ترياق الأمراض النفسية

الغيبوبة النفسية | حكاية ترويها ضغوط الحياة

في فبراير عام 2003، سجل الباحثان في علم النفس (سينثيا باكستر) و(وليام وايت) -من جامعة كالجاري بكندا-
نوعًا نادر الحدوث من أنواع الغيبوبة.

أُحضِر شاب في العشرين من عمره إلى المستشفى فاقدًا الوعي، أظهرت فحوصات الأطباء في قسم الطوارئ أن المريض في حالة غيبوبة.

عندما حاول الأطباء معرفة سبب الغيبوبة، لم يجدوا أي اختلال واضح في مؤشراته الحيوية، ولم يكن المريض يعاني أي حساسية، ولم يتناول أي دواء ما. ومع ذلك، عجزوا عن إفاقته. 

استدعى الأطباء متخصصًا في علم الأعصاب، والذي قام بدوره ببعض الاختبارات لوظائف المخ، وكان تشخيصه أن المريض مصاب بما يُدعَى “الغيبوبة النفسية”.

وبعد التحقيق حول السبب من خلال استجواب عائلته، ظهر بأن المريض كان يعاني ضغوطًا نفسية في الشهور السابقة.

كان المريض يعتمد في دخله على عمله مع والده في طلاء النوافذ، ولكنه في الفترة الأخيرة اختلف مع والده، فصار مهدَّدًا من الناحية المالية، ولم يكن الوضع في علاقته العاطفية ليخفف عنه؛ فقد تشاجر مع خطيبته قبل الحادث بشهرين.

وأظهر البحث أن الشرطة أوقفته لتعدِّيه سرعة القيادة المسموح بها، وأتت لمنزل والديه باحثة عنه بعد أن تغيب عن التحقيق. وقبل غيبوبته بيومين، تلقى إشعارًا بإخلاء شقته لعدم دفعه الإيجار، ليكون هذا الإشعار هو القشة التي قصمت ظهر البعير.

تحرى الأطباء النفسيون بعد ذلك عن تاريخه العائلي، فوجدوا حالة مشابهة من الغيبوبة -بدون أي أعراض مرضية- حدثت مع عمه قبل عشرين سنة، إذ فقد الوعي لبضعة أيام قبل ميعاد زفافه. 

ما هي الغيبوبة النفسية؟

الغيبوبة النفسية نوع من حالات الغيبوبة الذي يقع غالبًا في آخر تصنيفات الغيبوبة، وقد لا يُذكَر أصلًا نتيجة لندرة حدوثه، وبالتالي، ندرة ما يُعرَف عنه. 

تظهر الأعراض بأن يفقد المريض الوعي لبضعة أيام، ولا يوجَد أي مؤشر على اختلال أي من وظائفه الحيوية، ولا تظهر أعراض لأي مرض عضوي، وتحدث للمريض بدون أي إرادة منه، ولا يمكنه التحكم فيها، ولا يصطنعها لاستجلاب التعاطف أو شيء من هذا.

يفرق الأطباء بين هذا النوع وغيره من الأنواع المرتبطة بسبب مرضي واضح عن طريق بعض الاختبارات، مثل اختبار حركة عينيه، إذ تختلف حركة العين في الغيبوبة النفسية؛ فهي لا ترجع للخلف كما في الغيبوبة المعروفة. كما يجرون اختبار سقوط اليد؛ فإذا رفعوا يد المريض بشكل عمودي فهي تسقط بجانبه بدلًا أن تسقط على وجهه.

ما هي الغيبوبة النفسية؟

مسميات مختلفة وحالات مشابهة للغيبوبة النفسية

على مرِّ الأعوام، سجل الباحثون حالات قليلة جدًا من الغيبوبة النفسية، وأعطوها الكثير من المسميات،
مثل: الغيبوبة الانفصالية، والغيبوبة المصطنَعة، والغيبوبة التحولية، والغيبوبة الكاذبة، والغيبوبة الهستيرية.

قلما كانت هذه المسميات دقيقة، لأن الغيبوبة النفسية تتشابه مع العديد من الحالات الأخرى في هذا أو ذاك،
ولكن تظل مختلفة عنهم في نقاط جوهرية.

فمثلًا: هناك الغيبوبة المصطنَعة، وهي حالة تصيب عادةً النساء أكثر من الذكور بغيبوبة لا يوجَد لها تفسير طبي
واضح -بعد العمليات الجراحية والتخدير لفترات طويلة- لإعطاء المخ فترة راحة بعد التغيرات الكيميائية وتغير نسب الأكسجين في الجسم، ولكن ليس لها أي علاقة بالضغوط النفسية.

وهناك أيضًا الغيبوبة التحولية، والتي على عكس الغيبوبة المصطنعة؛ أسبابها نفسية بحتة، وتُعَدُّ نوعًا من
الاضطرابات التحولية التي يصاب فيها المريض بأمراض جسدية واضحة، مثل: الشلل، واضطرابات الجهاز العصبي، والغيبوبة نتيجة للضغط النفسي الهائل.

تصنيف الغيبوبة النفسية

تُصنَّف الغيبوبة النفسية كنوع من الاضطرابات الانفصالية أو التفارقية، وتتميز هذه الاضطرابات باختلال في وظائف الوعي المختلفة، مثل: الذاكرة، والإدراك، وحتى الهوية.

تتسبب الاضطرابات الانفصالية في الكثير من الأمراض، مثل الفصام، فلا تدرك الحقيقة من الوهم، وتشعر بأن بعض الأحداث حدثت ولكنها لم تحدث، بل كانت مجرد أحلام يقظة أو وهم بسبب خلل في الإدراك.

وقد تسبب ما يُعرَف بـ“اضطراب الهوية الشخصية”؛ فلا تعي هويتك بشكل واضح، وتتصرف في إطار خارج عن قيمك وعمَّا اعتدت كونك عليه.

تتشابه الاضطرابات الانفصالية في كونها محاولة لحماية الجسم لنفسه من الضغوط النفسية المتتابعة،
أو محاولة لهروب الجسم من وعيه لتجنب إدراكه بهذه التهديدات. 

وبما أن الغيبوبة النفسية لا تقع تحت أي تصنيف من الاضطرابات الانفصالية المحددة بشكل واضح،
لذلك وضعها العلماء مع اضطرابات انفصالية تُسمَّى بـ”الاضطرابات الانفصالية غير محددة السبب
– Dissociative disorders not otherwise specified”.

تصنيف الغيبوبة النفسية

طُرُق العلاج واسترجاع الوعي

تأتي كل يوم إلى قسم الطوارئ -في مختلف المستشفيات حول العالم- العديد من حالات فقد الوعي التي تختلف في
درجاتها، وقد يظن الأطباء -عندما لا يوجد أي عرَض طبي مصاحب لهذه الحالات- أن المريض يصطنع فقدانه
للوعي وأنه مدرك لما حوله. فيلجأ الأطباء إلى تنبيهه عن طريق تحفيز الشعور بالألم، فيفيق المريض.

ينبغي للأطباء تجنُّب هذه الاستراتيجية تمامًا في علاج الغيبوبة النفسية، يتيح هذا للمريض فرصة للتعافي التام بدون زيادة قلقه وألمه.

وتُعَدُّ توعية أهل المريض بأنه لا يتحكم في وعيه جزءًا من العلاج كذلك، بالإضافة إلى تحدُّث الأطباء النفسيين
ومَنْ يحبهم إليه، وطمأنته أن الأمور ستصبح على ما يرام، وأن وضعه الصحي سليم. 

قد يساعد العلاج الدوائي -مثل المهدئات ومضادات الذهان المعروفة- المريض في استعادة وعيه،
ولكن لا نعلم بشكل دقيق دورها أو مدى جدواها لقلة الدراسات الموجودة بهذا الشأن.

ولأن العلاج الأفضل إلى الآن هو الوقاية، إليك بعض الأفكار التي ستغير منظورك عندما تزيد ضغوط الحياة…

تذكَّر هذا إذا شعرت بالضغط النفسي

1- صحتك هي رقم واحد؛ ضع صحتك النفسية في الأولوية قبل أي أحد، وقبل أي قلق من أمور لن تجدي
نفعًا إذا تدهورت صحتك شيئًا فشيئًا.

2- لا تسعَ فقط نحو السعادة القصيرة التي تنتهي بسرعة؛ امضِ بعض الوقت في التفكير في أمور ذات قيمة
إذا فعلتها ستجني نفعها لوقت طويل، قد تكون ممارسة الرياضة أو بدء دراسة مجال ما.

3- لا تصغِ إلى أفكارك السلبية؛ اعلم يا صديقي أن الأمراض النفسية قد تقنعك بأكاذيب -مثل أنك فاشل عديم القيمة-
كي تحميك من مواجهة الواقع المخيف، ولكن الانسياق وراء هذه الأفكار مخيف أكثر، فامضِ ولا تخف!

4- لا تجعل أفقك ضيقًا، ولا تجعل الحزن يغشي عينيك؛ إذا بحثت و تدبرت الأمر، فستجد دائمًا موطئًا لخطوة قادمة
تحمل أملًا جديدًا.

5- لا تقاوم حزنك وغضبك، أفرغ مشاعرك بالكتابة، أو حتى بالحديث مع نفسك.

وأخيرًا… تصل الضغوط النفسية إلى حد هائل يفوق الاحتمال، فيظهر هذا في صورة العديد من الأمراض النفسية والجسدية.

تنبه إلى الضغوط التي تصيبك أو تصيب مَنْ حولك وتتجاهلها، وأفصح عنها، واستمع إلى غيرك إن احتاجك،
حتى تشعر بالرضا والأمل فيما يحمله لنا المستقبل.

بقلم د/ أماني خميس

المصدر
Psychogenic Coma: Case Report
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق