ترياق الأدوية النفسية

العلاج بالتعرض Exposure Therapy

تختلف طريقة تفاعلنا مع الأحداث باختلاف ماهيتها، فإذا كان الأمر يتعلق بكتابة خطاب أو حل مسألة حسابية فإننا نعتمد على التفكير المنظم، ومصدره القشرة الدماغية.

لكن، ماذا لو اعتمدنا على التفكير في خطر يهدد سلامتنا الشخصية؟

الإجابة ببساطة: لكُنا انقرضنا!

لذلك، فالدماغ يحتاج إلى نظام إنذار جيد للطوارئ؛ لإبقائنا بعيدًا عن الأخطار المهددة للحياة.

في هذا المقال، سنتعرف على العلاج بالتعرض أو “العلاج بالصدمة”، وما هي التقنيات المستخدمة فيه، وفيم يستخدم.

لكن أولًا، تعالَ لنتعرف عن قرب على آلية عمل الدماغ عند التعرض للخطر.

كيف يعمل دماغك في وقت الخطر؟

المواجهة أو الهروب

إذا تعرضت لموقف خطير، يستجيب دماغك على الفور استجابةً حاسمةً للقتال أو الهروب.

هذا شيء ضروري؛ لأنه عندما نواجه الخطر نحتاج إلى الرد بسرعة وقوة.

مصدر هذه الاستجابة السريعة يقع في جزء من الدماغ يسمى “الأميجدالا” أو ما يعرف ب”اللوزة الدماغية”.

فما هي الأميجدالا؟ وكيف تعمل؟

الأميجدالا

هي جزء صغير يشبه اللوزة موجود في الدماغ، وهي المسؤولة عن قرارات المواجهة أو الهروب عند الإحساس بالخطر.

حين نتخذ القرارات فإنه من المحتمل أن  نخطئ، وهذا الخطأ نوعان: أحدهما إيجابي كاذب والآخر سلبي كاذب.

فإذا أقررت بأن أسدًا مفترسًا يختبئ خلف سيارتك، وفي الواقع ليس هناك أسد، فهذا خطأ إيجابي كاذب؛ حيث إنك خفت من غير أن يكون هناك سبب حقيقي للخوف. 

أما إذا ظننت أنه ليس هناك خطر وراء سيارتك، بينما كان يوجد أسد بالفعل، فهذا خطأ سلبي كاذب؛ إذ أنك شعرت بالاطمئنان، رغم وجود خطر محدق أوشك أن يفنيك.

تلعب الأميجدالا على هذا النوع الثاني، فهي تمنع ارتكاب أي أخطاء سلبية كاذبة؛ لإبقائك على قيد الحياة، وهي لا تهتم بعدد المرات التي تخيفك فيها بلا داع؛ لأنها تهتم بسلامتك… سلامتك فقط!

آلية عمل الأميجدالا

  • تراقب دائماً

تراقب الأميجدالا -بشكل سلبي- علامات الخطر، وعندما ترى إحداها -صحيحة كانت أو خاطئة- فإنها تضغط على زر “مواجهة أو هروب” فتواجه أو تهرب.

  • تخزن المعلومات عندما تكون خائفًا فقط

تتعلم الأميجدالا فقط عندما يتم تنشيطها بالكامل، وذلك حين تكتشف شيئًا تُعده خطيرًا.

وهذا يعني أنه إذا ابتعدت عما تخشاه، فسوف تستمر الأميجدالا في تخزين نفس الأخطاء القديمة، دون فرصة لتعلم أي شيء جديد.

  • لا تتصرف تبعًا للسبب ولكن تبعًا لربط الأحداث

إذا هربت من قاتل فهذا أمر جيد بالطبع، ولكن إذا هربت من قطة أليفة فهذا أمر سيئ؛ لأن الأميجدالا ستتكيف على رؤية القطة على أنها أمر خطير، وستجعلك تخاف في المرة القادمة التي ترى فيها قطاً آخر.

لماذا قد نلجأ إلى العلاج بالتعرض؟

عندما تعاني من القلق بسبب خوفك من شيء ما أو بسبب ذكرى مؤلمة، فإنك غالبًا تحاول جاهدًا مواجهة هذا الخوف.

تحاول مرات، لكن دون جدوى؛ فينتهي بك الأمر إلى تجنب هذه الأشياء المخيفة أو المؤلمة.

يوفر هذا التجنب راحة مؤقتة، لكنها لا تدوم طويلًا بل من الممكن أن تتفاقم الأمور.

صمم العلاج بالتعرض؛ لتقليل المشاعر -غير العقلانية- التي تستدعيها لموقف تعرضت له سلفاً من خلال تعريضك له باستخدام تقنية آمنة ومناسبة لحالتك .

ما هي التقنيات المستخدمة في العلاج بالتعرض أو العلاج بالصدمة النفسية؟

يقوم المعالج النفسي بإجراء تقييمات لتخيُّر التقنية الأنسب لحالة المصاب

، وفيما يلي التقنيات الأكثر شيوعًا:

  1. التعرض التخيلي أو التعرض الوهمي:

يُطلب من الشخص المصاب تخيل موقف يخاف منه.

فمثلاً، يطلب من الشخص المصاب برهاب الأماكن المزدحمة أن يتخيل أنه يقف في مركز تجاري مزدحم.

تمثل هذه التقنية نهجًا فعالًا للأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة؛ لأنه يمَكن المصابين من سرد تجربتهم الشخصية.

  1. التعرض الحي الحقيقي:         

وفيه يتعرض الشخص لسيناريوهات واقعية عن خوفه.

كتقريب عنكبوت حقيقي إلى شخص يعاني من رهاب العناكب.

    3. التعرض للواقع الافتراضي:

وفيه يتعرض الشخص للمنبهات الخيالية في مواقف تبدو حقيقية، باستخدام تكنولوجيا الواقع الافتراضي.

فمثلًا، قد يشارك شخص مصاب برهاب المرتفعات في محاكاة افتراضية لتسلق جبل عال.

    4. التعرض الداخلي:

يركز علاج التعرض للإحساس الداخلي على خلق استجابات جسدية يربطها الناس بالذعر.

 فمثلاً، إذا كان الشخص مصابًا باضطراب الهلع، فإنه يربط بين زيادة معدل ضربات القلب والشعور بالذعر.

 وهنا يرشده المعالج  للركض في مكان آمن؛ لخلق أحاسيس جسدية مماثلة دون أي شعور بالخطر.

ويعمل هذا النوع من التعرض بإحدى طريقتين، هما: التعرض المتدرج والعلاج بالإفاضة.

  •      أولاً: التعرض المتدرج:

ويعني أن يواجه الأشخاص مخاوفهم الأقل قلقًا أولًا، ثم التدرج لمواقف أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

 يساعد هذا النوع الأشخاص على بناء الثقة التي يحتاجونها للتغلب على مخاوف أكبر.

فعلى سبيل المثال، إذا كنت تعاني من رهاب من العناكب، فقد تبدأ أولاً بالنظر إلى صورها، ثم يتطور هذا إلى وجود عنكبوت في الغرفة خلف الزجاج، وفي النهاية تمسك إحداها.

  •      ثانياً: العلاج بالإفاضة أو الغمر: 

ويعني أن يبدأ الناس بالتعرض للعنصر الأكثر رعبًا في التسلسل الهرمي للخوف أولاً؛ مما قد يساعدهم على مواجهة المخاوف الأقل بسهولة.

يذكرنا هذا بتجربة الطبيب النفسي “جوزيف وولب” على فتاة كانت تعاني من خوف شديد من السيارات المسرعة.

قام الطبيب بتكرار دفعها نحو السيارات لعدة ساعات، في البداية أصيبت الفتاة بهلع شديد، لكنها في نهاية المطاف هدأت بعد أن أدركت أن وضعها آمن تمامًا، ومنذ ذلك الحين لم تعد تخاف منها.

ما هي الاستخدامات الشائعة للعلاج بالتعرض Exposure Therapy؟

  1. في الرهاب: 

يُستخدم العلاج بالتعرض في علاج مرضى الرهاب بالتزامن مع تمارين الاسترخاء؛ مما يساعدهم على التأقلم مع مخاوفهم.

  1. في اضطراب ما بعد الصدمة:

يهدف العلاج بالتعرض أو العلاج بالصدمة Exposure Therapy إلى مساعدة المريض على مواجهة الخوف الملازم له بعد الصدمة.

ويمكن مواجهة هذا الاضطراب بأحد نوعي العلاج بالصدمة النفسية: العلاج بالغمر أو بالتعرض المتدرج.

اضطراب ما بعد الصدمة

هل العلاج بالتعرض مثبت علميًّا؟

يعد العلاج بالتعرض واحدًا من طرق العلاج -الفعالة والمثبتة علميًّا- لاضطرابات القلق الناتجة عن الرهاب والصدمات.

فقد ثبت أن ما يقرب من 60-90٪ من المصابين الذين عولجوا بالتعرض قد شفوا نهائيًّا أو تحسنت حالتهم بشكل كبير.

في دراسة أجريت عام 2013، وجد أن العلاج بالتعرض كان فعالا في مساعدة الناجين من زلزال الصين، فقد قسم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين متساويتين.

تلقت المجموعة الأولى العلاج بالتعرض على الفور، وتلقت المجموعة الثانية العلاج بعد أسبوعين.

مقارنة بمجموعة الانتظار، كان لدى المجموعة الأولى انخفاضًا كبيرًا في أعراض اضطراب ما بعد الصدمة والقلق.

نصائح هامة عند قرارك العلاج بالصدمة

إليك بعض النصائح المهمة عند تطلعك إلى العلاج بالتعرض:

  • ابحث عن معالج نفسي له خبرة في هذا النوع من العلاج النفسي.
  • لا تسمح لأحد أن يجبرك على الانخراط في علاج تشعر فيه بعدم اليقين.
  • المعالج الجيد سيساعدك في شرح أنواع التقنيات التي يرغب في استخدامها، لذلك لا تتحرج في عرض أسئلتك عليه.

وفي النهاية، نأمل أن يشجعك هذا المقال على مواجهة خوفك سواء بتبني العلاج بالتعرض أو بأي وسيلة طبية أخرى.

المصدر
What is exposure therapy for posttraumatic stress disorder (PTSD)?Effectiveness of National Implementation of Prolonged Exposure Therapy in Veterans Affairs Care'Exposure Therapy' Best Against PTSD Plus DrinkingHow Systematic Desensitization Can Help You Overcome FearAutophobiaWhat Is Exposure Therapy?Exposure therapy: What it is and what to expectAmygdala Hijack: When Emotion Takes Over
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق