مفاهيم ومدارك

القناعة كنز لا يفنى

– “أنتظر إصدار هاتف (آبل) الجديد في الأسواق بفارغ الصبر؛ فقد اعتدت أن أكون أول من يقتني أحدث موديل بين أصدقائي.”

– “وأنا أنهيت اليوم إجراءات قرض البنك؛ فقد قررت شراء سيارة (مرسيدس) كي أبدو مثل نجوم السينما.”

– “أما أنا، فأخيرًا انتهيت من أقساط منزلي الصيفي الجديد، فقد واصلت العمل ليل نهار كي أسددها، وفي المقابل انشغلت كثيرًا عن أسرتي.”

عزيزي القارئ، لا شك أنك قد قرأت يومًا عبارة “القناعة كنز لا يفنى” في أحد الكتب أو إحدى المجلات، ولا أظن أن أحدًا منا لم يسمعها من قبل، ولكن هل يعي جميعنا مفهومها حقًا؟!

فلنفتح سويًا حاوية القناعة، ونستكشف ما بداخلها وما تحمله لنا من كنوز.

ما هي القناعة؟ 

القناعة تعني الرضا بما عندك والفرح به، دون النظر إلى قيمته المادية أو الطمع في زيادة مقدراتك دائمًا. 

هي أن تحترم واقعك ووضعك الحالي وتقدر قيمة وجودك في الحياة مهما كنت وأينما وُجدت.

هي أن تصل إلى السلام النفسي والهدوء الداخلي وتتصالح مع نفسك.

باختصار، القناعة هي أن ترضى بما منحك الله -عز وجل- وما قسمه لك من حظ ونصيب، وأن تثق في أقداره دائمًا موقنًا أنها تحمل لك الخير وتسوقك نحو مستقبل أفضل.

اقرأ أيضًا: حب الذات وكيفية الوصول إلى السلام الداخلي

غياب القناعة

ينظر الكثير منا إلى الحياة وكأنها سباق، ولا بد أن نحتفظ فيه بموقعنا في المركز الأول دائمًا، ونكون الأفضل في كل شيء.

نريد أن نشتري أحدث سيارة، ونعيش في أكبر منزل، ونعمل بوظيفة ذات أكبر عائد، ونجمع أكبر قدر من المال والثروة… 

في اللحظة التي نحقق فيها شيئًا واحدًا من هؤلاء، يبدأ السباق نحو الشيء التالي، وبدلاً من النظر إلى المسافة التي قطعناها فعلًا فإننا نكبس زر الطاقة القصوى لنهرول بعزم ما فينا كي نقطع المسافة المتبقية. 

وما إن نصل إلى خط النهاية نجده وهمًا وسرابًا، وما زالت المنافسة مستمرة إلى أن تنقطع أنفاسنا لا إلى أن ينقضي الطريق! 

إن هذا الشعور بالمنافسة والمقارنة المستمرة بالآخرين يمكن أن يمنع الشخص من إدراك مكاسبه وثروته الحقيقية بين الحين والآخر، وهنا يتحول الطموح إلى طمع؛ فنادرًا ما نجلس مع أنفسنا ونفكر في ما لدينا وما حققناه ونشكر الله -عز وجل- على نعمه التي وهبنا إياها.

غياب القناعة

القناعة والطموح

هناك خط رفيع يفصل بين الطموح والطمع؛ فقد يعتقد الناس أنهم إذا حققوا كل أحلامهم المتعلقة بمستوى معيشتهم ونمط حياتهم سيصبحون راضين عن أنفسهم، ولكن هيهات! 

فحتى إن تحققت كل قائمة أحلامهم وأمنياتهم التي تطمح للوصول إلى أسلوب حياة مثالي -من وجهة نظرهم-،
قد يظل هناك شعور بداخلهم أن شيئًا ما لا زال مفقودًا.

هل تعرف ما هو هذا الشيء المفقود؟!… 

إنه القناعة.

فوائد القناعة والرضا

إن القدرة على الشعور بالقناعة والرضا أمر في غاية الأهمية لأي شخص؛ لما لهما من آثار إيجابية في سلامة الصحة النفسية والعقلية.

وفي حين أن الشعور بهما قد لا تظهر فوائده الملموسة على الفور، إلا أنه يمكن ملاحظة بعض السلوكات الإيجابية في
أثناء التفاعل مع الأسرة والمعارف والأصدقاء، وملاحظة التغير الشامل في نمط الحياة اليومي.

قد لا يوفي الحديث عن فوائد القناعة وثمارها قيمتها الحقيقية، ولكن -على سبيل المثال لا الحصر- القناعة تعمل على:

  1. تعزيز راحة البال 

قد تساعدك راحة البال في رحلة تنمية ذاتك وتطويرها، فالرضا لا يعني أن تتجاهل أحلامك وتطلعاتك بل يعني أن تكون في سلام مع الحاضر؛ تتقبله وتستمتع بكل يوم في حياتك في أثناء التخطيط لمستقبلك.

إن لم تصل إلى القناعة الشخصية بما حققته في المرحلة الحالية من حياتك، فقد لا تتحمس للعمل نحو مستقبل أفضل
أو تفقد شغفك بتطوير مهاراتك.

  1. تحسين الشعور بالسعادة

الرضا والسعادة شعوران متلازمان، فعند تقبل أوضاعك الحالية والرضا بما قسمه المولى -عز وجل- لك؛ تبلغ مؤشرات مستوى السعادة ذروتها.

فمجرد النظر إلى نصف الكوب المملوء بدلًا من الفارغ، والتركيز على إنجازاتك الفعلية بدلًا من التفكير في أمورك
غير المكتملة؛ من شأنه أن يحسن جودة حياتك بوجه عام.

  1. إقامة علاقات جيدة

إذا سكنت القناعة روحك، وملأ الرضا قلبك؛ فحتمًا ستتغير نظرتك إلى الناس من حولك، وستصبح قادرًا على قبولهم
كما هم وليس كما تريدهم أنت.

ولعل من أهم فوائد القناعة قَبُول الآخرين، بصرف النظر عن عيوبهم أو أوجه القصور عندهم؛ فيصبح الطريق ممهدًا
لبناء علاقات أقوى وأعمق وأكثر فاعلية معهم في المستقبل.

  1. التمييز بين الرغبات والاحتياجات

متى رضيت، فقد لا ترغب في أي شيء أكثر مما تحتاج إليه؛ فمقومات الحاضر المتاحة تكفي لعيش حياة سعيدة ومتكافئة. 

وغالبًا ما يجعلك الرضا تدرك أن الفرح لا يأتي من الأشياء المادية، بل يكمن في داخلك.

  1. تعزيز البساطة

عندما تستطيع التمييز بين رغباتك واحتياجاتك؛ فإنك ستتوقف عن تحميل نفسك ما لا طاقة لها به، وتحررها من ضغوط الرغبة في المزيد والمزيد، وتعتاد السعادة بما لديك، سواء أكان قليلًا أم وفيرًا.

وبدلًا من الرغبة في زيادة ثروتك وممتلكاتك، ستبدأ في السعي لتطوير ذاتك؛ لأنه في نهاية اليوم قد يكون السلام الداخلي الذي يغذيه الرضا أهم من السيارة التي تقودها أو حتى المنزل الذي تعيش فيه.

كيف تتحقق القناعة؟

في الحقيقة، لا يمكن وضع منهج معين أو خطوات محددة لتحقيقها؛ فكل منا لديه شخصية مختلفة ومعتقدات مختلفة. 

ولكن هناك بعض النصائح التي ستساعدك في الوصول إلى الرضا، نذكر منها ما يلي:

1) الشكر والعرفان 

إن اعتدت شكر النعم؛ فقد تعلمت التركيز على الجوانب الإيجابية في حياتك مع غض الطرف عن الأشياء التي تفتقر إليها.

2) تحكم في قرارك

من يفتقرون إلى القناعة الشخصية غالبًا ما تنحصر أفكارهم في مقولة “إن حصلت على كذا؛ سأكون سعيدًا”،
فتصبح سعادتهم دائمًا مشروطة بوقوع حدث معين أو امتلاك شيء بعينه.

ولكن تذكر أن السعادة لا تعتمد دائمًا على ما تملكه، وإنما هي قرار ينبع من داخلك.

اقرأ أيضًا: السعادة قرار – لا تنتظر أن تمنحها لك الحياة!

3) تخلص من عادة الشراء

اعتاد الكثير منا أن الطريقة المثلى للتغلب على الضيق والسخط هي شراء العنصر الخارجي الذي يُعتقد أنه سبب الضيق وعدم الرضا.

ولا نبذل أي جهد للوقوف على رأس المشكلة والسبب الحقيقي للاستياء، فعلى سبيل المثال:

إن لم يعد ما تحويه خزانة ملابسك يرضيك؛ تذهب لشراء ملابس جديدة.

وإن لم تكتفِ بسيارتك؛ تسرع لشراء واحدة جديدة.

لقد اعتدنا إرضاء استيائنا ببساطة عن طريق إنفاق المزيد من المال.

لكن يجب علينا كسر هذه العادة؛ فالممتلكات المادية لا تسبب الرضا الدائم، وسرعان ما يعود السخط مرة أخرى.

حاول أن تواجه نفسك وتفهمها جيدًا؛ لتكتشف لماذا يؤدي غياب هذا العنصر إلى عدم الرضا.

4) لا تقارن نفسك بالآخرين

لا شك أنك ستشعر بالسخط عند مقارنة حياتك بالآخرين دائمًا، فغالبًا ما سيظهرون أنهم يعيشون حياة مثالية وأنهم أفضل منك حالًا.

 لكن كن حذرًا؛ فنحن دائمًا نقارن أسوأ ما نعرفه عن أنفسنا بأفضل الافتراضات التي نتخذها عن الآخرين.

حياتهم ليست مثالية أبدًا كما يتخيلها عقلك، أنت مميز، وحياتك مختلفة. 

5) مساعدة الآخرين

عندما تبدأ في مساعدة الآخرين، وتعتاد مشاركة مواهبك ووقتك وأموالك؛ ستتعلم كيف تكون راضيًا.

 وستمنحك هذه الممارسات الفرصة لمعرفة من أنت، وماذا تملك، وما لديك لتقدمه.

وفي النهاية، تذكر أن القناعة كنز لا يفنى، وأن الوصول إلى جوهر الرضا لا يتحقق إلا بشكر النعم.

واعلم أن الحياة ليست سباقًا أو منافسة، وأن القناعة والطموح لا يتعارضان.

وأخيرًا، كن على وعي بأنه لا يوجد شيء دائم، وافهم أن عمر السعادة بالأشياء المادية قصير جدًا.

المصدر
The Essence of Contentment: How Acceptance Promotes HappinessContentment: How to Find This Unmistakable FreedomContentment and Acceptance as Keys to Happiness
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق