ترياق الأمراض النفسية

الفصام العقلي المزمن | رحلات بين عالم اليقظة وعالم الأحلام

(هدى) فتاة في عقدها الرابع، كانت تعاني منذ سنوات أعراضًا نفسية شديدة، متمثلة في الأوهام والهلاوس التي تراودها بين حين وآخر.

كانت ترى العالم بشكل مختلف، وتفسِّر الأحداث التي تمر بها تفسيرًا غير منطقي على الإطلاق.

تسببت هذه الأعراض في كثير من المشكلات التي أدت إلى استقالتها من العمل، وعدم قدرتها على التعامل مع صديقاتها.

لم تتوانى (هدى) في طلب العلاج لحالتها، بعدما عرفت أنها تعاني مرض الفصام العقلي المزمن.

ولكن، هل الفصام مرض خطير؟

سيدور حديثنا في هذا المقال حول الإجابة عن هذا السؤال؛ لنعرف من خلاله أشد أنواع الفصام؛ أسبابه وأعراضه، وطرق علاجه…

ما المقصود بـ (الفصام العقلي)؟

هو اضطراب عقلي شديد، يتسبب في معاناة الشخص الأوهام، ورؤية أشياء ليس لها وجود، بجانب تغير مستمر في السلوك والتعامل مع الأشخاص.

ما أسباب الفصام العقلي؟

لا يوجد سبب معروف للفصام العقلي حتى الآن، ولكن يُعتقد أن العوامل الوراثية والظروف الحياتية لها دور في الإصابة به. 

ومن أهم هذه العوامل:

الجينات الوراثية

تشير الدراسات إلى أن الجينات لها علاقة بالإصابة بهذا الاضطراب؛ إذ وُجد أن نسب الإصابة به تزداد إذا كان أحد أفراد العائلة مصابًا به، خاصة بين التوائم المتماثلة.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

من المعلوم أن التوائم المتماثلة تحمل نفس الجينات الوراثية، فإذا أُصيب أحدهم بالفصام العقلي، تزداد نسبة الإصابة في التوأم الآخر إلى 50%، حتى لو تربَّى كل واحد منهما في بيئة مختلفة.

تقل هذه النسبة بين التوائم غير المتماثلة، وتقل بدرجة أكبر في غير التوائم؛ وهذا يدل على أن العوامل الوراثية ليست وحدها السبب في الإصابة باضطراب الفصام العقلي.

الناقلات العصبية وكيمياء الدماغ

توجد علاقة بين الناقلات العصبية وبين الإصابة باضطراب الفصام العقلي؛ إذ وجد العلماء أن هناك بعض الأدوية تغير من مستوى هذه الناقلات في الدماغ، وتُحسِّن من أعراض المرض.

ويُعتقد أن التغير في مستوى السيروتونين والدوبامين هو المسؤول عن الإصابة بهذا الاضطراب، إضافة إلى مدى استجابة الجسم لهذه الناقلات.

مشكلات متعلقة بالحمل والولادة

هناك بعض الأبحاث التي تبيِّن وجود علاقة بين المشكلات التي يمكن أن يتعرض لها الشخص في أثناء ولادته وبين إصابته باضطراب الفصام العقلي، ومن هذه المشكلات:

  • الولادة المبكرة.
  • قلة الوزن عن الطبيعي عند الولادة.
  • نقص الأكسجين، والتعرض للاختناق في أثناء الولادة.

ولا شك أن هذه المشكلات تؤثر في النمو الطبيعي للدماغ، ومن ثَم إمكانية الإصابة بالفصام العقلي.

إدمان المخدرات

يزيد إدمان المخدرات من خطر الإصابة بالفصام العقلي، ومن أهم هذه المخدرات:

  • الحشيش (الماريجوانا).
  • الكوكايين.
  • الأمفيتامينات.

يؤدي إدمان الكوكايين والأمفيتامينات إلى الإصابة بمرض الذهان أيضًا، وتشير الدراسات إلى أن المراهقين المدمنين على الحشيش أكثر عرضة للإصابة باضطراب الفصام العقلي فيما بعد.

الضغوطات الحياتية

بجانب العوامل السابقة، فإن التعرض للضغوطات الحياتية يسهم في ظهور أعراض الفصام العقلي، ومن أشهر الضغوطات التي يمكن أن يتعرض لها الشخص:

  • وفاة شخص عزيز.
  • فقدان الوظيفة أو التعرض للإفلاس.
  • انتهاء العلاقات، مثل: الطلاق.
  • التعرض للاعتداء الجنسي أو الجسدي أو العاطفي.

ما أعراض الفصام العقلي؟

لا شك أن الفصام العقلي يؤثر في سلوك الشخص وطريقة تفكيره، ولكن هذه الأعراض تظهر تدريجيًّا، وتزداد مع الوقت.

تبدأ الأعراض في الظهور بداية من مرحلة المراهقة، وهذا قد يجعل التشخيص صعبًا في البداية؛ لتشابه أعراض الانطوائية والانعزال والتغير في السلوك مع مرحلة المراهقة وما يحدث بها من تغيرات.

يرى بعض الأطباء أن الفصام العقلي أحد أنواع الذهان، ومن ثَم يمكن أن يُصاب مرضى الفصام ببعض أعراض الذهان، التي تشمل:

  • تغيُّرات جذرية في سلوك المرضى.
  • الانزعاج والقلق.
  • الارتباك والغضب.
  • الشك فيمن يحيطون بهم.

وإضافة إلى ذلك، تنقسم أعراض الفصام العقلي أيضًا إلى:

  1. أعراض إيجابية، وتشمل:
    • الهلاوس.
    • التخيلات.
    • الضلالات.
    • السلوكات والحركات المتغيرة.
  2. أعراض سلبية، وتشمل:
    • العزلة والانطوائية.
    • عدم المبالاة بالأحداث اليومية.
    • برود المشاعر وجمود العواطف.

والآن، دعونا نتحدث عن بعض هذه الأعراض بشيء من التفصيل…

الهلاوس والضلالات

يستجيب مرضى الفصام للهلاوس ويتفاعلون معها وكأنها أشياء حقيقية، ومن أهمها الهلاوس البصرية والحسية، مثل: الشم والتذوق، إلّا أن أشهرها على الإطلاق الهلاوس السمعية.

أجرى فريق من العلماء دراسة على مرضى الفصام؛ لقياس مدى استجابة أدمغتهم لهذه التخيلات بواسطة أجهزة متخصصة، ووجدوا أن هناك تغيرات في المنطقة المسؤولة عن التحدث في الدماغ.

لاحظ العلماء أن هذه التغيرات تحدث نتيجة سماع المريض لأصوات، وكأنها أصوات حقيقية.

ليس هذا وحسب، بل ربما يشعر مرضى الفصام أنهم مُستهدفون أو مُطاردون؛ وهو ما يجعلهم دائمي الشك فيمن حولهم.

ومن الضلالات الشائعة لدى مرضى الفصام، شعورهم بأن كل شيء حولهم يحمل رسالة سرية خاصة، هم وحدهم المُخاطبون بها، ويتضح ذلك عند سماعهم نشرات الأخبار على التلفاز مثلًا، أو قراءتهم الصحف.

تشوش الأفكار وعدم القدرة على التركيز

يعاني مرضى الفصام عدم قدرتهم على التركيز أو التفكير بشكل جيد، إضافة إلى الارتباك في أثناء الحديث، ما يؤدي إلى صعوبة فهم ما يقولون.

تغيُّر جذري في السلوك والأفكار

يشعر مرضى الفصام أنهم غير قادرين على التحكم بالأفكار التي تراودهم، وكأن شخصًا آخر قد زرع هذه الأفكار في أدمغتهم.

دائمًا ما يتحدثون عن كونهم مسيَّرين وغير متحكمين في أفعالهم، وهذا ما يجعل سلوكهم غير متوقع ودائم التغيّر.

الأعراض السلبية

تبدأ الأعراض السلبية في الظهور مبكرًا، وتزداد حدتها تدريجيًّا وببطء شديد؛ الأمر الذي يجعل من التشخيص المبكر للمرض أمرًا صعبًا.

والمقصود بالأعراض السلبية ميل المرضى للعزلة والتمحور حول الذات، وتشمل هذه الأعراض:

  • البقاء في المنزل وعدم الرغبة في الاختلاط بالمجتمع.
  • عدم الشعور بالراحة عند الحديث مع الأشخاص، وبالتالي عزوفهم عن العلاقات الاجتماعية، مثل: تكوين الصداقات.
  • عدم التركيز، وفقدان الشغف، والخواء النفسي.
  • عدمُ الاهتمام بالنظافة الشخصية والمظهر العام.

طرق التعامل مع الفصام العقلي وعلاجه

على الرغم من أن الفصام مرض مزمن، فقد أصبح التعامل مع الأعراض التي تصاحبه أمرًا سهلًا؛ بفضل الأدوية وطرق العلاج النفسي المختلفة.

تعد الأدوية المضادة للذهان من أهم الأدوية المستخدمة في علاج الفصام، ومنها:

  • ريسبيريدون (ريسبردال).
  • أولانزابين (زيبريكسا).
  • كيتيابين (سيروكويل).
  • زيبراسيدون (جيودون).
  • كلوزابين (كلوزاريل).

وأما العلاج النفسي، فله طرق عديدة منها:

يعتمد تحديد نوع العلاج على حالة المريض، ومدى حدة الأعراض التي يعانيها.

هل يمكن الجمع بين الإصابة بمرض الفصام والزواج؟

تعتمد الإجابة عن هذا السؤال على مدى معرفة المريض بمسؤوليات الزواج الواقعة عليه، ومدى التزامه بالعلاج.

وهذا يعني أن المريض الملتزم بالعلاج يمكنه الزواج بشرط أن يدرك جميع الجوانب المتعلقة بهذه العلاقة؛ مثل: النفقة والتعامل مع الزوجة وعدم إيذائها، وتربية الأبناء والقدرة على الكسب المادي.

ختامًا…

إن التعامل مع اضطراب الفصام العقلي المزمن يتطلب مزيدًا من الصبر والإرادة للتغلب عليه، وهذا بلا شك سيجعل حياة المريض أفضل، والأهم أنه سيتمكن من العيش بشكل طبيعي.

المصدر
SchizophreniaUnderstanding the symptoms of schizophreniaSchizophrenia
اظهر المزيد

Mohamed Ebaid

محمد عبيد، مترجم وكاتب محتوى ومدقق لغوي وأدرس الطب البشري. شغوف باللغة العربية وهدفي إثراء المحتوى العربي بعلم يُنتفع به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى