مفاهيم ومدارك

القابلية للإيحاء (Suggestibility) | أعطني عقلك!

“يجب أن أقتني هذا الجهاز”…

“ستصبح حياتي أسهل وأكثر تنظيمًا إذا اشتريت هذه الخزانات”…

“هذا الفستان سيجعلني أجمل”…

تردَّدت هذه العبارات داخلها في أثناء تصفحها لمواقع التواصل الاجتماعي، وقراءتها الآراء والتعليقات.

هي لا تتذكر متى وكيف بدأ هوسها باقتناء هذه الأشياء، لكنها على يقين أن ذلك سيسعدها ويحسِّن حياتها مثلما حدث للآخرين.

كيف يمكن لأفكار الآخرين أن تدفعك إلى اتخاذ قرارات مندفعة؟ وما الذي يجعل أشخاصًا بعينهم أكثر عرضة لمثل هذا التأثير؟

سنجيب سويًا في هذا المقال عن هذه الأسئلة، ونتعرف إلى القابلية للإيحاء بشكل أكبر. 

ما هو الإيحاء النفسي؟

ما هو الإيحاء النفسي؟

يعرَف الإيحاء النفسي -أو القابلية للإيحاء (Suggestibility)- على أنه تغيُّر في فكر الشخص أو سلوكه بناءً على الاقتراحات المقدمة إليه. وقد يكون المقترَح المقدَّم لك  كلامًا، أو سلوكًا ما، أو إيماءة (كالابتسامة)، أو لغة جسد الشخص الآخر.

تَكمُن قوة الإيحاء النفسي في تأثيره الكبير في حياة مَنْ يخضع له؛ فقد يسبب:

  • اتخاذ قرارات غير مدروسة أو بعيدة عن المنطق.
  • تغيُّر الذكريات أو تشوُّهها.

اقرأ: الذاكرة الكاذبة (False memory) | عندما تتحول الخيالات إلى حقيقة!

أمثلة على القابلية للإيحاء

يمكن فهم معنى الإيحاء بشكل أكبر من الأمثلة التالية:

  • عدوى التثاؤب: قد ينتابك إحساس بالنعاس وتتثاءب لمجرد رؤيتك لهذا الفعل.
  • قرارك -دون تحقق- بعدم الخروج أو تغيير خطتك بمجرد سماعك باحتمالية تساقط الأمطار. 
  • تشوُّش تفاصيل حدث مررت به بسبب تأثُّرك بكلام شخص ما.

ستجد أن القابلية للإيحاء تبدأ بزرع فكرة في دماغك نتيجة سماع أو رؤية  أمر ما، يعقبه تقبُّلك لهذه الفكرة دون تحليل، أواتخاذك قرارًا دون تمهُّل.

يتراوح أثر الإيحاء بين السلوكات البسيطة، مثل: التثاؤب أو القرار بعدم الخروج، وبين الأمور الأكثر تعقيدًا، مثل: تغيُّر تفاصيل شهادة شاهد في جريمة ما بسبب أسئلة مضَلِّلة، أو تخيُّل طفل تعرَّضه للإساءة نتيجة الضغط.

لكن هل جميعنا يتأثر بنفس القدر بالإيحاء النفسي؟ هذا ما سنجيب عنه تاليًا…

مَنْ الأكثر قابلية للإيحاء؟

يختلف الأشخاص فيما بينهم في قابليتهم للإيحاء، ويعتقَد أنَّ عوامل عدة تلعب دورًا في هذا الاختلاف، منها:

  • طبيعة الشخصية

سمات الشخصية تؤثر في القابلية للإيحاء؛ فقد تزداد هذه القابلية مع ضعف الثقة بالنفس أو مع الشخصية العاطفية. وعلى النقيض، يقل التأثر بالإيحاء مع قوة الشخصية أو ميلها إلى التحليل وفهم الأسباب.

  • التنشئة

طفولة الإنسان قد تؤثر في تقبُّله للمعلومات وقابليته للإيحاء، مثل تربيته على أن يكون متشكِّكًا أو تعرُّضه للكثير من الوعود الكاذبة؛ فقد يكسبه ذلك مناعة من الإيحاء، ويجعله دائم التشكك فيما يُقدَّم له.

الأطفال والقابلية للإيحاء

الأطفال والقابلية للإيحاء

يعَدُّ الأطفال الأكثر قابلية للإيحاء، وذلك بسبب خيالهم الواسع وقدرتهم على استيعاب معلومات جديدة باستمرار. تساعد العوامل التالية على زيادة هذه القابلية:

  • التحيُّز عند السؤال أو الحِوار: تحيُّز الشخص البالغ لفرضية ما قد يدفعه إلى التأثير في أفكار الطفل وتشويش ذكرياته عند استدعاء حدث ما، فلم يعد الوصول إلى الحقيقة هو الهدف من الحِوار، ولكن تأكيد اعتقاد محدد.
  • تكرار الأسئلة: إعادة نفس السؤال عدة مرات على مسامع الطفل قد تدفعه إلى التشكك في إجاباته وتغييرها، حتى وإن كانت صحيحة.
  • تقديم معلومات مُضَللة: يؤثر تقديم معلومات غير صحيحة في دقة استرجاع الطفل لحدث ما، وقد يسبب ذلك تضمين تفاصيل خاطئة في الذكرى المستدعاة وتشوهها.  
  • نغمة أو نبرة صوت المحاور: لدى الأطفال قدرة على استنباط مشاعر مَنْ يحاورهم من نبرة صوته، وقد يدفعهم ذلك لتغيير الحقائق تَجنٌّبًا للعقاب، أو إرضاءً لمَنْ يحاورهم.
  • تأثير الأقران: يتأثر الطفل بأقرانه، ويسعى دائمًا إلى الشعور بالانتماء عن طريق إرضائهم. قد يشوشون أفكاره وذكرياته، وقد يصل الأمر إلى اقتناعه بحدوث أمر غير حقيقي لمجرد سماعه ذلك منهم.

تزداد -أيضًا- قابلية الطفل إلى الإيحاء بعد تعرُّضه لأحداث صادمة في حياته، مثل: التحرش الجنسي أو الأذى الجسدي. الصدمة الشديدة قد تدفعه إلى الهروب من ذكرى ما، وتغيير تفاصيلها أو نسيانها كلِّيةً، أو اختلاق أمور لم تحدث من الأساس.

أنواع الإيحاء النفسي

ينقسم الإيحاء -تبعًا لطبيعة المسبِّب- إلى نوعين رئيسين، هما:

  • إيحاء مباشر: حيث يكون المؤثِّر معروفًا.
  • إيحاء غير مباشر: يكون المؤثِّر مخفيًّا.

يتضمن هذان النوعان ثلاثة أنماط من الإيحاء، هي:

  • التأثير الوهمي (The Placebo effect)

حيث يكون المؤثر غير حقيقي، لكن الشخص الخاضع للإيحاء غير واعٍ لذلك. يكثر تطبيقه في تجارب تأثير الأدوية، إذ تتضمن مجموعة تتلقى علاجًا وهميًا لا يحتوي على المادة الفعالة.

  • الإيحاء بالتنويم المغناطيسي (Hypnotic suggestibility)

يستخدَم التنويم المغناطيسي في العلاج النفسي (مثل: علاج الخوف، ونوبات القلق، والتخلص من بعض العادات كالتدخين).

ولا يعني التنويم المغناطيسي النوم؛ لكن الوصول بالذهن إلى درجة من الصفاء تمكِّن المعالج من التعامل مع العقل الباطن بشكل مباشر. لذلك يكون الشخص أكثر قابلية للإيحاء والتأثر بما يطرَح من أفكار خلال التنويم.

  • الإيحاء الاستفهامي (Interrogative Suggestibility)

يحدث غالبًا هذا النوع -دون قصد- في مجال العدالة والتحقيقات، ويتضمن طرح الأفكار والأسئلة بطريقة مضللة، تغيِِّر من معتقدات مستقبِلها وسلوكه، وقد يصل الأمر إلى تغيير الشاهد لأقواله، أو اعتراف المتهم بذنب لم يرتكبه. 

يكثُر أيضًا -هذا النوع- في أثناء الحديث مع الأطفال، وهذا ما سنتعرف إليه لاحقًا.

هل القابلية للإيحاء أمر سلبي أَمْ إيجابي؟

القابلية للإيحاء سلاح ذو حدين، قد يكون مفيدًا أو ضارًا، وذلك كالتالي:

  •  الإيحاء النفسي السلبي

قد يكون الضرر من الإيحاء مقصودًا، حيث يستخدَم للتلاعب بالغير (مثل: التشويش على ذاكرة الشاهد في محاكمة ما واقتراح أفكار تشتِّته)، أو يحدث الضرر دون قصد (مثل: معاناة المريض الآثار الجانبية للدواء نتيجة معرفته بها)

  • الإيحاء النفسي الإيجابي

قد يستخدَم الإيحاء بشكل إيجابي، مثل: تطبيقه في العلاج بالتنويم المغناطيسي، أو في البحوث الدوائية للتأكد من فعالية الدواء (كما ذكرنا سابقًا).

لكن هل يقتصر الإيحاء على الأفراد أَمْ يتعدى الأمر إلى ظاهرة مجتمعية؟

الإيحاء الاجتماعي

يقع الإنسان تحت تأثير ضغوطات المجتمع المنبثقة من أفكاره وتقاليده ومعتقداته؛ فقد تدفعك معرفتك عدم قبول المجتمع لتصرفٍ ما إلى تجنُّبه، والعكس صحيح.

لا يقتصر الإيحاء الاجتماعي على ذلك؛ بل يمتد إلى حكمك على الأشخاص من مظهرهم وسلوكهم وأفكارهم، وكأنك وقعت تحت تأثير الإيحاء، لكنه غير مباشر أو مقصود من الغير.

تظهر قوة الإيحاء النفسي في عالم الدعاية والإعلان؛ فقد تدفعك رؤية دعاية ما إلى شراء منتج قد لا تكون في حاجة إليه أو غير واثق من جودته، وذلك بسبب تلاعُبها بك وإيحائها أنك في حاجة لهذا المنتج، وأن سعادتك مرتبطة بشرائه.

يسيطر الإيحاء -أيضًا- على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فأنت تتأثر بأفكار الآخرين وما يستعرضون من جوانب حياتهم المختلفة، وقد يؤثر ذلك في قراراتك وتصرفاتك.

كما أصبحت هذه المواقع منصات للدعاية والتأثير في الناس، إما بشكل مباشر، أو عن طريق الاستعانة بأشخاص مؤثرين لهم متابعون.

كيف نتعامل مع القابلية للإيحاء؟

أول خطوة في تجنُّب الإيحاء النفسي السلبي -وأثره في حياتك وقراراتك- هي وعيك ومعرفتك به، يعقبها يقينك من قدرتك على مواجهة أي أفكار أو مقترحات تُطرَح أمامك، وتمهُّلك قبل اتخاذ أي قرار، والتفكير فيما يُعرَض عليك وتحليله. لا تتردد في  البحث عن المعلومة المقدَّمة أواستشارة أحد تثق به. 

بإمكانك -أيضًا- الاستفادة من الإيحاء النفسي الإيجابي، مثل: العلاج بالتنويم المغناطيسي، لكن استعن بمتخصص في ذلك حتى تحقق النتيجة المرجوة.

تذكَّر أنك تملك زمام أمورك، فلا تدع أحدًا يسيطر عليك ويتلاعب بعقلك!

المصدر
Suggestibility and HypnosisSuggestibilityWhy is yawning contagious? Suggestibility, explained.New Voices: The power of suggestionWhat Is Hypnosis?
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق