبناء علاقات هادفة من أهم مراحل العلاج.
  • البحث عن معنى الحياة وقيمها وأهدافها والإيمان بها.
  • القلق ليس نهاية الحياة، بل حدث من أحداثها يمر وينتهي، والأهم من ذلك هو عدم تركه يسيطر على مجريات حياتنا.
  • إدراك حقيقة الموت واللاوجود. 

فنيات العلاج الوجودي

لا بد أن يتبَع أي علاج للمرضى  خطوات عملية معينة، إذا ما تحققت تلك الخطوات ونجحت؛ فإن العلاج يؤتي ثماره.

وهنا نعرض لك -عزيزي القارئ- إياها:

جمع المعلومات 

  • تدوين الأعراض والمشكلات التي يعانيها المريض وأسباب ذلك.
  • معرفة طبيعة العلاقات بين المريض وأصدقائه وأفراد عائلته.

تحليل المعلومات 

  • قراءة المعلومات وتوضيح الغامض منها، ما يساعد على فهم السبب الذي أدى إلى الوصول إلى هذه الحالة.

شرح قوانين العلاج النفسي المُتبع وطبيعته

  • اتباع الحوار الموضوعي والأسئلة بين الطبيب والمريض لفهم طبيعة البشر بشكل عام، وفهم طبيعة تفكير الشخص بشكل خاص.
  • يتاح للمريض حرية التعبير عن آرائه بشكل صريح، فالحوار بينهما ليس خطابًا بقيود؛ وذلك حتى تفهم طريقة تفكير الشخص بشكل دقيق.

التعامل بالمنطق 

يسأل المريض عدة أسئلة حول الحياة لتوضيح وجهة نظره، وهي:

  • ما الحياة؟
  • ما الهدف من الحياة؟
  • لماذا ولدنا في هذا الكون؟

ثم يشخص المريض حسب إجاباته عن هذه الأسئلة وفقًا لتقدير الطبيب المُعالج، مع العلم أن ملاحظة أي مغالطات في التفكير تستوجب التدخل العلاجي بالحوار والإقناع.

الاستنتاجات النهائية

ينبغي الآن تلخيص جميع الموضوعات التي طرحت على المريض، ومراجعتها مرة أخرى معه.

شرح العملية المتبعة في هذا النوع من العلاج النفسي والمدة المستغرقة.

المتابعة والتوضيح

تعد مرحلة المتابعة من أهم مراحل العلاج الوجودي إن لم تكن أهمها، فبعد الانتهاء من جلسات العلاج الأولية، يشعر المريض بتحسن، ثم ماذا؟

ثم ينطلق المريض لمواجهة أحداث حياته اليومية، التي قد تعرضه لمعضلات حقيقية وأسئلة كثيرة لا يمكنه فهمها، وهنا يستوجب التدخل الطبي من المُعالج واستقبال هذه الأسئلة بكل صدر رحب.

وهنا نقدم لك مقالًا: هل يُشفى المريض النفسي تمامًا بعد العلاج؟

وختامًا…

“أرى الكثير من الناس يموتون لأنهم يرون أن الحياة لا تستحق العيش، وأرى البعض الآخر يقتل بشكل متناقض بسبب الأفكار أو الأوهام الكاذبة، والتي ربما تسمى مبررات اليأس من الحياة والموت؛ لذلك استنتج أن معنى الحياة هو أكثر الأسئلة إلحاحًا.”

ربما تفسر مقولة (ألبرت كامو) مؤسس نظرية العلاج الوجودي؛ إذ تتمحور حول معنى الحياة والهدف من وجودنا بها، وكيف نستخدم طاقاتنا في تجنب الإصابة بالكوارث النفسية أو تجاوزها…

ها نحن -عزيزي القارئ- نصل إلى نهاية رحلتنا في الحديث عن العلاج الوجودي وعلم النفس المبني عليه.

لا تذهب بعيدًا، وابق معنا للحديث في مرة أخرى عن ترياق آخر.

المصدر
Practical steps in existential psychotherapy and one year follow-up of a caseExistential PsychotherapyExistential Psychology
اظهر المزيد

Younis Elijla

"أنت دخلت جحيم الطب، ولن تستطيع فعل شيء سوى الدراسة ثم الدراسة ثم الدراسة"، كلمات سمعتها كثيرًا، ولكن لم أؤمن بها في يوم من الأيام، إذ يسعى الإنسان حثيثًا إلى إثبات وجوده وجودته من خلال هوايات أخرى، أنا يونس عبد الحكيم العجلة، طالب في كلية الطب البشري في الجامعة الإسلامية غزة – فلسطين، وكاتب محتوى ومترجم طبي، أطمح دائمًا لنقل علوم المعرفة الطبية من مصادرها الموثوقة وتبسيطها باللغة العربية؛ حتى تُفهم من قبل كافة الناس بشكل سليم، إضافة إلى الرقي بمستوى المحتوى الطبي العربي بطريقة حضارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى