مفاهيم ومدارك

الفجوة بين الأجيال (Generation gap)

جلست في العمل مع مديري الذي شارف الستين من عمره ذات يوم، وتجاذبنا أطراف الحديث، وناقشنا بعض القضايا الاجتماعية التي تشغل الرأي العام هذه الأيام.

شعرت بفرق كبير في التفكير بيني وبينه؛ هو يقيِِّم مشاكل اليوم من زوايا لم يَعُد لها وجود، ويطرح حلولًا عفا عليها الزمن.

وعندما بيَّنت له -بأدب شديد- خلافي معه في وجهة نظره، ثار مغضبًا وقال لي: “لا أدري متى يحترم جيلكم مَنْ سبقه ويتعلم من خبراتهم؟”!

الفجوة بين الأجيال!

هذا ما أدركته خلال حواري معه ومع غيره ممن هم في سنه، فكيف أتغلب على هذه المشكلة؟!

يعرف العلماء هذه الفجوة بأنها “الفرق في القيم والتوجهات بين جيل وآخر، وبخاصة بين جيل الآباء والأبناء، ينتج عنها خلل في التواصل بين الأجيال بسبب الاختلاف في الخبرات، والآراء، والعادات، والسلوك”.

ولا يقتصر الأمر على الفجوة بين الآباء والأبناء؛ فقد يمتد ليشمل المعلمين وتلاميذهم، ورؤساء العمل ومرؤوسيهم.

لم تكن هذه الفروقات واضحة حتى عشرينيات القرن الماضي؛ فلم يظهر التباين بين فئات المجتمع آنذاك بوضوح، وكان الأبناء يتبعون نمط حياة آبائهم على كل المستويات.

ومع اقتحام التلفاز والسينما لحياة الناس، ظهرت شخصيات عامة في المجتمع الأمريكي نجحت في اجتذاب الشباب والتمرد على الجيل الأقدم.

ثم جاءت فترة الستينيات، ومع حركة الحقوق المدنية وحرب فيتنام، اتسعت الهوة بين الجيلين.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

تبرز ملامح هذه الفجوة في مناحٍ كثيرة، منها: الاختلاف في التعامل مع الأعراق والمجموعات الأخرى، والقيم الأخلاقية، والمعتقدات الدينية، والرؤى السياسية، وأخلاقيات العمل.

أسباب الفجوة بين الأجيال

أسباب الفجوة بين الأجيال

هناك العديد من الأسباب، منها:

1- قصر الوقت المخصص للعائلة

معظم الآباء يقضي وقتًا قصيرًا مع أطفاله -بالرغم من حبه لهم- نتيجة لضغوط الحياة، وطول ساعات العمل،
والتوتر الناتج عن مشاكل العمل.

ومتطلبات الحياة الآن تُثقِل كاهل الآباء أكثر من ذي قبل؛ فلا يجدون -غالبًا- الوقت الكافي للجلوس مع الأبناء ومحاورتهم، ومعرفة ما يجول بخاطرهم.

وفي المقابل، يشعر الأطفال بإهمال آبائهم لهم، فتبدأ الفجوة بالاتساع شيئًا فشيئًا، وتَعظُم الحواجز فيما بينهم حتى تصل إلى حد لا يمكن بعده استدراك ما فات.

2- الإفراط في فرض السيطرة على الأبناء

بعض الآباء يصادر حق أبنائه في اتخاذ قراراتهم المصيرية -مثل اختيار طريق الدراسة، ونوع الأصدقاء،
وكيفية قضاء وقت فراغهم- ويبالغ في القلق عليهم.

وكذلك محاولة الآباء مقارنة أبنائهم بغيرهم من أقرانهم، أو مقارنتهم ظروفهم الحالية بظروف آبائهم السابقة.

ولا يشك أحد أن ذلك نابع من محبة الآباء لأبنائهم، ومحاولتهم ضمان أفضل سبل الحياة لهم، ولكن قد يتعارض هذا مع شخصية بعض الأبناء، لا سيما المراهقين منهم، ويعتبرونه انتهاكًا صارخًا لخصوصيتهم واستقلاليتهم.

3- عدم فهم بعض الآباء لمراحل نمو الأبناء

كل مرحلة من مراحل النمو لها ما يميزها، ولها متطلباتها الخاصة، ولها طُرق في التعامل تختلف عن المراحل الأخرى.

فلا يُعقَل أن يعامل المراهقون معاملة الأطفال، ولا يمكن أن تُحَلَّ مشاكل الإناث كما تُحَلُّ مشاكل الذكور،
وما كان مناسبًا في الماضي لم يَعُد مناسبًا في الوقت الحاضر.

ومن أهم العوامل التي تؤدي إلى ذلك: الفرق الهائل في نمط الحياة نتيجة لتزايد التطور التكنولوجي، وتسارع وتيرة الحياة، وتنوع مصادر الثقافة والمعرفة وسهولة الوصول إليها.

4- الفرق في الثقافات وفي مستوى التعليم

كحال بعض المهاجرين الذين يحاولون الحفاظ على هوية أبنائهم الأصلية، فيجدون صعوبة بالغة في ذلك نتيجة انغماس الأبناء في مجتمعاتهم الجديدة، فينقطع التواصل بين الأجيال، وتنشأ أجيال جديدة بهوية مختلفة وأفكار متباينة.

وكذلك قد يجد بعض الآباء -الذين لم يحظوا بفرصة للتعليم الجيد- صعوبة في التواصل مع أبنائهم ممَّنْ كانوا أوفر حظًا منهم، وقد يكون ذلك مدعاة للخلاف أحيانًا.

نتائج الفجوة بين الأجيال وآثارها

نتائج الفجوة بين الأجيال وآثارها

هناك -بلا شك- العديد من الآثار والنتائج السلبية التي تنشأ عن فقدان التواصل بين الأجيال، نذكر منها على سبيل المثال:

  • صعوبة التعايش بين الأجيال نتيجة لعدم وجود أرضية مشتركة للبناء عنها، مع انعدام الثقة واتهام كل طرف للآخر بعدم الرغبة في التفاهم والاقتناع.
  • الفراغ العاطفي والجفاء الذي يلاحَظ عند بعض الأبناء تجاه آبائهم بعد محاولة فرض السيطرة عليهم، أو التدخل في اختياراتهم وقراراتهم.
  • التفكك والتصدع الأسري، ومحاولة الأبناء إيجاد بدائل غير إيجابية تحل محل الأبوين، مثل: أصدقاء السوء،
    وأصحاب الأفكار المتطرفة والهدامة، وما يتبع ذلك من انحرافات وجرائم. أو هجر الأبناء لآبائهم ومحاولة الاستقلال عنهم في سن مبكرة، كما يلاحَظ في المجتمعات الغربية.
  • الخلل، وقلة الإنتاجية، وزيادة التوتر في بيئات العمل نتيجة للفروقات الشاسعة في طريقة تحليل المشكلات وإيجاد حلول لها، أو وجود ثقافات وتقاليد عمل مختلفة في مكان واحد، وما يتبع ذلك من آثار اقتصادية سيئة، سواء على مستوى الشركات أو على مستوى العاملين بها.

الحلول لمشكلة الفجوة بين الأجيال

الحلول لمشكلة الفجوة بين الأجيال

فيما يأتي بعض النصائح التي قد تعين على ذلك:

1- كن منفتحًا 

يختلف الأبناء في طريقة تفكيرهم عن الآباء، والآباء يعون ذلك جيدًا لأنهم مروا بنفس مراحل أبنائهم العمرية،
ولكن التغير السريع الذي يشهده العالم الآن -وما يترتب عليه من تطور في عقليات الأبناء- قد يكون صادمًا لبعض الآباء.

يجب أن تتسع صدور الآباء ويعقلوا جيدًا عدم ضرورة مشابهة أبنائهم لهم في كل شيء، ويتفهموا الفرق بين ما هو
كائن الآن وبين ما كان في الماضي، وأن غير المقبول في الماضي قد أصبح الآن مقبولًا، أو حتميًا في بعض الأحيان.

2- تواصَل جيدًا مع أبنائك

يجب أن يخصص الآباء وقتًا كافيًا لسماع أبنائهم ومحاورتهم، ومناقشتهم في كل ما يدور في محيطهم من أحداث؛
سيؤدي هذا إلى ذوبان الحواجز بين الآباء والأبناء، وتوسيع المساحات المشتركة فيما بينهم.

يحتاج الأبناء إلى هذا التواصل لبث شجونهم، والإفصاح عن أسرارهم، مما يدعم ثقة الآباء بأبنائهم، ويزيد
من طمأنينتهم، ويطرد عنهم الوساوس والشكوك.

3- كن مستمعًا جيدًا

يجب أن يفسِح الآباء والمعلمون ورؤساء العمل المجال لأبنائهم وتلاميذهم ومرؤوسيهم للحديث عن آرائهم وأفكارهم دون مقاطعة، هذا من شأنه أن يُشعِرهم بأهمية هذه الآراء والأفكار بالنسبة لمَنْ فوقهم، مما يقوي أواصر العلاقة فيما بينهم.

وتأكد جيدًا -عزيزي الأب والمعلم والرئيس- أن ذلك سينعكس إيجابًا على سماعهم وتلقيهم منكم.

4– افهم طفلك 

مع الاستماع الجيد يأتي الفهم الجيد.

يجب أن يعرف الأب كيف يضع نفسه موضع طفله، ويحاول فهم ما يدور في خاطره، وما الذي يرمي إليه من حديثه معه. وعندما يصل الأب إلى هذا المستوى، سيكون قادرًا على سد الفجوة بينه وبين أبنائه.

5- أشعِر أبناءك بحبك المُطلَق لهم

الحب يذيب الفوارق ويقرب المتباعدين، وعندما يشعر أبناؤك بحبك الجارف ودعمك المستمر لهم، سيبادلونك نفس المشاعر.

6- تعامَل مع أبنائك بمرونة 

الاختلاف في بعض وجهات النظر أمر حتمي لا مفر منه، وبدلًا من فرض رأيك على أبنائك أو إجبارهم على فعل
ما لا يوافق آراءهم، عليك أن توصل أفكارك إليهم بطُرق يحبونها؛ سيقربهم ذلك منك ويسهل عليك إقناعهم بما تريد.

ختامًا… “ليس منا مَنْ لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا”، صدق رسول الله ﷺ!

المصدر
What Research Says About the Generation GapGeneration gap - reasons, effects and solution6 Tips to Fill The Generation Gap Between Parent and Child
اظهر المزيد

Mohammed Saad

صيدلي ومترجم طبي وكاتب محتوى طبي، أسعى إلى تبسيط وإثراء المحتوى العلمي العربي؛ لإلسهام في نشر الوعي والثقافة الطبية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى