ترياق الأسرةترياق الأمراض النفسية

الغيرة والشك بين الزوجين | ظاهرة أم حالة مرضية!

لقد عثرت على بعض الصور القديمة لخطيبة زوجي السابقة في درج مكتبه، ومنذ ذلك الحين وأنا أشك في إخلاصه.

أغار بشدة لأنها كانت أجمل مني، وكثيرًا ما أشعر بالاكتئاب والإحباط، وفقدت الإحساس بالأمان. عندما واجهته بتلك الصور، أنكر معرفته بوجودها.

أزعجني الأمر كثيرًا، وصرت أفتش محفظته كل يوم تقريبًا للتأكد من أنه لا يخفي أشياء أخرى لا أعلم عنها. يقودني الشك إلى حد الجنون، وأطمح أن أعيش حياة أفضل من ذلك!

عزيز القارئ، يقولون أن مَنْ لا يغار لا يحب، ولكن كل شيء يخرج عن حدوده المألوفة ينقلب إلى الضد.

فلنتعرف سويًا في السطور القادمة إلى مفهوم الغيرة والشك بين الزوجين في علم النفس، وأسبابهما المقترحة، وطُرُق التغلب عليهما.

بدايةً، تنبع الغيرة من الحاجة إلى الشعور بالتفضيل من شخص تحبه وتقدره، وتظن أنه لا يبادلك نفس المشاعر.

قد يكون ظنك مبنيًا على دليل فعلي، كأن يتركك شريكك ويرتبط بشخص آخر، وفي هذه الحالة تتولد الغيرة التفاعلية.

وهناك نوع آخر من الغيرة السلبية والشك المرضي في العلاقة الزوجية لا يستند إلى أفعال حقيقية؛ وإنما هو مجرد أوهام وأفكار لا وجود لها إلا في ذهن صاحبها.

أسباب الغيرة والشك بين الزوجين

  • عدم الإحساس بالأمان. 
  • القلق المستمر. 
  • التجنب والإهمال.
  • عدم الثقة بالنفس واحتقار الذات.

عندما ننظر إلى نواقص الأمور، ونبحث كثيرًا عن تفسيرات وتبريرات لكل مبهم أو مجهول، ونوجه تركيزنا إلى كل ما ليس مستقرًا، وننتبه إلى أي حدث غير عادي، تظل عقولنا في حالة يقظة دائمة، تتلاعب بها الأفكار، وهذا ما قد يفتح باب الغيرة والشك بين الزوجين.

فإذا استقرت الأوضاع، قد لا يجد العقل سببًا لأن يبقى يقظًا طيلة الوقت، ويستهلك الكثير من الطاقة.

أسباب الغيرة والشك بين الزوجين

أسباب شك الزوج في زوجته والعكس

الشعور بالنقص

قد ينشأ هذا الشعور نتيجة التعرض للإهمال في الطفولة، وفقدان الحب غير المشروط من الأب أو الأم لأي سبب، وعندها يظن الشخص دائمًا أن عليه بذل جهد إضافي ليحظى ببعض الحب. وأن مَنْ يحبه يجب أن يظل بجواره طوال الوقت، ويقدم الدليل على حبه واهتمامه دائمًا.

حب السيطرة والتملك

وهنا تراود دائمًا الزوج أو الزوجة فكرة “إذا امتلكتك فأنا أستطيع السيطرة عليك، وإذا سيطرت عليك فلن تعطي حبك واهتمامك لأحد غيري”.

الأنانية

تشبه عقلية الشخص الأناني عقلية الطفل الذي لم يتعلم المشاركة؛ فهو يريد كل شيء لنفسه متجاهلًا رغبات الآخرين واحتياجاتهم، وقد يغضب أحد الطرفين إذا انشغل عنه الآخر بموضوع هو ليس محوره.

الشعور بالاضطهاد

وقد يكون عرضًا لحالة مرضية تُسمَّى “جنون الارتياب“، وفيها يتصور الشخص أن مشاعر الناس تجاهه دائمًا عدائية، ويتوقع منهم الإيذاء والضرر.

ويمكن أن تثير بعض الوساوس والأفكار المرضية الغيرة والشك بين الزوجين؛ كأن يشعر أحدهما أنه محاط دائمًا بالخداع والمؤامرات، وأن هناك مَنْ يخطط ويرتب ليأخذ مكانه في العلاقة. 

عدم تحمل المسؤولية

قد لا يتحمل الشخص الشكاك مسؤولية شكِّه، ويلقي اللوم على الطرف الآخر وكأنه هو المسؤول عن تعاسته ومعاناته.

علامات الغيرة والشك بين الزوجين

  • المشاعر السلبية المتبادلة باستمرار.
  • التلصص خلسة للتحقق من أنشطة الشريك الآخر.
  • التجسس على المكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية.
  • تفتيش المتعلقات الشخصية الخاصة بالشريك الآخر.
  • الشعور بالريبة وعدم الأمان عندما ينتبه أحدهما إلى شخص آخر.

ويُعَدُّ انعدام الأمن والهواجس والأفكار السلبية من أهم عوامل الغيرة السلبية والشك المرضي في العلاقة الزوجية، وفي كثير من الأحيان تكون هذه الأفكار غير منطقية، ودائمًا ما تؤرق صاحبها وتزعجه.

الغيرة والشك بين الزوجين في علم النفس

إن إثارة بذرة الشك الأولية في العلاقة الزوجية تُعَدُّ بمثابة بوابة الدخول لنطاق أكبر وأكبر من الشكوك،
فتتسع دائرة الشك لتشمل كل الأفعال والسلوكيات، المنطقية وغير المنطقية.

يشكل الشك نظرة صاحبه للعالم والواقع المحيط به، ويوفر له دائمًا أداة آلية داخل عقله، وظيفتها توليد الأفكار وتحليل كل سلوكيات الشريك الآخر.

دائمًا ما يضع الشخص الشكَّاك مَنْ يعنونه ويهتم لأمرهم تحت عدسة مجهره، ليواجهوا اختباره التحليلي باستمرار.

فيفسر كل نوع من تصرفاتهم وكل فعل لهم أو كل كلمة يتلفظون بها على أنها علامة أو إيحاء يدل على شيء آخر،
وهو مؤشر لعدم الثقة سواء بالنفس أو بالمحيطين. 

يدور الشك في حلقة مفرغة لا نهاية لها، وكلما ازدادت أسباب الغيرة، زاد الشك. ومتى وُجِد الشك، تلازمه المراقبة والبحث والتفتيش، وعندها تزداد فرصة العثور على مزيد من أسباب الغيرة.

أما الغيرة المرضية، فهي كاللهب؛ تحرق صاحبها ومَنْ حوله، فتتراكم طاقة الغيرة العنيفة داخله وتستهلكه من الداخل،
وتسبب معاناة هائلة لكلا الشريكين داخل العلاقة ولأسرتيهما أيضًا.

ومما لا شك فيه أن تحديد المشكلة وعلاجها المبكر أمران ضروريان لمنع حدوث مضاعفات وأضرار جسيمة نتيجة مخاطر العنف أو الانتحار.

الغيرة والشك بين الزوجين في علم النفس

كيفية السيطرة على الغيرة وعلاج الشك بين الزوجين

حدِّد المواقف التي تثير مشاعر الغيرة داخلك

اسأل نفسك، متى تشعر بالغيرة؟ هل عندما تكون بالخارج في المناسبات الاجتماعية؟ أَمْ عندما يبعد أحدكما عن الآخر بسبب عمله أو انشغاله بمسؤوليات خارجية أخرى؟ هل تزداد احتمالية وجود أفكار الغيرة والشك عندما تمُرُّ بيوم سيئ؟

اكتشف الأفكار التي تجعلك تشعر بالغيرة أكثر

وهي طريقة من طُرُق العلاج السلوكي المعرفي، تركز على القدرة على تحديد أفكارك التلقائية، والاستنتاجات الفورية اللاواعية التي تستحوذ عليك سريعًا، مثل “أنا غير محبوب”.

اربط أفكارك بمشاعرك

من المؤكد أن إخبار نفسك أنك لست محبوبًا يجعلك تشعر بالاكتئاب. لذا، يجب أن تعلم أن مشاعرك تنبع من أفكارك التلقائية السلبية، وبعدها ستصبح قادرًا على تجاوزها أو تغييرها.

تحدَّ أفكارك ومعتقداتك

إذا كان شعورك بالغيرة نابع من قناعتك الخاطئة؛ فقد حان الوقت لتغييرها. ربما تعتقد أنك بحاجة إلى أن تكون في حالة تأهب دائمة لاكتشاف علامات الخيانة مبكرًا، وإلا سيحدث شيء سيئ!

حاول ألا تكون في حالة تأهب، ثم انظر ماذا سيحدث؛ فقد لا تتحقق توقعاتك المشؤومة! وتُعَدُّ هذه أهم خطوة لعلاج الشك بين الزوجين.

ضع حدًّا لسلوكيات الغيرة

كُفَّ عن ممارسة الأفعال المسيطِرة والسلوكيات المريبة بسبب غيرتك. 

على سبيل المثال، انتظر ماذا سيحدث إذا لم تعبر عن قلقك وغيرتك لغياب زوجتك مدة أطول عن المعتاد في العمل (حسبما تعتقد)، ولعل هذا الموقف من أبرز أسباب شك الزوج في زوجته.

في الغالب ربما أثارت اتهاماتك وغضبك سابقًا دفاع زوجتك. وعندما تتوقف عن توجيه مثل هذه الاتهامات،
لا بُدَّ أن شعورها بالتحكم المفرط سيتلاشى، وتقل حدة التوتر في العلاقة.

كيفية بناء جسر الثقة لقتل الغيرة والشك بين الزوجين

من أهم عوامل علاج الشك والغيرة عند الزوجة والزوج هو السعي لبناء الثقة والاحترام المتبادلين،
ومن أهم الممارسات التي تساعدك في ذلك أن:

  • تقول ما تقصده وتعنيه؛ فمن الضروري أن تتوقف عن قول ما يبدو لك أنه أكاذيب بسيطة،
    وألا تتحدث عن الأشياء التي لا تمثل مشاعرك الفعلية. 
  • لا تحطَّ من قدر الطرف الآخر أو تنتهك كرامته، مهما كانت درجة الحميمية والعاطفة بينكما.
  • توازن بين ما يمكنك إعطاؤه وما تريد أخذه.
  • تضع في اعتبارك أنكما متساويان في الحقوق والواجبات.
  • تخصص أوقاتًا للمناقشة البناءة وتبادل وجهات النظر، وتعبر عن مشاعر غضبك باحترام وعقلانية، دون تهديدات أو صراعات.

وفي النهاية، حاوِل أن تركِّز كل طاقاتك في بناء علاقة قوية ودائمة بمَنْ اخترته من بين الناس لتقضي معه بقية حياتك!

المصدر
Darling, Are You Suspicious of Me?6 Ways to Break Free from the Trap of Jealousy7 Ways to Build Trust in a RelationshipJealousy in Marriage: How It Happens and What to Do
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق