ترياق الأمراض النفسية

العمه agnosia | حواسُّ سليمة وإدراكٌ مفقود!

هل تعلم مدى الصعوبة التي يواجهها المصاب بالعمه -أيًّا كان نوعه- في حياته اليومية؟

تخيل أن ترى ابنك الحقيقي وصورة له، ولا تستطيع التفريق بينهما، أو تخبر أيهما الحقيقي من غيره!

أو تخيل أنك لا تستطيع التمييز بين أشكال الأشياء، أو الغرض من استخدامها، أو أسمائها، أو حتى الأصوات المختلفة! 

أمور رئيسة نحتاجها في حياتنا اليومية حتى تكتمل دائرة إدراكنا لما يحدث حولنا، ولكن ماذا لو أخفقنا بها؟

أهلًا بك -عزيزي القارئ- في ترياق جديد، والحديث عن تفاصيل أكثر عن مرض العمه agnosia وأنواعه وأسبابه.

كما جرت العادة، اربط الأحزمة جيدًا؛ فرحلتنا أوشكت على الانطلاق! ابقَ معنا… 

ما هو العمه؟

معنى عمه هو عدم القدرة على إدراك الأجسام المختلفة أو أوجه الناس أو أصواتهم أو الأماكن التي تزورها.

يُعد العمه “agnosia” مرضًا نادر الحدوث، ويصيب حاسةً أو أكثر من حواس الإنسان، مثل: حاسة البصر أو السمع أو كليهما.

ولكن هل نقصد إصابة الحاسة بشكل كلي؟ أي عدم استطاعتك رؤية الأشياء أو سماع الأصوات؟

بالطبع لا، فالمقصود هنا هو عدم القدرة على التمييز بين الأشياء عند رؤيتها أو الأصوات عند سماعها.

المقال ينال اعجابك ؟ حسناً اشترك معنا ليصلك جديد المقالات المشابهه

فربما المصاب حاد البصر، لكنه لا يستطيع أن يدرك حقيقة الشيء عند النظر إليه، بل وعند الإمساك به.

فعلى سبيل المثال: يرى الشخص المسدس بوضوح، ولكنه لا يدرك أنه لعبة حتى بعد أن يتفحصه. 

وتتمايز أنواع العمه “agnosia” إلى عمه بصري، أو سمعي، أو حركي، أو عمه اللمس.

يُحتمل أن يصاب الشخص بالعمه بسبب تلف بعض المسارات العصبية الحسية في الدماغ المهمة لتفسير الأشياء وتمييزها من خلال الرؤية.

تحدث تلك الآفات في الفص الجداري أو الصدغي أو القذالي الذي يحتوي على ذاكرة دلالية ولغوية لأسماء الأجسام المرئية واستخداماتها.

ويعود سبب تلك الآفات إلى التهاب السحايا أو حدوث سكتات أو سرطانات دماغية أو إلى نقص الأكسجين (استنشاق أول أكسيد الكربون).

للمزيد حول السكتة الدماغية وزيارتها المفاجئة، تابع هذا المقال.

العمه البصري

تسبب إصابات المسارات العصبية بين الفص القذالي والفص الجداري أو الصدغي هذا النوع من العمه “agnosia”، ما السبب يا ترى؟

يمثل الفص القذالي مركزًا لاستقبال المعلومات البصرية (إشارات حسية لما تراه)، أما الفصان الجداري والصدغي فهما مركزا تفسيرها وفهمها.

ويمكن تقسيم العمه البصري (Visual Agnosia) إلى نوعين:

العمه البصري للإدراك المبصر

يتسم العمه البصري للإدراك المبصر بصعوبة إدراك أشكال الأجسام التي تراها، وبالتالي يعجز المصاب عن التمييز بين جسم وآخر من خلال الرؤية، كيف ذلك؟

ربما تنظر إلى طبق فواكه مرسوم على لوح معين، لكن ينتهي بك الأمر بتكوين صورة من خربشات متتالية في دماغك!

العمه البصري للإدراك المبصر

تبقى حدة البصر طبيعية، ويستمر الشخص في استعمال بصره للتنقل وإمساك الأشياء.

ويظل قادرًا على إدراك الغرض من استخدام تلك الأجسام عند التعرف إليها من خلال اللمس أو الإمساك. 

وتُعد إصابات القشرة القذالية الجدارية أكثر الأسباب شيوعًا للإصابة بهذا النوع من العمه البصري.

العمه البصري الترابطي

نوع نادر الحدوث، يتسم المصاب به بعدم القدرة على استرجاع المعلومات التي كان يعرفها عن الأشياء من حوله سواء أسماؤها أو استخداماتها.

يستطيع الشخص في هذه الحالة رؤية الأجسام جيدًا، وتُرسم صورة مطابقة لها في دماغه، لكن -للأسف- لا يقدر على استرجاع المعلومات المتعلقة بها.

فلا يستطيع المصاب التمييز بين صورة حصان وحصان حقيقي، فهما شيئان متشابهان من وجهة نظره.

وينبغي التنويه أن المُصاب يستطيع إدراك أسماء الأجسام واستخداماتها من خلال اللمس أو الدلالات اللفظية، لا الرؤية.

تُعد آفات القشرة القذالية الصدغية على الجانبين أهم سبب للعمه البصري الترابطي، وله عدة أنواع:

  1. عمى تعرف الوجوه: يحدث بسبب آفات باحة الوجه المغزلي -منطقة بالدماغ مسؤولة عن التعرف إلى الوجوه.

لا يستطيع المصاب تمييز الوجوه من بعضها، كما هو الحال في مرض الزهايمر، الذي يدمر هذه المنطقة أيضًا.

  1. عمى الألوان: عدم القدرة على التمييز بين الألوان -خاصةً الأحمر والأزرق والأخضر. 

ويُمنع المصابون به من قيادة السيارات؛ لعجزهم عن تمييز ألوان إشارات المرور.

عمى الألوان
  1. عمى الإيماءات: عدم القدرة على إدراك الإشارات من خلال الرؤية.
  2. عمى الاتجاهات: لا يستطيع المصاب تحديد اتجاهات الأجسام المتحركة، وفي الحالات الشديدة لا يستطيع أن يرى الأجسام المتحركة إلا ساكنة.

فعندما يرى المصاب سيارة ساكنة وسط الشارع العمومي، يتعجب  من مخالفتها قوانين المرور، لكنها في الحقيقة تسير بسرعة 60 كم/ س… تخيل!

ما هو العمه السمعي؟

العمه السمعي (Auditory agnosia) هو عدم القدرة على إدراك الكلمات المسموعة وفهمها على الرغم من سلامة حاسة السمع، وينتج -غالبًا- بسبب آفة في الفص الصدغي الأيمن.

لكن هناك نوع مميز من أنواع العمه السمعي، وهو العمه الصوتي… هل سمعت به من قبل؟ 

تابع معنا لتتعرف إليه.

العمه الصوتي

العمه الصوتي هو عدم القدرة على التمييز بين الأصوات المألوفة لنا؛ بسبب تلف في النصف الأيمن من الدماغ في المنطقة المسؤولة عن تمييز الأصوات.

وينبغي الإشارة إلى أن المصاب يمكنه إدراك الأصوات الصادرة من الأجسام الأخرى والكلمات المسموعة في بعض الأحيان.

عمه اللمس

عمه اللمس (Tactile agnosia) هو عجز الشخص عن التعرف إلى الأجسام من خلال اللمس.

ربما تشعر بوزن الجسم وشكله عند الإمساك به، لكنك لا تستطيع أن تعرف ما هو أو ما الغرض من استخدامه؛ بسبب آفة في الفص الصدغي.

مثال: إذا عُصبت عينا الشخص المصاب، وأعطيته كرة قدم حتى يمسك بها، يستطيع أن يشعر بوزنها وشكلها الكروي، ثم ماذا؟

ثم لا يستطيع أن يخبرك أنها كرة قدم، وأنها تستخدم -أيضًا- للعب المباريات مع الأصدقاء وفي النوادي!

ما هو العمه الحركي؟

العمه الحركي -أو تعذر الأداء (Apraxia)- هو أحد أنواع الاضطرابات العصبية التي وُجدت صعوبة بليغة في فهمها؛ إذ إن الأشخاص الذين يعانونه يجدون صعوبة في تنفيذ بعض الحركات رغم سلامة العضلات من أي ضرر.

يحدث العمه الحركي في مناطق عديدة بعدة أشكال، ومن أنواعه:

تعذر الأداء الوجهي/ الفموي

يعجز المصاب بهذا النوع من العمه الحركي عن أداء بعض الحركات من خلال عضلات الوجه، فلا يقدر -مثلًا- على إبراز شفتيه للخارج أو إظهار تعبير الدهشة.

تعذر الأداء بحركة الأطراف

لا يستطيع المُصاب هنا تأدية بعض الحركات بأطرافه العلوية أو السفلية.

تعذر أداء الكلام

يتسم تعذر أداء الكلام بعدم قدرة الشخص على تحريك شفتيه ولسانه، ومن ثم لا يستطيع أن يتكلم بشكل طبيعي.

تعذر أداء الكلام

وله نوعان:

  1. تعذر الأداء النقطي المكتسب: يحدث في جميع المراحل العمرية، لكنه غالبًا ما يصيب البالغين، ويعاني المصابون به فقدان القدرة على الكلام، القدرة التي كانوا يتمتعون بها سابقًا.
  2. تعذر الأداء النطقي في مرحلة الطفولة: تُعد اضطرابات الأعصاب الحركية أهم سبب للإصابة بتعذر الأداء النطقي في مرحلة الطفولة.

يتأثر الطفل منذ ولادته ويستمر الاضطراب معه طيلة حياته -إذا لم يعالج-، إذ لا يقدر الطفل على تكوين الأصوات والكلمات بشكل مناسب.

ولكن من الممكن أن تتحسن قدرة الطفل على الكلام من خلال طرق علاجية مناسبة، وربما تصل إلى التعافي الكامل من الاضطراب.

ختامًا… 

هل تعتقد -عزيزي القارئ- أننا ذكرنا كل أنواع العمه agnosia الفرعية في مقالنا؟

بالطبع لا؛ لأن الأنواع الأخرى لا تزال محل دراسة وبحث في أنحاء العالم، ومن ثم ذكرنا لكم الأنواع الأكثر شيوعًا والمثبتة علميًا.

في النهاية، ينبغي لنا أن نراقب أنفسنا وأطفالنا إذا عانوا أي أعراض شبيهة بالإصابة بالعمه agnosia؛ لما يترتب عليه من آثار سلبية في الفرد والمجتمع. 

ها نحن -عزيزي القارئ- وصلنا إلى نهاية رحلتنا لهذا اليوم، إلى اللقاء في ترياق جديد… لا تذهب بعيدًا!

المصدر
What Is Agnosia?Apraxia: Symptoms, Causes, Tests, TreatmentsAgnosia
اظهر المزيد

Younis Elijla

"أنت دخلت جحيم الطب، ولن تستطيع فعل شيء سوى الدراسة ثم الدراسة ثم الدراسة"، كلمات سمعتها كثيرًا، ولكن لم أؤمن بها في يوم من الأيام، إذ يسعى الإنسان حثيثًا إلى إثبات وجوده وجودته من خلال هوايات أخرى، أنا يونس عبد الحكيم العجلة، طالب في كلية الطب البشري في الجامعة الإسلامية غزة – فلسطين، وكاتب محتوى ومترجم طبي، أطمح دائمًا لنقل علوم المعرفة الطبية من مصادرها الموثوقة وتبسيطها باللغة العربية؛ حتى تُفهم من قبل كافة الناس بشكل سليم، إضافة إلى الرقي بمستوى المحتوى الطبي العربي بطريقة حضارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى