ترياق الأمراض النفسية

التوتر وتأثير الغدة الكظرية على الحالة النفسية

استيقظَت من نومها فزعة، تحققت من ساعتها، آملة ألا يكون النوم قد غلبها…

بدأ السباق مع الوقت، إعداد طعام الإفطار، وتجهيز الأبناء، واستعدادها هي نفسها للخروج.

أوصلتهم إلى المدرسة، وانطلقت إلى عملها، آملة ألا تتأخر…

اجتمع ازدحام حركة المرور مع ازدحام الأفكار في رأسها، تمنت الهروب، لكن لا مفر، وكانت مجرد البداية! 

لك أن تتخيل بقية اليوم بضغوطاته التي لا تنتهي.

كانت دائمة التفكير في كل شيء، مهمومة طوال الوقت.

هل يمكن لكثرة التوتر والضغوطات أن تؤثر في صحتك النفسية؟!

كيف يمكن أن تتغلب على هذا التأثير؟!

سنتعرف سويًا إلى تأثير الغدة الكظرية على الحالة النفسية، وكيفية التعامل مع التوتر.

الغدة الكظرية وهرموناتها

الغدة الكظرية وهرموناتها

تُعرف أيضًا بـ “الغدة فوق الكلوية Suprarenal gland”، وهي غدة صماء تقع أعلى الكلى، تُفرز -في الدم- مجموعة من الهرمونات التي لها تأثير متنوع في وظائف الجسم المختلفة وأجهزته.

تتكون الغدة الكظرية من:

  • قشرة خارجية Adrenal cortex

تفرز الهرمونات التالية:

  • الكورتيزول Cortisol: يُطلق عليه “هرمون التوتر”Stress hormone” نظرًا للدور الذي يلعبه في استجابة الجسم للتوتر بزيادة مستوى السكر في الدم؛ حتى يمد الجسم بالطاقة اللازمة له. وأيضًا ينظم عمليات الأيض، وضغط الدم، وجهاز المناعة.
  • ألدوستيرون Aldosterone: ينظم ضغط الدم ومستويات الصوديوم والبوتاسيوم في الجسم.
  • ديهيدرو إيبي أندروستيرون Dehydroepiandrosterone: يتحول إلى هرموني تستوستيرون (في الخصيتين) وإستروجين (في المبايض)، لكنه يمثل نسبة ضئيلة مما يُنتج من هذه الهرمونات. 

  • نخاع داخلي Adrenal medulla

يفرز هرموني أدرينالين Adrenaline  ونورأدرينالين Noradrenaline.

يُفرزان – إلى جانب الكورتيزول- كرد فعل من الجسم نحو التوتر وهو ما يُعرف بـ “المواجهة أو الهرب Fight or flight”؛ حيث يجهزان الجسم للتعامل معه بزيادة خفقان القلب، وسرعة التنفس، وتدفق الدم نحو الأطراف والعضلات، وتثبيط الهضم. 

اضطرابات الغدة الكظرية وعلاجها

قد تكون اضطرابات الغدة الكظرية نتيجة ورم في الغدة أو خلل وراثي أو خلل في آليات الجسم لتنظيم عمل الغدة، تنقسم هذه الاضطرابات -تبعًا لمستوى الهرمونات- إلى:

  • فرط نشاط الغدد الكظرية 

زيادة هرمون الكورتيزول (متلازمة كوشينج Cushing Syndrome)، أو زيادة هرمون ألدوستيرون (Hyperaldosteronism)، أو زيادة هرمون الأدرينالين نتيجة ورم في الغدة (Pheochromocytoma).

  • قصور الغدة الكظرية

مثل مرض أديسون (Addison’s disease)، وتضخم الغدة الكظرية الخلقي (Congenital adrenal hyperplasia).

قد يشمل العلاج:

  • هرمونات بديلة. 
  • أدوية للسيطرة على الإفراز المفرط.
  • عملية جراحية لاستئصال الورم.

تأثير الغدة الكظرية على الحالة النفسية

يتضمن تأثير الغدة الكظرية على الحالة النفسية جوانب متعددة، منها:

التوتر والغدة الكظرية

التوتر والغدة الكظرية

الغدة الكظرية من وسائل دفاع الجسم ضد التوتر والمواقف الصعبة، إذ تستجيب الغدة بإفراز هرموني الأدرينالين والكورتيزول لإعدادك لمواجهتها.

بعد انتهاء سبب التوتر، يعود جسمك لطبيعته (من حيث مستويات الهرمونات ووظائف الأعضاء).

لكن في حالة استمرار تعرضك للتوتر، فإن جسمك لا يجد فرصة حتى يعود إلى صوابه، ويظل حبيسًا داخل وضع التأهب الذي يسيطر عليه مستويات عالية من هرمونات التوتر؛ مما يؤثر سلبًا في جسدك بما فيه صحتك النفسية.

مع استمرارية التوتر، قد يصعب عليك التنفيس عنه بالمواجهة أو الهروب، كما هو الحال عند انحباسك وسط ازدحام حركة المرور، أو وقوعك تحت ضغوطات العمل التي لا تنتهي، وقد أصبحت هذه الضغوطات السمة المسيطرة على حياتنا.

يتراوح التأثير السلبي للتوتر في الحالة النفسية بين القلق والإحباط، وبين وصوله -مع طول استمراريته- إلى اضطرابات القلق أو ضعف الذاكرة أو الاكتئاب.  

الكورتيزول والاكتئاب

الكورتيزول والاكتئاب

استمرار تعرض جسمك لمستويات عالية من الكورتيزول (بسبب التوتر المستمر، أو وجود خلل ما في الغدة، أو تلقي الكورتيزول كعلاج) يؤثر سلبًا في مزاجك، وقد يصل الحال إلى الاكتئاب.

أثبتت الدراسات وجود علاقة بين الكورتيزول والاكتئاب، إذ يُعتقد أن استمرار تعرض الجسم لمستويات عالية منه يغير من كيمياء المخ ويستنفد المواد الكيميائية المسؤولة عن الشعور بالرضا وتحسن الحالة المزاجية (مثل السيروتونين والدوبامين)؛ مما يؤثر في أمور عدة منها: المزاج، والشهية، والنوم وغيرها.  

وُجد -أيضًا- أن ارتفاع مستوى الكورتيزول يقلل من استجابة مريض الاكتئاب للعلاج النفسي.

الغدة الكظرية والسمنة

الغدة الكظرية والسمنة

تأثير الغدة الكظرية على الحالة النفسية لا يتوقف عند الاضطرابات النفسية السابق ذكرها، لكن يصل إلى التسبب في السمنة وما يعقبها من أثر نفسي في الشخص (مثل ضعف الثقة بالنفس، والقلق، والتقلبات المزاجية، والاكتئاب).

لكن كيف تسبب الغدة الكظرية السمنة؟!

يحدث ذلك عند استمرار تعرض الفرد للتوتر والضغوطات، وما ينتج عنه من زيادة نسبة الكورتيزول في الجسم، الذي بدوره قد يسبب التالي:

  • يرفع مستوى السكر (الجلوكوز) في الدم كمصدر للطاقة اللازمة لمواجهة التوتر. والذي يُخزن لاحقًا -بعد انتهاء التوتر- في صورة دهون (خاصة في منطقة البطن).
  • يبطئ من عملية الأيض ويقلل حرق السعرات الحرارية بعد تناول الطعام؛ مما يصعب فقد الوزن.
  • يسبب زيادة مستوى هرمون الإنسولين، الذي يعمل على زيادة تخزين الدهون في الجسم.
  • يفتح الشهية ويسبب الرغبة في تناول أطعمة ذات محتوى عالٍ من السكر.

إلى جانب الخلل الهرموني، فإن الضغوطات المستمرة قد تسبب -أيضًا- ممارسة عادات غير صحية تزيد من مشكلة زيادة الوزن، مثل:

  • الاعتماد على الوجبات السريعة بدلًا من تحضير وجبات صحية تحتاج إلى إعداد ومجهود.
  • قلة ممارسة الرياضة وعدم إعطائها أولوية وسط الضغوطات اليومية.
  • قلة النوم وما يسببه من بطء في عملية الأيض.

الغدة الكظرية والحمل

يرتفع مستوى الكورتيزول بشكل طبيعي في الأسابيع الأخيرة من الحمل، ويُعتقد أن هذا الارتفاع له وظائف عدة، مثل: التطور العقلي للجنين ونضوج أعضائه كالرئتين، وتهيئة عقل الأم للأمومة ومسؤولياتها. ومن المفترض أن يعود إلى طبيعته خلال أيام بعد الولادة.

لكن على الجانب الآخر، يُعتقد أن تعرض الأم لنسبة عالية من هذا الهرمون قد يؤثر في حالتها النفسية، ويسبب لها -في أثناء الحمل أو بعد الولادة- القلق، والتقلبات المزاجية، والاكتئاب.

قد تنتج هذه الزيادة في الكورتيزول من طبيعة الحمل وما فيه من توتر وضغوطات، أو بسبب وجود خلل ما يجعل زيادة الكورتيزول الطبيعية -في آخر الحمل- تستمر مدَّة أطول بعد الولادة.

قد يؤثر التوتر في الجنين أيضًا؛ مثل التسبب في الولادة المبكرة، أو النقص في وزن الجنين عند الولادة، ووجود مشكلات في النمو بعد ذلك، وقد يجعله عرضة -بشكل أكبر- للاضطرابات النفسية في المستقبل.

اقرأ: الحالة النفسية للحامل وتأثيرها على الجنين | سلامتك هدفي

الغدة الكظرية والدورة الشهرية

إلى جانب تأثير التوتر في حالتك النفسية، قد يؤثر في الطمث؛ ويجعل مدته أطول، أو أقصر، أو يسبب انقطاعه، وقد يزيد الآلام المصاحبة له.

وقد يرجع تأثير التوتر في الدورة الشهرية إلى قمع الغدة النخامية، تلك الغدة التي تتحكم في عمل الغدة الكظرية والمبايض وتنظمه.

بعد أن أوضحنا الأثر السلبي للتوتر في صحتك، حان وقت التعرف إلى كيفية السيطرة عليه.

كيفية التغلب على تأثير الغدةِ الكظرية على الحالة النفسية

كيفية التغلب على تأثير الغدةِ الكظرية على الحالة النفسية

سيطرتك على التوتر في حياتك يقلل من مستويات الكورتيزول المرتفعة، ويخفف من تأثير الغدة الكظرية على الحالة النفسية، يمكنك تجربة التالي:

  • مارس الرياضة باستمرار.
  • تناوَل قسطًا كافيًا من النوم.
  • تناوَل طعامًا صحيًّا متوازنًا، وابحث عن الأطعمة التي تسبب الشعور بالراحة والبدائل الصحية للوجبات السريعة.
  • حاول الاسترخاء، ومارس التأمل واليقظة الذهنية وتمرينات التنفس.
  • احرص على ممارسة شيء تحبه أو هِواية ما يوميًّا، مثل القراءة أو الرسم.
  • دوّن مشاعرك وأفكارك باستمرار؛ فذلك سيساعدك في التنفيس عمّا بداخلك، إلى جانب معرفة أسباب توترك.
  • كن على تواصل دائم مع أسرتك وأصدقائك؛ فالتواصل البشري يساعد في التقليل من التوتر. 
  • لا تتردد في استشارة متخصص في الصحة النفسية، إذا شعرت بعدم إمكانيتك السيطرة على التوتر، أو كان له أثرٌ سلبيٌّ في صحتك النفسية.

اقرأ: معلومات تهمك عن التوتر العصبي.

تذكر دائمًا أن القليل من التوتر أمر طبيعي في الحياة، والكورتيزول ليس عدوّك، لكن استمرار سيطرة التوتر والقلق على حياتك يؤذيك ويضر صحتك.

اعتمد على وسائل تقليل التوتر، وحاول أن تكون أكثر هدوءًا وثباتًا عند مواجهة ضغوطات الحياة.

المصدر
What Are Adrenal Glands?The Role of Cortisol in DepressionStress managementHormonal Imbalances and DepressionHow Stress Can Cause Weight GainWhy stress causes people to overeatStress, Cortisol & Mood DisordersStress hormones during pregnancyThe consequences of stress during pregnancyStress During Pregnancy and Mental Disorders in ChildrenStress and Your Menstrual Period: A Cycle That You Can Break
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق