ترياق في بيئة العمل

العودة للعمل بعد صدمة أو بعد التعامل مع مرض | لا تنهزم!

في مشهد تاريخي مذهل تمثله السينما الأجنبية، عبر فيلم Rush، تدور الأحداث حول البطل الأسطوري نمساوي الجنسية “نيكي لاودا”، والذي حاز لقب بطل العالم ثلاث مرات عن عمله في سباق سيارات الفورمولا ١.

نيكي لاودا، البطل الرياضي حازم الشخصية، يستعد قبل كل سباق بالتخطيط المحكم والتدريبات الجادة.
وبهما استطاع التغلب دومًا على منافسه الإنجليزي الوسيم المرح، صاحب الشخصية المحبوبة وَسْط الجُمهور “جيمس هانت”.

وبينما يكتسحان ساحات سباق السيارات على الدوام ويتقدم أحدهما على الآخر جولة ويتقهقر جولةً،
يحين موعد سباق (بطولة العالم) لعام 1976.

لكنه اليوم سباقٌ مختلف تمامًا؛ إذ تُغرِق الأمطار ساحة السباق وتعصف الأجواء باللاعبين والجمهور! 

سباقٌ زاغت له القلوب وتضاربت فيه الأفكار، حتى صرح نيكي لاودا عن المخاطر التي يمكن أن تنجم بسبب القيادة في أجواء كهذه، وأنه يؤيد إلغاء المباراة.
بَيد أن إصرار بقية اللاعبين -لا سيّما خصيمه هانت- على استئناف المباراة والقيادة رغم هذه الطقوس الجوية المريبة؛
دفع نيكي للنزول إلى حلبة السباق، وزاد الطين بِلةً استبدالهم للإطارات المانعة للانزلاق بإطارات فائقة السرعة!

ومع الأسف، حدث ما كان مُتوقع…

ارتطمت سيارة نيكي وانقلبت عدة مرات، واشتعلت النيران بوجه اللاعب وجسده كاملًا، حتى بلغت منه الإصابات مبلغها.

توقف إثرها عن العمل!

برأيك عزيزي القارئ، هل استطاع نيكي العودة للعمل بعد التعرض لصدمة كهذه وبعد التعامل مع مرض خطير كالحروق؟

دعني أجيبك عن هذا السؤال في الأسطر القادمة، ونتعرف سويًا كيف تؤثر الصدمات والمرض على الحياة العملية؟
وكيف تستطيع العودة للعمل بعد صدمة أو بعد التعامل مع مرض؟

نظرة عامة

يمر الإنسان بحالة نفسية وعقلية خطيرة تُصيبه بعد التعرض لصدمة شديدة، كحادث أو فقدان شخص عزيز،
أو بعد الإصابة بمرض خطير أفقده الشعور بالقوة والأمان.

عُرفت هذه الحالة ب”اضطراب ما بعد الصدمة“، حيث استخدم هذا المصطلح أول مرة في أثناء أحداث الحرب
العالمية الأولى والثانية، من جرّاءِ ما أصاب البعض من صدمات بالغة الأثر بسبب هذه الحروب والانتهاكات.

ويظهر اضطراب ما بعد الصدمة كرد فعل على التغييرات الكيميائية التي تحدث في الدماغ بسبب حادث ما،
ويمكن للمصاب أن يستعيد بعده الحياة بشكل تلقائي، إلا أن الأغلبية تتأثر حياتهم بشكل سلبي بعده وتحتاج إلى تدخل علاجي.

مِن رَحِم المعاناة تُولد المعجزات

خضع “نيكي” للعديد من العمليات الجراحية من جرّاءِ ما أصابه من الجروح والحروق، حتى إنهم رقعوا جلد وجهه بعد تشوهه بشكل كامل.

بالطبع لم يكن نيكي في أفضل حالاته النفسية خلال مدة العلاج، فقد عانى أشد المعاناة بسبب هذه الحروق والتشوهات،
ولا سيما بعد أن أعلن فوز منافسه “هانت” في السباق الذي أُصيب فيه!

إلا أن حب العمل لدى نيكي وإصراره على النجاح، كان علاجه الأول ودافعه للتعافي والعودة إلى الملاعب في مدة لم تتجاوز الشهرين!

وفور عودته كانت المفاجأة؛ فوز نيكي بالسباق على منافسيه، على الرغْم من غيابه عن التدريبات ورغم آلام الحرق والصعوبات التي واجهها في أثناء القيادة!

مِن رَحِم المعاناة تُولد المعجزات

تتضمن أشكال التعرض لصدمة أو مرض ما يأتي:

  • فقدان شخص عزيز.
  • التعرض لإحدى الكوارث الكونية، مثل: الزلازل والفيضانات.
  • حوادث القتل أو الحوادث المرورية.
  • الاعتداء الجسدي أو الجنسي.
  • الإصابة بأمراض خطيرة سببت التقاعد أو العجز.
  • المشاركة في الحروب ومعايشة الانتهاكات والتعذيب.

الأعراض

لا شك أن وَقع الصدمات والمرض على النفس البشرية شديد، ولا سيما إذا كان ذلك بشكل مفاجئ بعيدًا عن التوقعات.

 ويعاني هؤلاء الأشخاص مشكلات عدة على الصعيد النفسي والجسدي، قد تدوم فترات طويلة، نذكر منها على سبيل المثال:

  • الشعور بالخوف والقلق باستمرار والذي قد يصل إلى حد الاكتئاب.
  • تجنب الحديث عن الماضي وخصوصًا فيما يتعلق بالحادث أو المرض.
  • الميل إلى العزلة والانطوائية.
  • التقيد بالمشاعر السلبية وفقدان الثقة بالنفس.
  • صعوبات في النوم والتركيز.
  • الاتجاه إلى التدخين أو الإدمان كوسيلة للتخلص من الذكريات المؤلمة.
  • ضعف الإنتاجية وفقدان القدرة على العمل.
  • صعوبة الاندماج في علاقات جديدة أو التأقلم مع زملاء العمل.
  • وقد يصل الأمر إلى التفكير في الانتحار.

طرق وتقنيات العلاج:

فور التعرف على الأعراض وتشخيص الطبيب المختص، فإن التدخل العلاجي يقلل بشكل كبير من حدة الأعراض،
ويساعد الشخص على الانغمار بشكل طبيعي في الحياة اليومية، والعودة القوية إلى العمل.

 مزيج من العلاج النفسي والعلاج الدوائي، كافيان تمامًا لتأهيل المصاب وإزالة عبء الماضي المؤلم المتراكم فوق كاهله.

خطوات تساعدك على العودة للعمل بقوة:

العودة مجددًا إلى العمل بعد توقف دام لأشهر وربما لسنوات ليس بالأمر الهين، فغالبًا ما يُصيب الشخص شعور
بالغربة والتوتر حيال التأقلم والاندماج مع زملاء العمل.

كما إن استرجاع المهارات التي يتطلبها مكان العمل، مثل التركيز فترات طويلة أو القدرة على العمل ضمن مجموعة
وتحت ضغط، يحتاج إلى مزيد من التمرين والممارسة.

بَيد أن الإرادة القوية وحب المنافسة والإصرار على النجاح، تُعتبر الخطوات الأولى والحافز الأكبر لتخطي هذه
المحنة والعودة الناجحة إلى مكان العمل.

وإليك هذه النصائح التي تساعدك على التحرر من قيود الماضي، وتدفعك للعودة إلى عملك بقوة ومهنية:

أعد أوراقك مسبقًا

مثل: شهاداتك المَرَضية، وإذن العودة إلى العمل من قِبل الطبيب المعالج، وقرار قطع الإجازة واستئناف العمل.

فإن التحضير والترتيب الجيد للأوراق قبل الحضور إلى مقر العمل؛ يجعلك تشعر بالثقة حيال عودتك،
ويرفع عنك الكثير من الحرج إذا وجدت تغييرًا في الأشخاص المختصة بهذه المستندات والقائمين على العمل.

تجهز كأنه أول يوم عمل!

استعد للعمل كأنه أول يوم تتلقى به وظيفة.

كأن تحصل على مدّة نوم وفيرة في أثناء الليل، وتستيقظ مبكرًا مع فطور تحبه، بالإضافة إلى مراجعة الوصف الوظيفي والمهام المطلوبة منك بالتحديد.

تجهز كأنه أول يوم عمل

فيضان الرسائل الإلكترونية!

أول شيء تواجهه عند تشغيل جهاز الكمبيوتر الخاص بك هو تنبيه أكثر من 1000 رسالة بريد إلكتروني!

ما يدفعك على الفور للنقر على”إيقاف التشغيل”، والعودة إلى المنزل مختبئًا لعِقدٍ آخر.

لكن المفتاح هو أن تأخذ وقتك، وتنتقل بعناية عبر كل بريد إلكتروني، ثم تضع علامة على الرسائل المهمة وتتعامل معها أولًا. ويمكن للباقي الانتظار حتى اليوم التالي.

لا تقطع التواصل خلال غيابك

من المهم البقاء على اتصال مع مديرك وزملائك في أثناء مرضك لمتابعة أخبار العمل.

 إذا لم تتمكن من القيام بذلك، جدول اجتماعا مع مديرك في يوم عودتك لمعرفة التحديثات.

لا تفرط في التفكير

إذا كنت بعيدًا عن العمل لفترة طويلة، فستبدأ حتمًا بالتفكير العميق في ما إذا كنتَ قادرًا على أداء هذه المهام مجددًا.

لا شك ستشعر بارتياب حول نظرات رفقائك لإمكاناتك المهنية بعد الآن، وربما انخفضت ثقتك بنفسك أكثر من أي وقت مضى.

ورغم ذلك، لا داعي للذعر، جميعها مخاوف طبيعية تذهب بتجاهلها.

 فقد تبدو العودة إلى العمل مخيفة في البداية، ولكنك ستندهش من سرعة عودتك إلى قلب الأحداث.

دَوّن الملاحظات

دوٍن إجابات مناسبة مسبقًا لما قد تتلقاه من أسئلة، فبينما يود رفقاء العمل الاطمئنان حول صحتك وحالتك النفسية الآن،
فإنك تجد نفسك في نهاية المطاف مضطرًا للحديث حول تجربتك السابقة 20 مرة على الأقل بحلول موعد الانصراف!

تساعدك الأجوبة المحضرة مسبقًا على الظهور بشكل مهني وواثق، كما أنك لن تشعر بالتوتر ولن تضطر إلى
الخوض في تفاصيل الحادث المؤلم أو التجربة المَرَضية الصعبة التي خضتها.

رويدًا على نفسك

ليست هناك حاجة لأن تضع نفسك تحت ضغوطات العمل مرةً واحدة، فمن المحتمل أنك ما زلت تشعر بقليل من التشتت والإرهاق.

بدلًا من ذلك، خذ الوقت الكافي لمتابعة ما حدث بالشركة في أثناء غيابك، أَمْعِن النظر في المهام المطلوبة منك الآن بدقة.

أخيرًا، لا تتردد في الحصول على الدعم

إذا شعرت أنه لا يمكنك ببساطة القيام بواجبات دورك السابق، فلا تخف من طلب المساعدة.

 ضع قائمة بمخاوفك وأسبابك وأسئلتك وتحدث إلى مديرك بشأنها.

بلا شك، سيقدمون مزيدًا من الأيدي المساعدة لتسهيل عودتك إلى العمل أو سيبحثون عن وظائف بديلة مناسبة لك.

من المهم أن تعرف أن هناك أشخاصًا آخرين كانوا في نفس الموقف الذي تمكنت من تجاوزه، وأنهم الآن يجدفون في حياتهم العملية بنجاح.

المصدر
Post-Traumatic Stress Disorder (PTSD)What Is Posttraumatic Stress Disorder?15 Tips on Returning to Work After IllnessHow PTSD is Affecting Return to Work
اظهر المزيد

د. رحاب علي

صيدلانية، شغوفة بالعلوم والتفاعلات والعمليات المعقدة التي تجري كل صباح داخل النفس البشرية. نَصفُ أنفسنا ونَجلدُ الآخرين وننصب محاكم التصنيف والتمييز، ولا ندري أننا نتائج، وأن الفاعل الحقيقي مجموعة من الأحماض والبروتينات! "نفسي أجوجل باللغة العربية والاقي نتايج تُحترم!"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق