ترياق الأسرة

العنف الأسري | عندما تتحول الأسرة من ملاذ آمن إلى جحيم!

“لا أتذكر أنه احتضنني قط في طفولتي، كل ما أتذكره هو صراخه المتواصل بي وبأمي. كان أبًا قاسيًا لأبعد الحدود!”.

“عندما تراها، تظن أنني كنت زوجًا منعَّمًا؛ امرأة ذات حسبٍ ونسبٍ وجمال، تخطف بأناقتها وطلتها الألباب. لكن معاناتي كانت لا توصَف؛ فهي دائمة الانتقاد والتسفيه والتحقير لكل شيء يخصني، كبيرًا كان أو صغيرًا!”.

“أفنيت عمري في تربيته -بعد وفاة زوجي- حتى أصبح رجلًا أفتخر به في كل مكان. الآن بعدما بلغ مني الكِبَر مبلغه، وعرف المرض طريقه لجسدي، لم يَعُد يحتملني، الآن يصرخ بي وينهرني!”.

إن العنف الأسري واحد من أهم القضايا المجتمعية المطروحة على الساحة منذ عدة عقود. يرجع ذلك للإيمان الشديد بأن أولى الخطوات اللازمة لتنشئة مجتمعٍ سَوِيٍّ تتمثل في إنشاء أسرة سَوِيَّة مستقرة.

في هذا المقال، نتحدث عن العنف الأسري وأشكاله وأسبابه وكيفية التعامل السليم معه. 

تعريف العنف الأسري

يُطلَق مصطلح “العنف الأسري” على أي سلوكٍ يشتمل على تهديدٍ أو سيطرةٍ أو انتهاك يمارَس ضد  الموجودين داخل نطاق الأسرة أو العائلة من قِبَل أحد أفرادها. فيتحول وجود هذا الشخص -سواء كان: زوجًا، أبًا، أخًا أو ابنًا- من مصدر أمانٍ لأسرته لمصدر ذعرٍ وخوف.

وتوجَد العديد من أشكال العنف الأسري نشرحها في الفقرات التالية.

أشكال العنف الأسري

ربما تعتقد يا صديقي أن للعنف الأسري شكلًا وحيدًا وواضحًا يتمثل في الانتهاك الجسدي أو الجنسي، لكن يؤسفنا أن نقول أن هناك عددًا لا حصر له من السلوكيات المألوفة لدى الكثير منا تندرج تحت بند هذا العنف، ويمكن أن نُجْمِلها في الأشكال التالية:

أولًا: العنف الجسدي

يستخدم المعتدي في هذا النوع  قوته الجسدية في إيذاء شخصٍ آخر وتعريضه للخطر.

 من أشهر السلوكيات التي تقع تحت بند العنف الجسدي: 

  • الضرب، والصفع، والحرق، والتقييد والركل.
  • التهديد باستخدام السلاح.
  • الإجبار على فعل أشياء مُخِلَّة، أو الحرمان من الاحتياجات الأساسية للحياة.
العنف الجسدي

ثانيًا: الانتهاك الجنسي

وهو أقسي أنواع العنف الجسدي وأكثرها عنفًا، وتوجَد الكثير من أشكال العنف والانتهاك الجسدي، مثل:

  • الاغتصاب.
  • التحرش.
  • إجبار الزوجة على ممارسة العلاقة الحميمية.
  • التمسك بممارسات جنسية مؤذية أو غير مرغوبة.
  • الإجبار على ممارسة الدعارة.

ثالثًا: العنف العاطفي أو النفسي

يُعَدُّ العنف العاطفي أكثر أنواع العنف الأسري خطورة. ففي العادة يصعب اكتشافه، وغالبًا ما يكون مُغلفًا بمسميات براقة أخرى مثل الحب والاهتمام.

من أشهر سلوكيات العنف العاطفي:

  • التقليل من قيمة الشخص عن طريق التنمر أو التحقير أو الإهمال.
  • الإهانة بصورة مستمرة.
  • الصراخ والتعنيف الدائم.
  • التسفيه من الآراء والتشكيك في القدرة على اتخاذ القرارات.
  • إبعاد الشخص عن كل مَنْ حوله سواء من العائلة أو الأصدقاء.
  • اللوم الدائم والمستمر.
  • الغيرة المرضية.
  • الابتزاز العاطفي المستمر والتهديد بالرحيل.

رابعًا: الانتهاك الاقتصادي

يتمثل هذا النوع من الانتهاك في التحكم التام في كل الموارد الاقتصادية، وإجبار الشريك على الاعتماد المادي عليه.

وأكثر الممارسات التي تندرج تحت هذا النوع من العنف:

  • الاستيلاء على أموال أحد أفراد الأسرة أو سرقتها.
  • استغلال تلك الأموال في تحقيق منافع شخصية.
  • حرمان أحد الأفراد من احتياجاته الأساسية، مثل: الطعام، أو الشراب، أو الملبس أو المأوى.

خامسًا: الانتهاك الروحي

في هذا النوع من العنف الأسري يقوم المعتدي بممارسة أحد السلوكيات الآتية:

  • المنع من ممارسة العقائد الدينية. 
  • التحقير والتسفيه من معتقدات الآخر الدينية.
  • استغلال التعاليم الدينية في إجبار الآخر على ممارسة أشياء لا يرغب بها.

أسباب العنف الأسري

إن ممارسة العنف الأسري اختيار شخصي بحت؛ يجد فيها هذا الشخص طريقه لإشباع رغبة دفينة في السيطرة على الآخرين والتحكم في حياتهم.

على الرغم من ذلك، لا يمكننا إنكار وجود بعض العوامل المجتمعية والثقافية التي تدعم هذا السلوك وتعززه، بل أحيانًا تحاول إيجاد مبررات له.

في الكثير من الأحيان يكون الشخص ضحية عنف أسري سابق لم يُشفَ من آثاره، هذا بجانب غياب الوازع الأخلاقي والديني.

الجلاد والضحية

إن العنف الأسري هو سلوك يمارسه الشخص بكامل وعيه وبإرادته واختياره؛ بطريقة ممنهجة ومدروسة بعناية. وعادةً ما يلجأ الشخص لإيجاد مبررات مختلفة للتغطية عليه مثل ضغوطات الحياة، بل ويصل تبجحه أحيانًا  للوم الضحايا على سلوكه. 

وتتمثل تلك المنهجية المتبعة في عدة خطوات، وهي:

  1. الانتهاك أو العنف: يمارس الشخص سلوكًا عنيفًا غير مبرَّر على أحد أفراد أسرته.
  2. الشعور بالذنب: بعد انتهاء نوبة العنف وخُفُوتِ ثورته، يبدأ الشخص في الشعور بالذنب الشديد وجَلْدِ الذات.
  3. االتبرير: يحاول الشخص البحث عن مبررات لسلوكه المُشين، بل أحيانًا يلوم الضحية عليه.
  4. الإرضاء: يفعل هذا الشخص كل ما في وسعه لإرضاء ضحيته، وضمان وجودها واستمرارها، وإثبات أنه قد تغير.
  5. التحفز: في تلك المرحلة، يبدأ الشخص في البحث عن طريقة جديدة لإظهار سلوكه العنيف مرة أخرى وبشكل مختلف.

وتستمر تلك الخطوات، تُسلِم إحداها الأخرى؛ فتعيش الضحية في دائرة متواصلة من العنف المنزلي المتكرر والمستمر.

وهنا يلح علينا تساؤل مهم وهو: “من هي الفئات المتضررة من العنف الأسري؟ وهل يقتصر الأمر على المرأة أو الطفل فقط؟”. ولمعرفة الإجابة، ننتقل للفقرة التالية.

ضحايا العنف الأسري 

إن العنف الأسري سلوك منتشر في الكثير من المجتمعات، باختلاف أنواعها وخلفياتها الثقافية أو الدينية. ولا تقتصر ممارسته على سن أو جنس بعينه؛ فكل أفراد الأسرة يطولهم أذاه، وهذا ما ستشرحه الفقرات التالية.

  • العنف الأسري بين الأزواج: 

يشمل هذا النوع من العنف الأسري العلاقة بين الرجل والمرأة، سواء داخل إطار الخطبة أو الزواج أو الطلاق.

يمارس فيه أحد طرفي العلاقة -سواء كان رجلًا أو امرأة- أحد أساليب العنف التي ذكرناها سابقًا في بداية المقال. 

  • العنف الأسري ضد الأطفال:

لا يقتصر تعريف العنف الأسري ضد الأطفال على ممارسة أحد الأبوين -أو كلاهما- لسلوكيات العنف المذكورة على الأبناء؛ بل يشمل سماع الطفل ومشاهدته أحداث عنف داخل المنزل، حتى لو كانت تمارَس ضد غيره.

  • العنف الأسري ضد كبار السن: 

حتى كبار السن من الآباء والأمهات لم يسلموا من العنف الأسري، والذي عادة ما يمارَس ضدهم من قِبَل أبنائهم أو مَنْ يقومون على رعايتهم.

العنف الأسري ضد كبار السن

تأثير العنف الأسري على الصحة النفسية

للعنف الأسري تأثير بالغ الخطورة على الصحة النفسية لكل أفراد الأسرة بلا أي استثناء. وتختلف حدة المشاكل والأعراض النفسية على حسب العمر، والجنس، وحدة سلوكيات العنف، ومدة التعرض لها.

ومن أشهر الأعراض والمشاكل النفسية التي تظهر على الضحايا:

  • قلة الثقة بالنفس.
  • انعدام قيمة الذات.
  • القلق المستمر.
  • الشعور بالذنب وجلد الذات.
  • فقدان التعاطف مع الآخرين.
  • الأرق الدائم.
  • ظهور سلوكيات عدائية.
  • الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة.
  • الإصابة باضطراب القلق.
  • الاكتئاب، وأحيانًا يعاني بعض الضحايا من ظهور الأفكار الانتحارية.

خطوات تساعدك على التخلص من العنف الأسري

  1. أحبِب ذاتك، واعرف قيمة نفسك، وتأكد أنك تستحق معاملة أفضل.
  2. خطِّطْ جيدًا لخروجٍ آمن من تلك العلاقة بأقل الخسائر.
  3. في حالة تعرضك لعنف شديد ومؤذٍ، يمكنك طلب الشرطة أو التواصل مع خدمة نجدة الطفل.
  4. شارِك همومك ومخاوفك، وابحث عن الدعم فيمن تثق بهم حولك.

هذا بجانب الدور الهام الذي يلعبه الطب النفسي في علاجك ودعمك، ومن أشهر الطرق المتَّبعة في العلاج: 

  • العلاج المعرفي السلوكي.
  • جلسات العلاج الزواجي.
  • جلسات العلاج الجماعي.

لمعرفة المزيد عن جلسات العلاج النفسي، يمكنك قراءة: جلسات العلاج النفسي بين السينما والحقيقة

ربما تكون فكرة تفكُّك الأسرة وهدمها قاسية، لكنها خيار أقل مرارة من الاستمرار في صناعة نُسَخ مشوهة ومكررة من أُسَرٍ ينمو ويترعرع فيها العنف.

المصدر
Domestic & Family ViolenceWhat is Family Violence?What is family violence?Domestic ViolenceDomestic Violence and AbuseFamily violence: what is it?Alarming Effects of Children's Exposure to Domestic Violence
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق