ترياق الأسرة

الغيرة المَرَضية.. ومن الحب ما قتل!

إن سمعتَ أحدًا يقول: “نحن قومٌ نغارُ على نسائنا”؛ فلن تتعجب عزيزي القارئ؛ بل ربما ستفخر بهذه الصفة وتؤكدها فيك أيضاً! 

لكنك ربما تقف مشدوهًا إن أخبرتُك بأن زوجًا قد طلّق زوجته؛ لأنها قد حضنت حصانًا! أو أن زوجةً اشترت جهاز كشف الكذب وصارت تُجلِس زوجها عليه كلما خرج من المنزل؛ لتتأكد من عدم خيانته لها!

لا عزيزي القارئ، هذه القصص ليست من خيال المؤلف؛ فالغيرة المرضية يمكن أن تذهب بالإنسان لأبعد من هذا بكثير!

تريد أن تعرف سببها وعلاماتها؟ وهل يمكن التخلص منها؟ 

هذا هو موضوعنا اليوم؛ نتناوله تفصيلاً في هذا المقال.

ما هي الغيرة المرضية؟

تُعرف الغيرة بأنها: رد فعل شعوري سلبي ينشأ عندما تفقد علاقةً هامةً بحياتك، أو تخاف من فقدانها؛ نتيجة وجود دلائل حقيقية، أو أوهام، تمثل لك تهديدًا بعدم استمرار هذه العلاقة.

وهناك قَدْر من الغيرة يكون محمودًا في العلاقات الإنسانية، فهي تعبر عن حبك للشخص واهتمامك لأمره؛ لكن عندما يتحول الأمر إلى مشاعر سلبية، تؤثر على حياتك وحياة شريكك بتصرفات غير منطقية؛ فستصل بك إلى تدمير العلاقة في النهاية!

فقد تصل لدرجة التحكم، والشك الزائد طوال الوقت في الطرف الآخر، وتوهم أحداث وتصرفات غير حقيقية؛ مما يدفعك للقيام بمحاولات مستمرة لإثبات هذا الشك؛ بل قد توصلك للجنون!

فهل هناك جذور نفسية أو مرضية تؤدي إلى الغيرة الزائدة؟

أسباب الغيرة المرضية

يختلف العلماء في منشأ الغيرة المرضية، ويحتاج الأمر إلى المزيد من الدراسات لإيضاحه؛ لكن يُرجِع العلماء الغيرة المرضية إلى بعض الأسباب؛ منها صفات شخصية، وأخرى ترتبط باضطرابات أو حالات مرضية.

اضطرابات وأمراض مرتبطة بالغيرة المرضية:

  • الشيزوفرينيا.
  • الاضطرابات الوهامية (الضلالية).
  • اضطراب الشخصية الحدية.
  • الاضطراب الذهاني العاطفي.
  • إدمان الكحوليات أو المخدرات.
  • الخرف.
  • السكتة الدماغية، خاصة إذا أثرت على النصف الأيمن من الدماغ، والذي يضم مركز المشاعر.

أما الصفات الشخصية التي قد تؤدي إلى الغيرة المرضية فمنها:

قلة الثقة بالنفس

قد تنشأ الغيرة الزائدة عن ضعف ثقتك بنفسك؛ فترى أنك غير جديرٍ بهذه العلاقة، وتشعر بالتهديد الدائم من أن يتخلى عنك شريكك إذا وجد من هو أفضل منك!

الاعتمادية

تشعر الشخصية الاعتمادية بالخطر إذا ما تخلى عنها الطرف الآخر، وترى أنها لا يمكنها تحمل المسئولية بدونه؛ فيتحول سلوك التعلق إلى فكرة تملّك هذا الشخص، وأنه لا يمكنه بأي حال التخلي عنه.

تأثير الطفولة

قد يؤدي افتقاد الشخص إلى مشاعر الاحتواء والحب في طفولته إلى تمسكه بالعلاقة ليعوض ما افتقده في طفولته؛ فهو يحتاج إلى إثبات دائم على إخلاص وتفاني الطرف الآخر، ويشك في تصرفاته البسيطة كأنها تمثل تهديدًا بالتخلي عنه.

بالإضافة لهذا فهناك بعض الأسباب المتعلقة بالطرف الآخر، مثل:

التجارب السابقة

إذا قام شريكك بخيانتك سابقًا؛ سيكون من الصعب عليك تخطي الأمر واستعادة ثقتك به -وإن أظهر توبته-، فتصير دائم الشك في تصرفاته؛ مما يدفعك للتوهم والجنون أحيانًا!

وجود دلائل

وهي من الأمور التي يصعب تحملها؛ فوجود بعض الدلائل على علاقات أخرى لشريكك؛ قد يدفعك إلى الغيرة المرضية إذا كنتَ شديد التعلق به، فتحاول إثبات الأمر عليه، وحصاره طوال الوقت.

علامات الغيرة المرضية

هناك بعض الإشارات التي توضح ميلك إلى الغيرة المرضية؛ منها:

  • تستحوذ عليك الشكوك في إخلاص الطرف الآخر لك.
  • يتحول شكك إلى أفعال تحاول بها إثبات خيانة الطرف الآخر.
  • تتجنب مواجهة مواقف تراها تمثل تهديدًا على شريكك؛ كأن تتجنب زيارات عائلية أو تجمع أصدقاء يُحتمل أن ينظر فيه أحدٌ إلى زوجتك نظرة إعجاب؛ فتثير فيك الشكوك.
  • تقل ثقتك بنفسك، وترى أنك غير كافٍ بالنسبة لشريكك، وتستحوذ عليك النظرة السلبية إلى نفسك.
  • تصبح دائم المراقبة لشريكك؛ فتفتش في هاتفه أو حساباته الخاصة طوال الوقت.
  • تحاول التحكم بتحركات شريكك، وتتعدى على حريته.
  • قد تصدر بعض أفعال العنف والتعدِّي اللفظي أو الجسدي تجاه الطرف الآخر-وهو أمر شائع في الرجال.
  • تكره الطرف الثالث الذي تشك في وجود علاقة بينه وبين شريكك؛ حتى وإن كانت غيرتك متوهمة.

هل ترتبط الغيرة المرضية بأحد الجنسين؟

تظهر الغيرة المرضية في الرجال والنساء معًا؛ لكن أشارت بعض الدراسات إلى أنها تزيد بنسبة قليلة في الرجال عن النساء، مع ظهور بعض العنف في الرجال بدرجة أكبر؛ الأمر الذي قد يصل إلى المطاردة، أو التهديد الدائم لحياة شريكته الحالية، أو السابقة إن كانا قد انفصلا بالفعل!

أنواع الغيرة المرضية

الغيرة المتوهمة

من الغيرة المرضية البارونية السلوكية؛ فالمصاب بالبارانويا يصبح أسيرًا لأوهام لا يستطيع الفِكاك منها، وتصير غيرته جنونية لا أساس لها، ولا يستطيع الإتيان بدليل عليها، وتكون شديدة الصعوبة على الطرف الآخر.

الغيرة العاطفية

وفيها ترتاب من ميل الطرف الآخر عاطفيًا إلى شخص غيرك؛ فتفقد حبه لك.

الغيرة الجنسية

فتصير دائم الشك في وجود علاقات جنسية للطرف الآخر مع غيرك، وتتهمه بالخيانة، وتترقب مواضع إثبات تلك الخيانة عليه؛ كأن تتحرى ملابسه أو السرير أو وجود شخص آخر في المنزل بشكل مفاجئ.

الغيرة من شخص يملك ما لا تملكه

تتعلق الأنواع السابقة بوجود طرف ثالث في العلاقة يمثل تهديدًا عليك؛ لكن قد تكون غيرتك من شخص آخر يمتلك شيئًا لا تملكه؛ كالغيرة المرضية بين الأصدقاء؛ فدعنا نتحدث عنها قليلًا…

الغيرة المرضية بين الأصدقاء

على الرغم من اختلاف هذين المعنَيين؛ إلا أنه يكثر الخلط بين الغيرة والحسد. 

تتعلق الغيرة غالبًا بالخوف من فقدان شخص ما؛ أما الحسد فيُعبر عن وجود شيء لدى غيرك يعجبك وتتمنى الحصول عليه، أو تتمنى زواله من هذا الشخص. 

بمعنى آخر، ترتبط الغيرة بخوفك من الفقد، أما الحسد فيرتبط برغبتك في التملك -غالبًا- أو زوال ما ليس لك.

لكنك إن استسلمتَ لهذه المشاعر؛ ستتركك مرهَقًا لا تمتلك سعادةً ولا رضا عن نفسك؛ لذا يمكنك محاولة التخلص من الغيرة تجاه أصدقائك أو زملائك بالتمرين الآتي:

  • أحضر قلمًا وورقة.
  • ارسم خطًا طوليًا يقسم الورقة إلى نصفين.
  • في الجانب الأيمن؛ اكتب: (الأشياء التي يمتلكها هذا الشخص وترغب في الحصول عليها).

سَجِّل ما يخطر ببالك في اللحظة الحالية، ولا تطل التفكير فيها أو تستدع أشياء ليست ببالك الآن.

  • في الجانب الأيسر؛ اكتب: (الأشياء التي تملكها ولا يملكها هذا الشخص).

سجل كل ما تملكه بالفعل؛ من عائلة، وعلاقات، وممتلكات، وصفات محمودة، وكل ما يخطر ببالك.

  • قارن بين الجانبين؛ وفكِّر قليلًا: هل أنت مستعدٌ أن تفقد شيئًا من الجانب الأيسر مقابل ما في الجانب الأيمن؟ هل خانة اليمين هذه تملك احتماليةً بتحقيقها في المستقبل؟

ما أردته عزيزي القارئ؛ هو تحويل انتباهك إلى ما يمكنك التمتع به في الوقت الحالي، والشعور بالرضا حياله. 

فلسبب ما؛ نجدُ أننا لا نقدّر قيمة ما نملكه إذ اعتدنا عليه، بالرغم من أنه يمكن أن يكون هو بالفعل ما يتمناه غيرك؛ ويكون ما تتمناه أنت هو كل ما يملكه غيرك! 

فالخير كله في الرضا؛ وفي الصبر على الرزق.

هل يمكن التخلص من الغيرة المرضية؟

إليك البشرى عزيزي القارئ:

نعم، يمكنك التخلص من الغيرة المرضية؛ لكن يحتاج الأمر إلى اعترافك بوجودها، إذ يصعب أحيانًا على الشخص الاعتراف بالتوهم إن كانت الغيرة متوهمة.

لذا؛ إن كنتَ معترفًا بمعاناتك منها، آملًا الخلاص من عذابها؛ فإليك هذه الحلول لعلاج الغيرة المرضية:

العلاج المعرفي السلوكي

وفيه تعمل مع معالجك النفسي على تحديد أنماط التفكير الخاطئة لديك، والتفكير في المواقف بعقلانية؛ فيساعدك هذا على تخطي مخاوفك ومصادر قلقك، ووضع الأمور في نصابها.

للمزيد اقرأ: العلاج المعرفي السلوكي

العلاج المعرفي التحليلي

إذ يعتمد معالجك النفسي على إعادة صياغة المشكلة، وتحليل الأسباب والأعراض التي تمر بها، وتحديد منشئها بداخلك، ومن ثم يساعدك على تغيير تلك الأسباب، فترى الأمور على حقيقتها وتفكر فيها بعقلانية.

استشاري العلاقات الأسرية والعاطفية

فعلى قدر أهميته إلا أنه لم يأخذ تلك الأهمية التي يستحقها في عالمنا العربي بعد!

فيمكنك اللجوء إلى استشاري علاقات أسرية مع شريكك؛ ليساعدكما على تخطي العقبات التي تمران بها، واستعادة الثقة في العلاقة مجددًا، وتعلم أدواتٍ تساعدكما على تفاهم وتواصل أكبر.

وختامًا عزيزي القارئ، الثقة كنز لا يقدر بثمن، فثقتك بنفسك تُمتِّعكَ بالرضا عن ذاتك، وثقتك بشريكك تُنعِّمك بسعادة وراحة بال، فتحرَّ موضعها تَسلم ويَسلم من تحب!

المصدر
Facets of morbid jealousy: With an anecdote from a historical Tamil romanceIntention, false beliefs, and delusional jealousy: Insights into the right hemisphere from neurological patients and neuroimaging studies6 Ways to Break Free from the Trap of JealousyTreatment of obsessive morbid jealousy with cognitive analytic therapy: An adjudicated hermeneutic single‐case efficacy design evaluationAspects of morbid jealousyExtreme Jealousy in Relationships
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق