ترياق الأمراض النفسية

القلق الموضوعي

هل تتذكر مشاعرك عندما سمعتَ أول مرة عن اجتياح فيروس كورونا للعالم، وعن مدى خطورته؟! 

يا تُرى بِم شعرت؟ هل شعرتَ بالخطر؟ هـل انتابك الخوف والقلق مما يحدث؟ هل تتذكر ماذا فعلتَ حينها؟

على الأرجح سارعتَ باتخاذ الإجراءات الاحترازية؛ من ارتداء الكمامة، واستعمال المطهرات، والحفاظ على التباعد الاجتماعي، وربما جلستَ في المنزل لأشهر لأنك تخشى أن تُصاب بالعدوى. 

هل تدرك لماذا تصرفتَ بهذه الطريقة؟ حسنًا، أنا هنا لأجيبك عن هذا السؤال…

ما شعرتَ به -عزيزي القارئ- وقتها هو ما يسميه علماء النفس بـ”القلق الموضوعي”، وهو الذي دفعك للتصرف بهذه الطريقة للحفاظ على حياتك التي شعرتَ حينها أن هناك خطر خارجي يتهددها. 

تابعنا في هذا المقال، لنتعرف أكثر إلى مصطلح القلق الموضوعي؛ ماذا يعني، وكيف يؤثر في حياتنا.

تعريف القلق الموضوعي

القلق الموضوعي -أو كما يُطلَق عليه أيضًا “القلق الواقعي”- هو الحالة التي يشعر بها الشخص عندما يدرك أن هناك خطرًا ما يحيط به. 

بمعنىً آخر: ينتج القلق الموضوعي عندما يشعر الشخص بوجود مصدر تهديد حقيقي في بيئته المحيطة، قادر على إيذائه بطريقة مباشرة.

دعونا نذكر مثالًا على القلق الموضوعي لتوضيح الأمر أكثر…

مثال على القلق الموضوعي

ظهور فيروس كورونا:عندما أدرك الناس وجود فيروس كورونا، شعروا بأن هناك خطرًا حقيقيًا محدقًا بهم، وهو خطر الإصابة بالعدوى، فأدى ذلك إلى شعورهم بمشاعر القلق والفزع، حتى قبل أن يصابوا. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

يعبِّر هذا المثال بشدة عن مفهوم القلق الموضوعي، وهو القلق الناتج عن توقع حدوث مشكلة ما تهدد سلامة الشخص.

مثال آخر على القلق الموضوعي

إذا كنتَ سائرًا في شارع ما وحدك، ورأيت كلبًا شرسًا قادمًا من بعيد، سيصيبك ذلك بمشاعر القلق والخوف، لأنك تتوقع أن يهاجمك هذا الكلب ويؤذيك. 

إذًا، القلق الموضوعي هو نوع من الخوف ناتج عن تفكير الشخص في احتمالية حدوث أمر سيئ له، بناءً على تحليله للأشياء التي تحدث من حوله، ويظنها خطيرة ومهدِّدة لأمنه.  

يؤدي هذا النوع من القلق إلى إفراز الجسم لهرمون “الأدرينالين”، والذي يجعل الشخص في وضع الاستعداد والتأهب، حتى يستطيع إنقاذ نفسه من هذا الخطر. 

ولكي نفهم أكثر تعريف القلق الموضوعي، دعونا نتحدث عن تاريخ نشأة هذا المصطلح.

تُرى، مَن أول مَن تحدَّث عن القلق الموضوعي؟ وماذا قال عنه؟

فرويد وأنواع القلق

في نظرية التحليل النفسي، يقول (سيجموند فرويد) إن الشخصية تتكون من ثلاثة أقسام مختلفة:

  • الهو (id)

وهو جانب الشخصية الذي يسعى إلى تلبية الشهوات والرغبات الداخلية، ويُعَدُّ -طبقًا لـ(فرويد)- الجانب البدائي من الشخصية، والذي يسعى لتحقيق اللذة والمصلحة الشخصية دون تفكير.

  • الأنا (ego)

وهي جانب الشخصية المسؤول عن التعامل مع الواقع، وتحقيق رغبات (الهو) بطريقة متزنة اجتماعيًا، ومتسقة مع العالم الواقعي.

  • الأنا العليا (superego)

وهو جانب الشخصية المسؤول عن تهذيب (الأنا)، وجعلها تتصرف بطريقة مثالية وأخلاقية. تتكون (الأنا العليا) من جميع المبادئ والقيم التي يكتسبها الشخص من والديه، والمجتمع، ومعتقداته الدينية. 

تحدَّث (فرويد) بعد ذلك في نظريته عمَّا يسمَّى بـ”ميكانيزمات الدفاع – Defense Mechanism”، والتي قال عنها أنها وسيلة ابتكرتها (الأنا) للحماية من القلق.  

يرى (فرويد) أن القلق يعمل كنذير للـ(الأنا)؛ ينبئها بأن الأمور حولها لا تسير على ما يرام، وأنها يجب أن تستخدم ميكانيزمات دفاعها لحماية نفسها، ومن ثَمَّ تقليل مشاعر القلق التي تشعر بها. 

أنواع القلق طبقًا لفرويد

حدد (فرويد) ثلاثة أنواع من القلق، وهي:

1- القلق الأخلاقي: ينشأ هذا القلق من (الأنا العليا)، ويعني الخوف من انتهاك القيم والمبادئ الأخلاقية التي يؤمن بها الشخص، ويظهر في شكل مشاعر معينة، مثل: الشعور بالخزي، أو الإحساس بالذنب. 

2- القلق العصابي: وهو القلق اللاواعي من خوف سيطرة (الهو) على الشخصية، أي سيطرة الشهوات والرغبات الداخلية، وعدم القدرة على التحكم فيها.

3- القلق الموضوعي (أو القلق الواقعي): وهو الخوف من أحداث حقيقية تحدث في العالم الواقعي، ويمكن للشخص تحديد مصدر التهديد الذي يسبب له هذا القلق بسهولة، والطريقة الأساسية للتعامل مع هذا النوع من القلق تكمن في محاولة حماية النفس والابتعاد عن مصدر التهديد. 

والآن بعد أن تحدثنا بالتفصيل عن القلق الموضوعي؛ تعريفه وأسبابه وأمثلة عليه، دعونا نتحدث في السطور القادمة عن أضرار القلق والطريقة التي يؤثر بها في صحة الإنسان، وكيفية السيطرة عليه.

أضرار القلق

عند الحديث عن القلق الموضوعي، ذكرنا أن هذا النوع من القلق يجعل الإنسان في حالة تأهب قصوى، واستعداد تام لحماية نفسه من الخطر الذي يتهدده. 

إذًا، هذا أمر إيجابي ونافع، وهو أحد ميكانيزمات الدفاع عن النفس ضد ما يتهددها.

لكن ماذا لو تحول القلق إلى خوف دائم مبالغ فيه؟ وأعاق قدرة صاحبه على مواصلة الحياة والتقدم فيها والاستمتاع بها؟ هنا يصبح القلق قلقًا مرضيًا يضر صاحبه ولا ينفعه. 

من أعراض القلق المرضي:

  • الانفعال والعصبية.
  • التوتر والشد العصبي.
  • الخوف الشديد غير المبرر. 
  • صعوبة النوم.
  • تسارع ضربات القلب. 
  • زيادة التعرق. 
  • زيادة معدل التنفس.
  • الارتجاف.
  • الشعور بالإرهاق.
  • صعوبة التركيز.
  • اضطرابات في المعدة والهضم.
  • عدم السيطرة على التفكير في مسببات القلق.

بالطبع، تحيل أعراض القلق السابقة حياة صاحبها جحيمًا، وقد تسبب له العديد من المشكلات النفسية والجسدية، مثل:

لذا، كان لا بُدَّ من علاج القلق المرضي والتغلب على مسبباته، لكي يقي الإنسان نفسه من المشكلات الكثيرة الناجمة عنه، وحتى يمكنه الاستمتاع بحياته.

علاج القلق

يعتمد علاج القلق على محورين، وهما: جلسات العلاج النفسي، والأدوية. 

أولًا، جلسات العلاج النفسي

تعتمد جلسات العلاج النفسي على نوع من العلاج يسمَّى “العلاج المعرفي السلوكي“، ويهدف إلى مساعدة الشخص على التغلب على مسببات القلق.

في هذا النوع من العلاج، يُعرِّض المعالج النفسي المريض تدريجيًا للأشياء والمواقف التي تثير قلقه، ويعلمه مهارات إدارة مشاعره ومواجهة مخاوفه، مما يساعده على بناء الثقة بنفسه.

ثانيًا، الأدوية

يصف الأطباء أنواعًا متعددة من الأدوية، تعمل على تقليل أعراض القلق والتوتر. ويعتمد نوع الدواء على حالة المريض، ومدى استجابته للعلاج، وما إذا كان يعاني اضطرابات نفسية أخرى أم لا.

ومن أمثلة الأدوية المستخدَمة في علاج القلق: مضادات القلق، وبعض مضادات الاكتئاب، والمهدئات مثل البنزوديازيبين.

نصائح حياتية للتغلب على مشاعر القلق

إليك -عزيزي القارئ- بعض النصائح لمساعدتك على مواجهة مشاعر القلق المؤذية التي تعيق حياتك:

  • أبقِ نفسك منشغلًا: فلتعلم أن الفراغ هو ما يجعلك تفرط التفكير في الأمور كلها، حتى تلك الخارجة عن سيطرتك، والإفراط في التفكير هو المسبب الأساسي للقلق، فلا تترك نفسك فريسة للفراغ، وانشغل بما ينفعك.
  • مارِس الرياضة بانتظام: ممارسة النشاط البدني ستساعدك على تفريغ شحنات التوتر والقلق التي تشعر بها، وتحسين مزاجك، والتمتع بصحة جيدة. 
  • تناوَل غذاءً صحيًا متوازنًا: لا تنسَ أن العقل السليم في الجسم السليم، لذا ستساعدك التغذية المتوازنة على التمتع بصحة جسدية ونفسية جيدة، ومن ثَمَّ ستصبح قادرًا على إدارة مشاعرك وأحاسيسك بطريقة سليمة. 
  • قلِّل من تناول المشروبات المحتوية على الكافيين، وإن كنت مدخنًا فأقلع عن التدخين. 
  • احرص على أخذ القسط الكافي من النوم الجيد.

ختامًا…

نذكِّرك بأن القلق الموضوعي شعور طبيعي، يساعدك على مواجهة المخاطر التي تحيط بك.

لكن ما زاد عن حده انقلب إلى ضده، فانتبه لصحتك النفسية، ولا تستسلم لمشاعر القلق والخوف غير المبررة، واسعَ إلى طلب الدعم والعلاج عند الحاجة، حتى تنعم بحياة هادئة ومستقرة

المصدر
Anxiety (Freud)20 Common Defense Mechanisms Used for AnxietyFreud's psychoanalytic theoriesAnxiety disorders
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى