ترياق الطفل

الغيرة عند الأطفال.. نار تلتهم قلب طفلك!

يفتح طفلك عينيه أول مرة، فيجد نفسه ملكًا متوجًا على عرش قلبك؛ يغمره حبك ويظلله حنانك، ويبث عطفك الدفء في أوصاله الصغيرة. 

تهفو روحه الغضة إليك، ويتعلق بأطراف ثوبك كي لا تحيد عيناك الحانيتان عن ناظريه، ولا ينصرف عنه اهتمامك إلى من سواه.

يخطو خطوته الأولى ثم يلتفت إليك؛ تتلهف روحه لابتسامة من ثغرك تشجعه وتحتفي به، وتطرب أذنه لسماع صوتك ينادي اسمه ويلاعبه. 

فلم تعجبين إن نزل عليه خبر المولود الجديد كالصاعقة؟ وأي ملك ذا الذي يرحب بمشاركة عرشه مع وافد غريب أو معتدٍ أثيم؟ 

قد تملأ الغيرة عند الأطفال نفس صغيرك بالغضب والحزن، إذا لم تتعاملي معها على النحو الصحيح. 

لذا اسمحي لي، أن أعرض عليكِ أسباب الغيرة عند الأطفال وحلولًا لعلاجها.

متى تبدأ الغيرة عند الأطفال؟

يعتقد الباحثون أن الأمر يبدأ منذ سن مبكرة للغاية، فقد ينزعج رضيعك الذي لم يبلغ عامه الأول بعد لانشغالك عنه بمهمة ما. 

يتطور الأمر شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى ذروته في عامه الثالث أو الرابع؛ إذ يتولد لديه خوف طبيعي من أن ينفصل عنك، أو أن يفقد المميزات التي يحظى بها.

يزداد خوفه عندما يعلم بحملك، ويلاحظ انصرافك عنه، أو عزوفك عن اللعب معه لأنك متعبة من الحمل الجديد، فينزعج.

ما أسباب الغيرة عند الأطفال؟

هناك العديد من الأسباب التي تؤجج مشاعر الغيرة عند الأطفال، وتعمق مخاوفهم من الانفصال، منها على سبيل المثال ما يلي:

شعوره بالتهديد:

الغيرة عند الأطفال

تنشأ الغيرة في قلب طفلك، إذا شعر بأن شخصًا يسحب البساط من تحت قدميه، ويبعده عن مركز الاهتمام. 

ولا يقتصر الأمر على غيرة الأطفال من إخوانهم، بل يمتد ليشمل زملاءهم في المدرسة، وأقاربهم أيضًا.

ويمكن لبعض السلوكيات التربوية الخاطئة أن تزيد الطين بلة، فمثلًا: 

إذا أرسلت ابنك فجأة إلى الحضانة، دون تأهيل نفسي مسبق، في نفس الوقت الذي أعلنتِ فيه خبر حملك، فسيربط بين الأمرين ويظن أنك قد تخليتِ عنه.

التدليل الزائد عن الحد

ربما اعتاد طفلك أن ينال ما يريد، وأن يُدلل من القريب والغريب، دون شرط أو قيد، ودون مراعاة لمشاعر وحقوق الآخرين. 

قد يشعره ذلك بأنه يفوق من حوله منزلة، ويعزز بعض الأنانية وحب السيطرة لديه، فيشعر بالحنق إذا نافسه شخص على تلك المنزلة.

عقد المقارنات

يقع العديد من الآباء في فخ المقارنة غير العادلة بين الأخوين، أو بين الطفل وأصدقائه في المدرسة، فيحملون الطفل ما لا يحتمل ويزعزعون ثقته في نفسه. 

فمثلًا قد تقارن الأم بين طفليها قائلة: “لم لا تستطيع لعب الكرة مثل أخيك؟”

أو تحتفي بمهارة طفل دون الآخر، فيشعر الطفل المنبوذ بالنقص، وتلتهم نيران الغيرة قلبه الصغير، وقد يعمد لإيذاء أخيه كي يستأثر باهتمامك.

التمييز في المعاملة

ربما تفضلين طفلًا عن الآخر في بعض الأوقات، وربما ينشغل عقلك بمشاكل أحد الطفلين فتغفلين عن صراخ الآخر بغير قصد. 

فعلى سبيل المثال:

تسمعين صراخ رضيعك ويبدو أنه واقع في مشكلة ما، بينما يناديك طفلك الآخر – في أثناء انشغالك- لتلعبي معه. 

إذا قدرت المكاسب والخسائر جيدًا، فستتوجهين على الفور لنجدة الرضيع أولًا، لأنه في هذا الموقف أولى بالإنقاذ والاهتمام. 

لا يرتب طفلك الأولويات بنفس القدر؛ إذ لا يعي بعد احتياجات من حوله، فيحسب أنك قد تجاهلتِه عمدًا وفضلت الطفل الجديد.

إحساسه بالنقص وانعدام ثقته بنفسه

قد يشعر الطفل بأنه أقل ممن حوله: 

  • إما لتعرضه للنقد والتعنيف من أهله بشكل مستمر. 
  • أو لضعف حالته المادية مما يمنعه من مواكبة أقرانه في المدرسة.
  • أو لمروره بمرض ما أو مشكلة جسدية ظاهرة، وكذلك تعرضه للتنمر.

ما هي علامات الغيرة عند الأطفال؟

يمكنك ملاحظة سلوك الغيرة عند الأطفال بسهولة مستخدمة حدسك فحسب.

ولكن يبقى الشغل الشاغل هنا: لأي مدى قد تصل هذه الغيرة وهل يمكن أن يؤذي الطفل أخاه؟

دعينا إذًا نطرح أمثلة لبعض الظواهر الشائعة: 

  1. لا ينصاع لكلامك ويتعمد إغضابك. 
  2. يحاول لفت انتباهك بشتى الطرق، فقد يبكي أو يصرخ أو حتى يعبث بأدواتك أو يسرقها.
  3. يتظاهر بحاجته للمساعدة دائمًا حتى في المهمات البسيطة التي اعتاد إتمامها قبل قدوم الطفل الجديد.
  4. يقارن نفسه دائمًا بأخيه؛ ويغضب إذا حصل أخوه على هدية أفضل، أو اهتمام أكبر.
  5. يرفض التعاون مع من حوله، ولا يشارك ألعابه وأدواته مع أحد.
  6. يرفض تناول الأطعمة المعتادة فجأة، ويميل للعزلة والانفراد بنفسه.
  7. يظهر بعض التصرفات العدوانية تجاه من حوله؛ كأن يضرب زملاءه مثلًا.
  8. قد يحاول إيذاء الطفل الجديد؛ كأن يدمر ألعابه، أو يضربه، أو يقسو عليه.

كيف يمكن تعديل سلوك الغيرة عند الأطفال؟

ربما تسألين نفسك الآن عن كيفية التعامل مع الطفل الغيور والعنيد، كي لا تحطمه غيرته، فاسمحي لي أن أسدي لكِ بعض النصائح. 

مهدي الأمور لطفلك بالتدريج

لا تفاجئي طفلك بمجموعة من القرارات المفاجئة كالذهاب للحضانة، أو النوم في غرفة منفصلة بمجرد إعلانك عن حملك. 

دربي طفلك تدريجيًا على النوم بمفرده لفترات قصيرة أولًا، كي يعتاد الأمر ولا يهلع.

علميه كيف يتعامل مع الطفل الجديد

لدى صغيرك الآن الكثير من المخاوف، لذا احرصي على تهدئة روعه، واسمحي له بمساعدتك في العناية بالوافد الجديد، وعلميه كيف يربت على كتفه بحنان.

يمكنك أن تخاطبي الرضيع أمام طفلك الأكبر قائلة: “انظر، ذاك أخوك الأكبر اللطيف الذي يملأ قلوبنا بهجة”

واحرصي على ألا تتركي الطفلين وحدهما دون إشراف، خوفًا على سلامتهما، وحفاظًا على أمن الرضيع إذا كان طفلك الأكبر عنيفًا.

انتبهي للسلوكيات العنيفة

إذا حاول الطفل إيذاء أخيه، بضربه أو عضه، فافصلي بينهما، وأبلغي الطفل فورًا أن تصرفه غير مقبول، ولا تسمحي له بالاقتراب مباشرة من أخيه الأصغر قبل أن يهدأ.

إذا كان الطفل مدللًا أكثر مما ينبغي، فقد يفيدك وضع بعض القواعد الواضحة لاحترام حقوق الآخرين، مثل أن تقولي له: لا يسمح لك بضرب أخيك.

تنبهي لكلماتك

إذا أردتِ تأجيل خطة ما كالخروج إلى النادي، لا تلقي اللوم على الأخ الأصغر حتى لا يشعر طفلك أن أخاه عائق أمام سعادته. 

لا تقارنيه بأخيه

إياك ووضع طفلك في مقارنة ظالمة مع أي أحد؛ فلكل طفل مميزاته وإمكانياته الخاصة. 

إذا مدحتِ أحد الطفلين لأنه متفوق دراسيًا مثلًا، فلا تنسي مدح مميزات الآخر، كتفوقه في الأنشطة الرياضية أو براعته في الرسم مثلًا.

خصصي لكل منهما وقتًا

قد تجدين صعوبة في تخصيص وقت محدد لكل منهما في بادئ الأمر، خاصة إذا كانت الأعمار متفاوتة. 

ولكن يمكنك أن تستفيدي من الفترات التي ينامها الرضيع لقضاء بعض الوقت مع الطفل الآخر.

اغمريه بعطفك وحنانك

  • اسمحي لطفلك بالتعبير عن رأيه بحرية.
  • اربتي على كتفه إن كان غاضبًا.
  • تفهمي غيرته، وأخبريه أن ذلك شعور طبيعي.
  • امنحيه الكثير من الأحضان والقبلات.
  • لا تميزي في المعاملة أو الهدايا بينه وبين إخوته.

وأخيرًا، يا صديقتي العزيزة، قد يتطلب الأمر الكثير من الوقت والصبر، والعديد من المحاولات، ولكنني واثقة أنك قادرة على تخطي ذلك التحدي بنجاح، فلا تقلقي!

المصدر
?Why so jealousJealousy in children - Causes and tips to deal with itChild jealousy: Sign, reasons and ways to deal?How to deal with a jealous sibling?How to help your kids overcome jealousy and insecurity
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق