ترياق الحياة الصحية

العنصرية وأثرها النفسي على الفرد والمجتمع

جورج فلويد… مواطن أمريكي من أصولٍ إفريقية -ذو بشرة سوداء- قُتل على يد ضابط أمريكي أبيض، عندما وضع ركبته على رقبة هذا المواطن ما يفوق الثماني دقائق دون شفقة أو إنسانية؛ مما أدى إلى إغماء المواطن ومن ثَمَّ وفاته.

كانت هذه الحادثة بمنزلة القشة التي قصمت ظهر البعير، وخرج الأمريكيون ذوو الأصول الإفريقية في مظاهرات، ومنهم مَن أحدث تخريبات انتقامًا من الحكومة الأمريكية التي تعدهم أقل من البيض ولا تحميهم. 

إذا نظرت -عزيزي القارئ- إلى هذه الأحداث، ستجد أنها نابعة من العنصرية والتعصب ضد السود على الرغم من أنهم يتشاركون مع البيض نفس الأرض ولديهم نفس الحقوق.

سنتعرف سويًا إلى مفهوم العنصرية، وأبرز أسبابها، وأنواعها، وأثرها النفسي وطرق مواجهة العنصرية .

ما هي العنصرية؟

هي تقسيم الجنس البشري إلى فئات عديدة وفقًا للون بشرتهم، أو قوميتهم، أو دياناتهم مع إعطاء أفضلية لفئة معينة على الأخرى؛ مما يترتب عليه حصولها على امتيازات -من حقوق وخدمات- دون الفئة الأخرى.

تعتمد التفرقة العنصرية على إسناد صفات قبيحة وحقائق مغلوطة عن الفئة المضطهدة؛ لتبرير القوانين والإجراءات المأخوذة ضدها للحد من سلطتها في المجتمع.

تستعين الفئة المُسيطرة بكلٍّ من وسائل الإعلام، والسلطات الحكومية، وكبار رجال الأعمال لبث العنصرية تجاه الفئة المضطهدة.

أهم عوامل ظهور العنصرية

أهم عوامل ظهور العنصرية

١. التمييز العرقي:

وخير مثال عليها “النازية” المؤمنة بأن الرجل الأبيض أو الجنس الآري هو الأفضل والأذكى وباقي الأعراق خُلقت لأجله.

٢. الاختلافات الطبقية:

إذ تقتصر بعض الامتيازات -المُتمثلة في الحقوق والوظائف- على الطبقة العليا صاحبة النفوذ والسلطة دون الطبقات المتوسطة والدنيا، وترى ذلك حقًا أصيلًا لها.

٣. اختلاف اللغة:

تظهر بشكل ملحوظ في المغتربين الذين يجهلون لغة البلد المُهاجَر إليها.

لا يقتصر اختلاف اللغة على كونها سببًا للعنصرية، بل أحيانًا اختلاف اللكنة بين أبناء الوطن الواحد يُولِد العنصرية.

٤. ثقافة البلاد وعاداتها:

عانت بعض البلاد من العنصرية أشد المعاناة، ثم تخلصت منها، لكن لا زالت الأقوال والأفعال ذات المغزى العنصري تصدر من بعض أفراده لتأصل ثقافة التمييز بين أبناء البلد، وتتوارثها الأجيال.

٥. اختلاف الديانات:

وذلك من خلال فرض الديانة الغالبة في البلاد قوانين ودساتير وفقًا لما يناسبها مع عدم الالتفات إلى الأقلية الدينية،
فضلًا عن وصمهم بصفات قبيحة.

٦. اضطرابات نفسية:

وتشمل حب الأنا والغرور؛ حيث يلجأ البعض إلى إظهار قوته وأهميته من خلال التقليل من الآخر وإذلاله ما دام لا يُشبهه.

للعنصرية وجهان مختلفان:

تختلف العنصرية من مجتمع لآخر وفقًا لتاريخه مع التفرقة العنصرية، وتعدد فئاته، ونزعة أفراده تجاهها.

أشكال العنصرية:

١.مباشرة: أي تظهرعن طريق الأفعال العنيفة والألفاظ المؤذية من قبل الفئة المُسيطرة.

٢.غير مباشرة: أي يُمارس التمييز في الخفاء عن طريق فرض قوانين وشروط تخدم الفئة المُسيطرة وتحد من سلطات الفئة المضطهدة.

تأثير العنصرية على الجانب النفسي للأفراد:

تأثير العنصرية على الجانب النفسي

عند دراسة الصحة النفسية لأبناء الفئة المضطهدة، وُجِد أنهم يعانون اضطرابات نفسية مثل:

  • التوتر والقلق
  • فقدان الثقة بالنفس
  • تدني حب الذات
  • الاكتئاب
  • انحرافات سلوكية كإدمان المخدرات أو الخمر
  • الانتحار

لا يقتصر الأمر على الاضطرابات النفسية فحسب، فأبناء تلك الفئة أكثر عرضة للأمراض العضوية،
مثل: أمراض القلب، وداء السكري، والسرطان، والبدانة.

العلاقة بين العنصرية والاضطرابات النفسية والعضوية 

تضع التفرقة العنصرية الفئة المُضطهدة في قالب مخصوص؛ فتجد الفئة المُسيطرة ترفض التعامل مع الفئة المُضطهدة وتتجنب السكن  بجوارها، ما يترتب عليه انعزال هذه الفئة في منطقة خاصة بها وعدم مشاركتها في النهوض بالمجتمع مع الفئة  الأخرى، ومن ثم يتولد بداخلها الشعور بالغربة.

ونتيجة للعزل الاجتماعي لذوي البشرة السوداء، تُفرض ضدهم قوانين وأحكام لقمعهم والتنكيل بهم.

فنجد أن ما يتلقونه من خدمات صحية أقل في المستوى عن تلك المقدمة للفئة المُسيطرة، فما بين منشآت طبية غير مُجهزة وبين فريق طبي منحاز ضدهم يعيش ذوو البشرة السمراء في قلق دائم على حياتهم.

إضافةً إلى سوء الخدمات الصحية المقدمة لهم، فإن التعليم في المدارس والجامعات المُميزة يكون حكرًا على أبناء الطبقة المُسيطرة.

مما يَحرمهم من الالتحاق بالجامعات العريقة وامتهان ما يحبون -أي أن طموحهم ومستواهم الثقافي محدود رغمًا عنهم- ما يجعلهم عرضة للاكتئاب والتفكير في الانتحار.

قد يشعر أبناء الطبقة المُضطهدة بالدونية وقلة الثقة بالنفس من جراء الرسائل المجتمعية التي تبث التمييز العنصري وتلصق صفات بغيضة بهذه الفئة عن طريق الأعمال الفنية والإعلام.

حلول لمواجهة العنصرية وأثرها النفسي:

حلول لمواجهة العنصرية

للعنصرية أثر بغيض على المستوى الشخصي للمُضَطَهد وعلى المستوى المجتمعي؛ إذ يولد الحقد والكراهية،
ويتيح الفرص للحروب الأهلية وتفتيت الدول وضياع اقتصادها.

قبل البدء في تنفيذ حلول للقضاء على العنصرية، هناك خطوات تُمهد لتنفيذ هذه الحلول ألا وهي:

  • دراسة المجتمع بشكل تفصيلي من حيث فئاته المختلفة، والعلاقة بينها، والأسباب وراء هذا التعصب والعنصرية فيه.
  • توثيق الأفعال العنصرية لإثبات وجود التمييز العنصري.
  • دعوة كلٍّ من الناشطين  الحقوقيين، والمحامين، وممثلي فئات المجتمع، وضحايا التمييز العنصري إلى الاجتماع للاتفاق على حلول لمواجهة العنصرية.
  • تحديد السياسات والقوانين التي تدعو للتعصب والسعي لإلغائها.
  • تحديد تاريخ العنصرية، هل هي مُستحدثة أم مُتأصلة في المجتمع.
  • تحديد الهدف من الحلول المطروحة، هل تُغيّر ثقافة الشعب أم ستُغيّر سياسات الدولة.

خطوات لمواجهة العنصرية بواسطة الإعلام:

١. استضافة ممثلي فئات المجتمع عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية ومناقشة خططهم لنبذ التعصب وتوحيد فئات المجتمع.

٢. الاستعانة بالأطباء النفسيين في عقد مؤتمرات علمية عن الأثر النفسي للتعصب على الأفراد وخطورته على المجتمع، وإذاعة هذه المؤتمرات عبر كافة وسائل التواصل الاجتماعي.

خطوات لمواجهة العنصرية عن طريق المدارس:

وهي من أهم الخطوات، إذ إن تربية النشء على تقبل الآخر ونبذ التعصب يجعل الجيل القادم أكثر وعيًا بآثار التمييز العنصري، ومن أبرز هذه الخطوات:

١. تنظيم المدرسة محاضرات توعية ونقاشات بين الطلبة والمعلمين عن الآثار السلبية للعنصرية.

٢. تنظيم رحلات مدرسية إلى أماكن تاريخية شهدت التفرقة العنصرية وعانت آثارها لأخذ العظة منها.

٣. إدخال فكرة نبذ التطرف والتعصب، وتقبل الآخر في مناهج الأطفال.

خطوات لمواجهة العنصرية عن طريق العمل المجتمعي:

١. تأسيس جمعيات ومنظمات حقوقية تُدافع عمّن  تعرض للتمييز العنصري، وتُوفر له بيئة آمنة للحديث بمصداقية بعيدًا عن أي ضغوط.

٢. تأسيس ائتلافات من محبي العمل الاجتماعي من فئات مختلفة وتنظيم منتديات تحارب التعصب الفئوي، يحضرها كبار رجال الدولة ورجال الأعمال والصحافة مع السماح للمواطنين بالحضور.

العنصرية كالنار تلتهم ضحاياها وتُشوههم نفسيًا وتدمر المجتمع، وذلك بإشاعة الكراهية بين فئاته، ما يترتب عليه اندثار حضارتهم.

حان الوقت لمحاربة العنصرية على المستوى الشخصي عن طريق بث قيم احترام الرأي في أولادنا، وعلى المستوى الاجتماعي عن طريق فرض قوانين تضمن حقوق كافة فئات المجتمع دون انحياز. 

المصدر
RacismSection 4. Strategies and Activities for Reducing Racial Prejudice and RacismThe Link Between Experiences of Racism and Stress and Anxiety for Black Americans: A Mindfulness and Acceptance-Based Coping Approach
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق